فتاوى الفضائيات وأزمة التصدي للفتوى دعت البعض إلى الحديث عن ضرورة وجود فقه جديد أو وضع ضوابط وشروط يمكن من خلالها إجازة الفتوى لمن يرى العلماء فيه توافراً لهذه الشروط.

وحول إمكانية وجود ما يسمى بفقه جديد قال علماء ومفكرون: إن الحديث عن وجود فقه جديد كمن يتحدث عن كهنوت رجال الكنائس، لأن وجود فقه جديد معناه وجود شرع جديد وهذا ينافي الدين الإسلامي، الذي له قواعد وأصول ثابتة.

وأوضح العلماء أن المطلوب هو وجود علماء على قدر الفتوى من حيث شروطها وقواعدها المستمدة من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وطالبوا في الوقت نفسه بتفعيل دور المجامع الفقهية المنتشرة في البلاد الإسلامية.

د.عبد الله سعيد أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف قال: إن الحديث عن حاجة المسلمين إلى ما يسمى بفقه إسلامي جديد يواكب تطورات العصر الحديث يمثل تغييرا للشرع، خاصة أن معنى وجود فقه إسلامي جديد أن يستند هذا الفقه إلى شرع جديد له أصوله وقواعده، وذلك معناه أيضا أننا نغير الشرع الحالي، الذي يقوم على السنة النبوية الشريفة والقرآن الكريم، وهذا في حد ذاته ليس من الدين في شيء لأن قواعد وأصول الفقه الإسلامي مستمدة من الشرع والذي لن يتغير إلى يوم الدين.

ويضيف: إن الفقه الحالي يحقق كل مطالب الحياة ويمكن عن طريق إعادة النظر في الشروح، التي عليه أن تستمد أحكاماً جديدة تواكب الحياة، ولذلك نرى أن الحديث الدائر حالياً عن فقه جديد إنما يتطلب إعادة النظر فيه، خاصة أن فقهنا الإسلامي ظلم نتيجة سوء الفهم، الذي أصابه من جانب بعض القائمين عليه وهم من نطلق عليهم أدعياء الفقه.

ويرى د.عبد الله أننا إذا تحدثنا عن الفقه، فيجب أن نتحدث عن المذهب، الذي هو قائم على الجوهر مثلما قامت مذاهب إسلامية فقهية في العصور السابقة استندت في أصولها على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وعلى مبدأ القياس الإسلامي والاجتهاد في نصوص والنصوص المؤولة في القرآن الكريم، التي يمكن أن نعمل عليها مبدأ القياس بحيث تصدر أحكاماً فقهية جديدة تواكب العصر الحديث، وطالبا في نفس الوقت أن يكون هناك علماء يعملون مبدأ الاجتهاد بشكله الصحيح، كما اجتهد علماء الأمة من قبل مثل ابن تيمية وابن حنبل وغيرهما من العلماء المفكرين الكبار.

فقه جديد

ويؤكد د.عبد الله سعيد أن الفقيه الجيد هو الذي يحفظ الفقه حفظاً علمياً وشرعياً صحيحاً يواكب من خلاله تطورات الحياة، ومتطلبات العصر الحديث ويصلح به أموراً كثيرة قائمة، ولا يجعل هناك عازلاً بين الفقه وبين ما تتطلبه أمور الحياة من وسائل جديدة ومعاصرة، ومثال ذلك أن هناك أموراً تتطلب فقهاً مستنبطاً من الفقه القائم، وهو الفقه العلمي أو تطبيقات الأحوال الشخصية ونفس الأمر يمكن تطبيقه حول قضية ميراث المرأة في الإسلام، خاصة أن هناك بعض القرى في الريف المصري على سبيل المثال لا الحصر تعاني من حرمان الأنثى من حقوقها، ولكن بنظرة واقعية لأصول الفقه سنجد أنه مخالف تماماً لما تقوم به هذه القرى،إذ أن الإسلام أعطى الأنثى حقوقها بشكل كامل والتي تبدأ من وجود ذمة مالية لها بشكل منفصل، وكذلك لها ميراثاً سواء من الزوج أو الأب، وبالتالي فما نراه حالياً من عادات خاطئة ليس من الفقه الإسلامي في شيء، ولذلك لابد من وجود نظرة تجديدية في فقهنا الإسلامي وليس كما يشاع حالياً من وجود فقه جديد من جانب القادرين على استنباط الأحكام وليس من جانب أدعياء الفقه.

