أناس من الناس لهم أثرة عند الله، ومقام محمود بين خلق الله فهم في نشأتهم محاطون بالرعاية، وفي حياتهم مشمولون بالعناية والهداية، ولم تكن حياتهم لأنفسهم، بل كانوا مثلاً يهتدى بهديهم، ويسار على نهجهم، ثم غدت ذكراهم من بعد: كالمصابيح، تضيء للإنسانية معابر الحياة، إذا التوت عليها الطرقات، وتبصرها مسالك الرشاد إذا خيمت على الدنيا ضلالة، أو ران على البصائر ظلمة الشهوات.

فهم في الحياة وبعد الممات كالمعالم الوضاءة في مراحل الزمن وأولئك هم الهداة المهتدون، وهم السابقون، وإنما أضفى عليهم ربك من فيضه وآثرهم بالمزيد من حبه، لسبق علمه بأنهم الأصفياء والأبرار، وهم الأوفياء والأنصار، فهم دائماً في جنب الله، يحمدونه على النعماء في السراء، ويصبرون على بلائه في الضراء.

فلا تستكثر عليهم ذلك، ولا تقل: لم يكن كل الناس كذلك؟ فربك عليم بخلقه، وحكيم في أمره، يخلق ما يشاء ويختار وليس لك إلا أن تؤمن طائعاً بالحق، وأن تسلك سبيل الحق، ولعلك بهديهم واصل إلى منازلهم أو مقترب: ورحمة الله قريب من المحسنين.

وهذه مريم ابنة عمران، دوحة كريمة في منبت كريم، وفرع شامخ من أصل راسخ.

ذكرها نبينا محمد - صلوات الله عليه - أول نسوة أربع، أحرزن من المجد ما لم يتح لغيرهن، فقال: «أربع نسوة سادت عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، زوجة فرعون المؤمنة التي شهد لها القرآن وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد».

وان القرآن ليرفع من قدرها، ويضاعف من شأنها، ويردد من ذكرها حتى ليجعلها فوق ما يتصورون.

مريم ابنة عمران من ولد سليمان، ومن ذرية إبراهيم عليهما السلام، وأبوها عمران بن ماثان، بعد موسى بأكثر من ألف وسبعمئة سنة، وليس هو عمران بن يصهر ابا موسى وهارون كما يشتبه الأمر، وقد وضع الله آل عمران هذا في مصاف الأخيار وشهد لهم فيمن شهد من الأبرار فقال: « إن الله اصطفى آدم ونوحا، وآل إبراهيم، وآل عمران على العالمين».

وحسبك أن يكون آدم أبوالبشر ونوح وهو أبوالناس بعد الطوفان، وإبراهيم أبو الأنبياء، وآل عمران بما فيهم مريم وعيسى كلهم في سياق الثناء سواسية، وأن الله أفضلهم على من عداهم وان كانت المنازل بينهم متفاوتة فهم راجحون على من سواهم، وليس يبلغ مبلغ أحدهم أحد، وهم أصول باسقة بفروعها، وفروع قائمة على أصولها «ذرية بعضها من بعض» وقديماً قالوا: لا ينبت الخطى إلا وشيجة، وقالوا: لا تنبت إلا في مغارسها النخل.

وامرأة عمران تبتغى الذرية لتتخذ منها زلفى إلى ربها فتسأله ما يشوقها ثم يكون من أمارات القرب إلى الله أن يتقبل دعاءها وإنما يتقبل الله من المتقين.

«إذا قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل منى انك أنت السميع العليم». «فلما وضعتها قالت رب انى وضعتها أنثى.. واني سميتها مريم، وانى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم».

ولما أحست بالجنين توقعته غلاماً، وتعلق أملها أن تهبه للعبادة، وتحرره من قيود البنوة، وتتخلى عن أنسها به ليتفرغ للعبادة وملازمة المعبد، على عادة البررة من أهل زمانها، وإذ استجاب الله لها فحملت بعد ما كادت تيأس فان الأمل ليقوى أن يكون الحمل غلاماً لها تحريره، وهى لذلك تبادر بالعهد على نفسها وتقول: «رب إنى نذرت لك ما في بطني محرراً، فتقبل منى، انك أنت السميع العليم».

ولكن امرأة عمران تفاجأ بغير ما تمنت فتضع أنثى لا ذكراً ويخالجها أسف كثير لفوات الأمل في المولود فان الأنثى لا تبلغ من الصلاحية للتحرير ما يبلغه الذكر، ولم يكن من عادتهم تحرير البنات للعبادة والمعابد.

ولأن عدم تحقيق الأمنية قد يثير عندها من وجل الأتقياء ما يشككها في منزلتها عند الله، بعد أن قوى الرجاء في ذلك منذ حملت بعد يأس، فهي تضرع إلى ربها في لهجة الأوابين، وخشوع المتذللين، وتجأر بالمعذرة عن فوات مقصودها وان لم يكن ذلك من عملها وتقول: «رب إني وضعتها أنثى» وتقول «وليس الذكر كالأنثى» أي ليسا سواء في المنزلة وتعلق الرجاء بهما، ثم تركن إلى ربها فيما بقى لها من أمل فتقول: وإني «سميتها مريم - عابدة - وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم».

هذه نجوى امرأة عمران إلى ربها ومبلغ الأمل في وليدتها أن يحفظها من همزات الشيطان لتكون مؤمنة تقية، وعابدة وفية، وطاهرة نقية، ويكون فيها عوض لها عن الغلام الذي كانت تأمله.

رجاء علي