غيب الموت معلماً في مدرسة محمد بن راشد الثانوية في دبي بعد أن قدم ملحمة واقعية لشخص أحب عمله فكان له بمثابة الهواء الذي يتنفسه ولا يقدر على العيش دونه ، فأي أمراض عضوية عانى منها كانت تختفي وتتلاشى بمجرد أن يجد نفسه يؤدي دوره بإخلاص وتفان تجاه أجيال ستكون ذات يوم السواعد التي سيعتمد عليها الوطن في بناء نهضته وتقدمه.
المعلم سقط شهيداً ومعه تعالت آهات وصرخات زملائه وهم يستنجدون بشخص يمد لهم يد العون وينتشلهم من الضغوط النفسية والعصبية التي لم تفارقهم وهم حملة لواء التربية والتعليم، فالأعباء المعيشية المتزايدة والأوضاع المادية المتردية التي يحصلون عليها مقارنة بطبيعة مهنتهم الشاقة أصبحت تفرض عليهم ضغوطاً جمة، اعتبرها أطباء نفسيون بيئة خصبة لحالات الموت المفاجئ، فمع تسليمهم التام بالقضاء والقدر إلا أنهم يبحثون عن إنسان يزيل عن كواهلهم ولو القليل من هذه الأعباء كي لا يحدث لهم ما لا يحمد عقباه.
في الحادية عشرة والنصف من صباح أمس الأول صعدت روح صلاح الدين عبد الرؤوف هواري معلم الحاسوب في مدرسة محمد بن راشد للتعليم الثانوي في دبي إلى بارئها - بعد أن قدم مثالاً حياً للفناء والعطاء وحب العمل أثناء وجوده في منبر العلم (مدرسته)- إثر إصابته بسكتة قلبية مفاجئة لفظ على إثرها أنفاسه الأخيرة في قاعة الألعاب الرياضية بالمدرسة.
وقال محمد حسن مدير المدرسة إن المعلم حضر إلى المدرسة صباح أمس الأول وهو يعاني آلاما حادة في المعدة وبدا عليه حالة إعياء شديدة، وعندما لاحظ زملاؤه عليه هذا الأمر نصحوه بالذهاب إلى المستشفى أو العودة إلى منزله للخلود للراحة، إلا أنه رفض الفكرة لارتباطه بالعديد من الأعمال وشرع للخلود للراحة لبرهة من الوقت في صالة الألعاب الرياضية بالمدرسة كي يتمكن من استكمال عمله.
وتابع مدير المدرسة: كانت دقات الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف صباحاً حين عاد زملاؤه للاطمئنان عليه، إلا أنهم فوجئوا به لا يبدي حراكاً وباءت جميع المحاولات بالفشل لاستثارته، وعلى الفور تم الاتصال بالإسعاف ليجدوه قد فارق الحياة ، وأشار التقرير الطبي إلى أن سبب الوفاة يرجع إلى إصابته بسكتة قلبية.
وأوضح محمد حسن أن المعلم ـ رحمه الله- كان له العديد من الإسهامات في المدرسة إذ ساهم بشكل مباشر في تحويل المدرسة إلى العمل بالنظام الإلكتروني، وعلى مدار 16 عاماً فترة عمله في المدرسة لم يحصل على يوم واحد أجازة ، كما كان من أكثر الأشخاص التزاما بمواعيد الحضور والانصراف وكان يلقى حفاوة وحباً كبيراً سواء من زملائه في العمل أو من الطلبة.
أوضاع المعلمين
وفي سياق متصل دعا المعلمون إلى إعادة النظر في أوضاعهم المادية كي يتسنى لهم تأدية عملهم في أجواء نفسية مستقرة خاصة وأن طبيعة مهنتهم تفرض حالة من الشد والجذب تؤدي بهم بنهاية المطاف إلى الإصابة بالعديد من الأمراض وربما التعرض لإحدى حالات الموت المفاجئ.
وأوضح محمد إبراهيم المعلم بالمدرسة أن الضغوط النفسية التي يتعرض لها أي شخص يمتهن مهنة التدريس تفوق بمراحل أية مهن أخرى، فإضافة إلى أوضاعه المادية المتردية التي تفرض عليه أحوالاً معيشية غير مستقرة، فإن هذه الضغوط تتزايد مع ضخامة الأعباء الوظيفية المفروضة على عاتقه التي يحرص الغالبية على أدائها بإتقان باعتبار أنها تؤثر في أجيال كاملة تحتاج إلى تلقي العلم بالصورة الصحيحة التي تنير لهم طريقهم نحو مستقبل مشرق.
ولفت إلى أنه بسبب هذه الضغوط النفسية فإنه نادراً ما تجد معلماً لا يعاني من أمراض معتادة كالضغط والسكر أو أمراض القلب، وقد يصل به الأمر في نهاية المطاف إلى التعرض لمخاطر كبيرة في حال استمر الوضع على علاته ، داعياً إلى ضرورة إعادة النظر في الأوضاع المادية للمعلمين في الفترة الحالية كي لا يتحول التدريس إلى مهنة طاردة يهرب صاحبها من أعباء لا يتحملها وربما الموت!.
أما عادل شاكر ومحمد سالم معلما الأحياء فقالا إن من يتخذ طريقاً سوياً في هذه المهنة من الصعب أن يوفر لنفسه أوضاعاً معيشية ملائمة وهو ما يضعه تحت ضغوط نفسية شديدة تتسبب له في العديد من الأمراض في أحيان كثيرة، مشيراً إلى تطوير التعليم وتجويده يجب أن يتناسب طردياً مع تحسين أوضاع أدوات هذا التطوير وفي مقدمته المعلمون من خلال توفير أجواء نفسية ملائمة لهم يستطيعون معها أداء دورهم على الوجه الأكمل.
وقال الطبيب النفسي الدكتور علي الحرجان إن هناك ترابطا وثيقا بين جسد الإنسان وحالته النفسية فكلما تعرض الإنسان لتوترات وضغوط نفسية تعرض للعديد من المشاكل العضوية التي تكون مفاجئة في كثير من الأحوال مثل الاضطرابات في النوم وضيق التنفس واضطرابات البطن والزيادة المفاجئة في ضربات القلب بالإضافة إلى الآلام المفاصل.
وأوضح أنه غالباً ما ينتج عن هذه الأجواء النفسية غير المستقرة الإصابة بالعديد من الأمراض مثل السكر والضغط المرتفع وأمراض القلب، مشيراً إلى نمط الحياة وضغط العمل أصبحا خلال الفترة الحالية يفرضان على الشخص العديد من الضغوط النفسية، التي تزداد وتتفاقم بطبيعة الحال في حال انتابته حالة من عدم الرضا سواء المادي أو المعنوي عن عمله.
وشدد الحرجان على أن هذه الضغوط النفسية حال استمرت دون العلاج اللازم فإنها قد تؤدي إلى تعرض الشخص لحالة من حالات الموت المفاجئ مثل السكتة القلبية.
دبي ـ أحمد جمال