عندما قرأت في إحدى الصحف المحلية في بلادها ان جهة حكومية تحتاج إلى سيدة عربية متخصصة في لغة الإشارة تقدمت إلى الوظيفة فوراً حيث بعثت بأوراقها الثبوتية إلى العنوان المرفق مع الإعلان ولأنها حاصلة على الماجستير في علم النفس ولغة الإشارة فقد تم اختيارها حيث أخبرت بذلك، ذهبت (س) فرحة إلى سفارة الدولة المعنية وهناك أخذت الفيزا، ما كادت (س) ترى الفيزا على جواز سفرها حتى شعرت بسعادة كبيرة فهذه الفيزا ستغير حياتها وحياة أسرتها بالكامل، بدأت (س) ترسم أحلامها للمستقبل، كان أول شيء فكرت فيه هو أن تعطي والدها المال ليشتري أرضا جديدة عوضا عن الأرض التي باعها من أجل أن يكفل لها التعليم حتى حصلت على الماجستير وبعد أن تؤمن ذلك لوالدها ستفكر في شراء شقة خاصة بها لعل وجود الشقة يسهل عليها الزواج من أبن الحلال الذي تأخر كثيراً.

الوصول إلى جهة العمل

وسط هذه الأحلام والآمال وجدت (س) نفسها في مكتب فخم في (مدينة للأطفال) المتأخرين من حيث النطق والحركة، حيث التقت مع مديرة المدينة التي رحبت بها ترحيباً كبيراً قائلة لها انها ستكون في سعادة مع هؤلاء الأطفال، كما أكدت لها مديرة الدار بان مكتبها مفتوح لها في أي وقت، كانت هذه هي المرة الأولى التي تغادر فيها (س) بلادها حتى قريتها لم تغادرها إلى المدينة إلا من أجل الالتحاق بالجامعة حيث كانت تذهب في الصباح وتعود في المساء فلم يسمح لها والدها بالمبيت في سكن الطالبات وذلك لأن المبيت خارج البيت لفتاة غير متزوجة يعد في رأي والد (س) عيباً حتى ولو كان في السكن الجامعي الخاص بالطالبات، كانت أسرة (س) أسرة متدينة فأخذت (س) من والدها الحزم في تنفيذ الشرائع الدينية، لذا فإن وجودها وسط هؤلاء الأطفال جعلها تشعر بسلام روحي مع نفسها وتتأقلم بسرعة مع محيطها رغم حنينها إلى القرية وطرقاتها وإلى والدتها ووالدها وأخواتها وكل شيء هناك.

الحفلة السنوية

في نهاية كل عام كانت (المدينة) تنظم حفلة وداع لطلابها وعادة ما تكون هذه الحفلة قبل نهاية العام الدراسي بأيام، وفي الحفلة يجتمع أهالي الطلاب مع الهيئة التدريسية والعاملين في مدينة الطلاب حيث تلقى الكلمات، وتوزع الهدايا، وفي هذا العام تم اختيار (س) لتكون هي عريف الحفل، كانت (س) فتاة ورغم تجاوزها الأربعين من عمرها إلا أنها لا تزال جذابة ملفتة للانتباه حيث تتميز بأناقتها في الملبس مع الاحتشام الكامل وهذا ما يجعلها ذات شخصية متميزة أثناء قيامها بدور عريف الحفل كان (ر) يراقبها بشغف كبير، ورغم أن (ر) متزوجاً وله ابن داخل المدينة، إضافة إلى ثلاثة أولاد آخرين بعضهم في المرحلة الثانوية والإعدادية إلا أنه وجد نفسه منجذباً إلى (س) بكل حواسه، انتهت الحفلة وغادر الكل إلى جهات مختلفة وكذلك فعلت (س) فقد كانت قد حجزت على أول طائرة متوجهة إلى بلادها فهي لا تريد أن تضيع يوماً واحداً وهي بعيدة عن أهلها ووطنها.

