فيما أعلنت وزارة التربية والتعليم عن شروط محددة للترشح لوظيفة مدير أو مساعد مدير لمدرسة أو مركز أو روضة أطفال، من ضمنها شهادة (التوفل) في اللغة الإنجليزية بدرجة لا تقل عن 500، إضافة إلى شهادة الرخصة الدولية لقيادة الحاسب الآلي، وتقارير امتياز وسنوات محددة من الخبرة، أبدى تربويون رفضهم القاطع لما أسموه تحجيم الترشح للإدارة المدرسية من زاوية (التوفل) التي رآها البعض شرطاً تعجيزياً غير مبرر، ومن الممكن أن يؤدي في وقت لاحق إلى إهمال كفاءات قيادية وخبرات أثبتت مقدرتها على العمل الإداري الاحترافي على مدى سنوات.

في المقابل اكتفت مصادر مسؤولة بوزارة التربية والتعليم بالقول إن شرط الـ 500 درجة في (التوفل) أمر إيجابي يهدف إلى رفع سقف طموح التربية في توفير كفاءات قادرة على الإلمام بمفتاحي العصر الحديث وهما الحاسوب واللغة الإنجليزية، مدعية أن الهدف منه ليس «تطفيش» العناصر والخبرات المواطنة بقدر ما هو دليل تحد واجتهاد يرمي إلى زيادة الثقة والأمان في تولي زمام المدرسة باستقلالية مطلقة بعيداً عن أي نقص أو سلبية. ومؤخراً برز إلى السطح توجه جديد مكمل للنظرة التطويرية التي تسير بها الوزارة، حيث من الممكن ضم أعضاء الهيئة التدريسية لبرامج التأهيل التي توفرها التربية لمديري ومديرات المدارس، التي تشمل رخصة قيادة الحاسوب وشهادة اللغة الإنجليزية الموازية للتوفل، على اعتبار أن التربية جادة في تزويد موظفيها سواء كانوا إداريين أو معلمين ما يلزمهم من مهارات الحاسوب واللغة.

عقدة التوفل

وقد رحب الميدان التربوي بهذا التوجه المدروس والمعقول كما وصفوه، معتبرين أن الأولوية تتحدد في أن تأخذ وزارة التربية على عاتقها تزويد كل من ينتسب إليها بمهارات التواصل العالمية، خدمة لوظائفهم ولمدارسهم وللطلبة في نهاية المطاف، لا أن تتركهم ملزمين بـ 500 درجة لامتحان (التوفل) كشرط إجباري للترقية إلى الإدارة المدرسية، إذ يتعين على وزارة التربية أن تمكن موظفيها في وظائفهم، وليس تخيرهم بين الاستمرار والترقية بعقدة (التوفل).

مصدر مسؤول بوزارة التربية حذر من أن مثل هذه الشروط قد تحد من عزم الكوادر المواطنة على طرق باب التربية، لا سيما وأن الميدان يعاني أصلاُ من شح في الكوادر الوطنية للصف الثاني، لافتاً إلى أن الدوائر المحلية في دبي لا تطلب مثل هذه الشروط في موظفيها، فكيف لوزارة التربية أن تجبر إدارييها على توفل وبدرجة 500، حيث انه كان الأولى بوزارة التربية أن تضع دورات تدريبية متخصصة كشرط لاجتياز الترشح للإدارة المدرسية، فذلك المجال يحتاج شخصية تملك أسساً تربوية بحتة وليس شهادات ورقية.

القيادة التربوية

منى جعفر مساعدة مديرة روضة الهدى في دبي اعتبرت أن مطلب شهادة التوفل عبء على الميدان ولا تقيس مؤهلات الشخص القيادية، حيث من غير المعقول أن يحرم شخص ما من الترشح للإدارة لعدم امتلاكه شهادة اللغة الإنجليزية الحازمة بدرجة 500، وذلك رغم امتلاكه مقومات القيادة التربوية التي تؤهله لتولي هذا المنصب.