ومن جانبه أشار د.مصطفى غلوش الأستاذ بكلية أصول الدين إلى ضرورة إعادة النظر في الفقه الحالي بحيث يمكن من خلال النظر والاستدلال بالإضافة إلى ضرورة إعادة النظر إلى حقيقة، وأهمية الفقه الحالي والتي تلبي كل متطلبات الإنسان المسلم بكل تفاصيلها الحياتية اليومية ومنها الملابسات التي تحيط بالمسلمين في أي مكان كان بغض النظر عن مكان تواجد هؤلاء المسلمين، فالفقه الحالي يلبي حاجات الفقير والغني إضافة إلى أن الفقه الذي يسير عليه المسلمون اليوم به كل صور وأشكال الأحكام التي تخص المسلم سواء كانت هذه الأحكام تخص العبادات أو قضية العدل أو علاقة الإنسان بنفسه أو علاقته بربه أو حتى علاقته بأهله، ويعد أنه انطلاقاً من السنة النبوية الشريفة، التي حثت على ذلك أو من النصوص القرآنية التي أكدت وأوضحت وفصلت علاقة الإنسان بالدين وما هي الأسس الصحيحة التي يمكن أن يسير عليها.

ويضيف د.غلوش أن الفقه الحالي لم يترك أي صورة من صور الحياة وحركة الإنسان منذ ولادته إلى أن يدخل القبر ألا وقد شملها ونظمها، ووضع لها القوانين والقواعد التي ينطلق منها الإنسان، أيضا عندما نتحدث عن ضرورة وجود فقه إسلامي جديد حتى يمكن أن يرد به على الذين يستخدمون الفضائيات بأن هذا الكلام غير صحيح، لأن معنى وجود فقه جديد أنه يشبه ما يسمى بكهنوت رجال الكنائس الذين تركوا الأصل واستنوا قواعد من عندهم يسير عليها الناس، مثل مكوك الغفران قديماً، ولذلك وجب على المسلمين أن يدركوا أن الفقه عبارة عن قرآن وسنة ونصوص ثابتة، ثم قياس يقوم عليهما يمكن من خلاله استنباط الأحكام.

صياغة جديدة

وشددت د.آمنة نصير بجامعة الأزهر على أهمية أن يدرك المسلمون قواعد دينهم أولاً قبل الحديث عن طرح فقه إسلامي جديد، لأن هناك أموراً موجودة في الفقه بحاجة إلى طرحها في صياغة جديدة، ومثال ذلك عندما يقول البعض ما هو رأي الدين في الفنانات اللاتي يقمن موائد رمضان حتى يفطر عليها الناس وهل لهن أجر بذلك أم لا، ونفس الأمر ينطبق على بعض الراقصات، فنحن قلنا إن هذا أمر جيد طالما أن المسلم يبتغي به وجه الله تعالى . وترى د.آمنة أننا اليوم بحاجة إلى توحيد قواعد القياس عن طريق المجامع الفقهية الموجودة في البلاد الإسلامية لأن مهمة هذه المجامع أن تطور من الفقه، لا أن تأتي بفقه جديد، بحيث يمكن أن نجيب عن أسئلة عامة المسلمين فيما يخص القضايا الطارئة وللعلم، فإن دعاوى التجديد في الفقه ليست آنية، ولكنها منذ زمن طويل والمشكلة هنا تكمن في أنه لا يوجد من العلماء بتعيين قوة العلماء السابقين، أمثال: الشافعي أو بن مالك أو غيرهما من العلماء الذين ملكوا زمام الاجتهاد فقدموا لنا مذاهب فقهية يسير عليها الناس حتى يومنا هذا.

القاهرة ـ أيمن غازي