الوضع المتأزم في لبنان واستمرار الصراع بين الحكومة والمعارضة، عطلا الحياة المعيشية للمواطنين، لكنهما في المقابل ساهما في اندماج المواطن اللبناني مع الوضع ببحثه عن وسيلة جديدة للتكيف مع هذه التطورات. «مصائب قوم عند قوم فوائد». مثل ينطبق على البعض في الأزمة اللبنانية المستعصية، بحيث يجمع مخيم المعتصمين في وسط بيروت، العديد من القصص والحكايا التي تعكس واقع البلد وأحوال الناس، الذين غيروا نهج حياتهم وفقا للمتغيرات الجديدة التي طرأت على البلاد.
فمن مهدي، الفتى الذي أرغمه والده على مغادرة مقاعد الدراسة قبل شهرين ليلتحق بمهنته الجديدة كبائع للنراجيل وسط خيم المعتصمين، إلى حسين فاضل الذي طرده أرباب عمله في أحد مصانع الرخام قبل أيام على بدء الإعتصام بسبب تدهور الأوضاع، فارتأى استحداث خيمة «ترتوار» على طرف المخيم ليعود قادرا من جديد على إعالة أولاده، وصولا إلى مطاعم الدرجة الأولى في الوسط التي تحولت من أماكن للنخب تقدم الكافيار والوجبات الفاخرة، إلى مطاعم شعبية تقدم الفول والفلافل تماشيا مع حاجة السوق وأذواق المعتصمين وإمكانياتهم.
فمطعم المدينة، الكائن تحت مبنى العازارية الأضخم في« داون تاون» بيروت، عوض المعتصمون خسارته موظفي المؤسسات العاملة في الوسط التي أقفلت مؤقتا أو نهائيا بسبب الأوضاع، فتبديل بسيط في نوعية السندويتشات -يقول صاحب السناك حسان عقيل- كان كفيلا بجذب عدد كبير من المعتصمين في ساحة رياض الصلح إلى المطعم، وبالتالي فإن خسارته بغياب أهل الوسط عوضها بحضور المعتصمين ضيوف الوسط، ومن عدد ساعات عمل محدودة إلى دوام مفتوح أربع وعشرين ساعة لتلبية طلبات الزبائن الجدد.
آخرون كثر وجدوا في مخيم المعارضة سبب رزق، بعدما كانوا حتى الأمس القريب عاطلين عن العمل، ومن هؤلاء اسماعيل سعد الذي أقفل مطعم الوجبات السريعة في منطقة رأس النبع، ليفتتح فرعا جديدا تحت خيمة في الوسط، نقل معدات الشواء والقلي والطبخ إلى أحد أرصفة البلد وانطلق في ورشة عمله النشطة، رصيف عريض مزدحم بعربات المشروبات والمأكولات الرخيصة صار منافسا لمحلات الوسط الأغلى في البلاد كلها، والأطعمة التي حرم منها المعتصمون في بداية تحركهم صارت اليوم في متناولهم، بعدما أضحى ذلك الرصيف يقدم السلطات الجاهزة والكبة النيئة والتبولة وورق العنب في علب بلاستيكية جاهزة ممهورة بتوقيع «أم محمد» و«مأكولات ست البيت» وغيرها..
ولا تقتصر فائدة البعض على النواحي المادية بل تتعداها إلى النواحي الإجتماعية والثقافية، التي تحضر موضوعاتها يوميا في «الصالون الثقافي»، وهو عبارة عن خيمة ضخمة وضعت في الوسط يلتقي فيها كل مساء شباب من مختلف التيارات والأحزاب والطوائف حول محاضرة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، وقد ساهمت هذه الخيمة على مدار الأسابيع الماضية في توحيد الرؤى والمفاهيم على حد تعبير أحد المعتصمين وسام الحاج إلى درجة بات الكل يدرك ماهية مؤتمر باريس 3 مثلا وجدواه وانعكاساته على البلد، وكذلك صرنا أقرب إلى آراء وأفكار بعضنا وبتنا ندرك بشكل أعمق مبادئ كل تيار وجهة.
بيروت ـ ثناء عطوي