أما حليمة عبدالله مديرة روضة الهدى فقالت إنها حاولت وقبل صدور القرار أن تحصل على شهادة التوفل، رغم استطاعتها التحدث بالإنجليزية وقد تخرجت من الجامعة بامتياز في هذه اللغة، وتقدمت للامتحان برفقة اثنتين من المعلمات في الروضة، أربع مرات ولم تستطع أن تتعدى عتبة 486 نقطة، موضحة أن المعلمتين تحاولان نيل درجة متقدمة في التوفل لمواصلة مشوارهما في الترشح لمنصب مساعدة مديرة، ولكن الحظ لم يحالفهن رغم أنهما تتحدثان الإنجليزية بطلاقة.

وأضافت أن خضوع المرشح لمقابلة شخصية في الإنجليزية أمر مقبول عوضاً عن شرط التوفل الجديد، لافتة إلى أن طيران الإمارات يطلب في بعض الوظائف توفل بدرجة 450، فلماذا التعقيد في وزارة التربية التي من المفترض أن تكون أداة محافظة وليست «تطفيش».

دورات متخصصة

أمينة إبراهيم مديرة مدرسة الجاحظ التأسيسية للبنين قالت إن طلبة المدارس الخاصة يتخرجون ولا يستطيعون الحصول على 500 في التوفل، وهذه الدرجة مطلب الجامعات للبدء في الدراسات العليا، فكيف لمدير مدرسة أو معلم ابتعد عن الدراسة أكثر من 10 سنوات أن يأتي بهذه النتيجة.

مؤكدة أهمية أن تفتح وزارة التربية المجال أولاً لكوادرها للحصول على هذه الشهادة قبل أن تضعها شرطاً للترقية، حيث من غير المنطقي أن يتوه التربويون بين المعاهد الخاصة التجارية طلباً لهذه الشهادة في وقت ضيق من يومهم، فالحل الأجدى بالنسبة لكوادر التربية يكون في دورات تدريبية متخصصة تعالج قصور الميدان عامة في جوانب محددة، كما هو الحال مع الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب التي أظهرت استجابة وفائدة كبيرة.

ولم تبتعد دلال السويدي مساعدة مديرة الجاحظ عن ما سبق، حيث أكدت أن الرخصة الدولية للحاسوب حقيقة مقبولة، فيما من الصعب الأخذ بشرط التوفل بسهولة وقناعة، حيث إن أعمال الإدارة المدرسية لا تتعدى إتقان اللغة الإنجليزية إلى حد ما بعيداً عن التقيد بدرجة 500 كحد أدني.

25% عاجزون

عبد الغفور يوسف مساعد مدير مدرسة دبي الثانوية للبنين أوضح أن 25% من التربويين لا يمكنهم اجتياز الشروط الجديدة الموضوعة في الترقية، وذلك على الرغم من أهمية انخراط الجميع في برامج متخصصة في الحاسوب واللغة الإنجليزية، مشيراً إلى أنه يقدر مبادرات التربية في التطوير التي تندرج في إطار تمكين المدارس التي أضحت في استقلالية مشهودة من التواصل مع الجهات الخارجية، لا سيما الخبرات الأجنبية، حيث يتعين على وزارة التربية أن تهتم بتطوير عناصرها وفق منظومة واحدة خصوصاً في هذه الفترة.

بدورها أكدت فاطمة الزعابي مديرة روضة البراءة في دبي أهمية اللغة الإنجليزية من حيث إن استفادة المؤسسات التعليمية في الدولة أصبح كبيراً مع جامعة زايد وكليات التقنية العليا، حيث ان معظم خبرات هذه الجامعات أجنبية تحتاج إلى من يجيد التعامل معها بالإنجليزية، مشيرة إلى أهمية أن يتميز المديرون عن نظرائهم بشهادات ومؤهلات أخرى، حيث من الأجدى أن تتسلح هذه الفئة بشهادات عليا خدمة للمؤسسة التي تنتمي إليها ولأبنائنا الطلبة. ولفتت إلى أنها ستوفر خلال شهري مايو ويونيو المقبلين دورة في اللغة الإنجليزية للمعلمات العاملات في الروضة عن طريق معلمة أجنبية، وذلك استناداً إلى رؤية وطلب الإدارة والمعلمات أنفسهن.

محمد عيسى الخميري مدير إدارة التوجيه التربوي بوزارة التربية والتعليم قال إن الشروط الموضوعة للترقية إلى وظيفة مدير أو مساعد مدير، وجدت كمطلب من قطاع الإدارة التربوية بالوزارة، وهو أمر إيجابي للارتقاء بأفق الميدان وطموحاته، مشيراً إلى أن الوزارة مهتمة بتأهيل وتمكين العاملين لديها، حيث يخضع في هذه الأثناء نحو 400 مدير مدرسة لدورة في اللغة الإنجليزية بعد أن أنهوا متطلبات الرخصة الدولية لقيادة الحاسب الآلي، ويتبع ذلك دورات أخرى في القيادة التربوية.

الموجه والإدارة المدرسية

يرى محمد الخميري أن إتاحة المجال أمام الموجه للترشح لوظيفة مدير مدرسة، جاء من باب أنه قادر على شغل هذا المكان باقتدار، لا سيما أنه يملك خبرات فنية وتدريبية بنسبة كبيرة، والتوجيه قادر على إدارة المدرسة بالفكر الجديد الذي توده الوزارة، ولهذا السبب تم الإيعاز من قبل الإدارة التربوية لفتح الباب أمام الموجهين، لافتاً إلى أن درجة 500 في التوفل ليست بالأمر الصعب. وأشار إلى أنه من حق مديري المدارس أن يطالبوا بامتيازات توازي المهام والمسؤوليات والشروط الملقاة على عاتقهم خلال المرحلة الحالية، ففي دولة قطر تم منح المدارس صلاحيات عدة منها الميزانية المستقلة، ولكن مقابل مردود مادي يحفز على العمل والإبداع وتحمل المسؤولية.

كفاءات لا تجيد الإنجليزية

اعتبر محمد الحوسني موجه أول إدارة مدرسية أن مطلب التوفل في الترقية غير مبرر تربوياً أو إدارياً، حيث انه وعلى الرغم من أهمية اللغة الإنجليزية في مختلف ميادين الحياة، إلا أن جعلها مفصلاً أساسياً للانتقال إلى مرتبة أعلى أمر غير معقول بالنسبة للساحة التربوية، وهو ما يهدد بافتقاد الساحة لكفاءات كل ذنبها أنها لا تجيد الإنجليزية بالحد المطلوب من الوزارة.

وأشار إلى وجود مديرين نجحوا وتألقوا في أداء المهام المطلوبة منهم على أكمل وجه، وأثبتوا فعاليتهم وتأثيرهم في الارتقاء بالعملية التعليمية دون ان يتسلحوا بـ 500 درجة في التوفل، ومن الممكن أن نفتقد أمثالهم إذا أصرت الوزارة على شرطها الجديد.

قراءة بعيدة عن الواقع

أثارت مصادر بوزارة التربية والتعليم إشكالية أن متطلب التوفل الذي وضعته التربية قد يحد من العناصر المواطنة الملتحقة بقطاع التربية نظراً لعدم قدرتها على استيفاء الشروط، وهو ما سيمهد الطريق في خطوة لاحقة إلى استقدام عناصر أجنبية لتولي إدارة المدارس، الأمر الذي سيكون بديلاً منافياً للأعراف الوطنية التي تدعو إلى المحافظة على الكفاءات الوطنية وإتاحة المجال أمامها لإدارة دفة التعليم في الدولة.

هذا الطرح استبعده العاملون في الميدان، واعتبروه أمراً لا يمكن أن يتحقق، حيث ان دولة الإمارات أضحت تحتل مكانة مرموقة بين الدول المهتمة بالتعليم وبالإنسان، ونسبة الأمية المنخفضة التي تصل إلى 6% دليل على ذلك.

دبي ـ عنان كتانة