العودة إلى العمل من جديد

أثناء الإجازة الصيفية كان (ر) يتردد على (المدينة) سائلاً عن الوقت الذي ستفتح فيه أبوابها لاستقبال الأولاد لكن الحقيقة هي غير ذلك فعندما كان (ر) يأتي إلى المدينة كان من داخله يريد أن يعرف متى ستعود (س) من رحلتها لعله يراها أو يحظى منها بكلمة تخفف عنه نار شوقه إليها، لذا ما كادت المدينة تعيد فتح أبوابها لاستقبال الطلاب حتى كان (ر) أول الداخلين إليها ومعه ابنه بحث (ر) شمالاً ويميناً وشرقاً وغرباً لعله يرى (س).

لكنه لم يتمكن فعاد إلى بيته وكله ألم وحسرة وذلك خشية أن لا تعود إلى المدينة وبالتالي ينحرم من رؤياها ولقائها إلى الأبد، وأخيراً وجد نفسه وجهاً لوجه مع مديرة المدينة يسألها عن (س) متعللاً بأن ابنه يريد أن يراها فعرف من المديرة بأن (س) ستأتي بعد أسبوع، عاد (ر) إلى مكتبه وبدأ يفكر في تصرفاته فقد كانت تصرفاته اليوم غير مناسبة فسؤاله عن (س) كان واضحاً انه من أجله هو وليس من أجل ابنه ثم كيف به يتصرف وكأنه مراهق صغير رغم تجاوزه الخمسين من عمره ورغم مكانته المرموقة.

فهو يعمل في جهاز أمني حساس وعليه أن يتصرف من منطلق أنه رجل مسؤول وعليه تقع مهام خطيرة، ثم ماذا يريد من هذه المرأة هل يريد أن يقيم معها علاقة عابرة فأغلب الظن أنه لن يتمكن من ذلك فهي امرأة يبدو عليها الاتزان والتدين إذاً ماذا يريد منها هل يريد أن يتزوجها، انه ان فعل ذلك سيضع نفسه في موقف حرج فهو رجل متزوج وزوجته من أسرة عريقة، وهي سيدة فاضلة ولها ولأسرتها مكانة اجتماعية كبيرة، حيث ان هذه المكانة هي التي أوصلته إلى ما هو فيه من منصب مرموق فكيف يكافئ زوجته وأهلها على الزواج بامرأة أخرى، ثم ماذا ستكون ردة فعل أولاده وأقاربه ألن يكون ذلك معيباً في حقه..

فكر (ر) كثيراً وسرح إلى البعيد وأخيراً قرر أن لا يذهب إلى المدينة حتى لا يرى (س) ثم إن (س) قد تكون مخطوبة أو مرتبطة عاطفياً بأحد الشباب وقد ترفضه إن هو تقدم إليها لذا من الأفضل له أن يبعد هذه الأفكار عن مخيلته وهكذا فعل لكن مقاومة (ر) لم تدم طويلاً فبعد ثلاثة أيام وجد نفسه يقف أمام (س) يسألها عن ابنه وعن حالته وإن كان هناك تطور يحدث له أو لا، كانت (س) تجيب عن أسئلته باقتضاب ولكن بأدب فلم تدع له فرصة لأن يطيل في الحديث معها لم يكن ذلك يرضي (ر) ولكن كانت هذه هي طبيعتها فهي ترى أن الحديث أو الكلام مع الرجال أمر مرفوض إن لم يكن له داع، لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة، هكذا تعلمت في بيتها، وهكذا قالت لها والدتها، لذا فهي لا تزال وفية لتلك الأخلاق والقيم.

لقاء في المستشفى

خلال فترة تزيد على شهرين حاول (ر) ان ينفرد قليلاً ب(س) لعله يقول لها ما يدور في خلده وما يكنه قلبه لها من حب، كان (ر) يريد أن يعرف رأيها فيه ان تقدم لطلب يدها فقد قدر أخيراً أن يتزوجها، لكن الظروف كانت تحول دون ذلك، فكل مرة يذهب فيها لرؤية (س) كانت تبدو مشغولة مع طلابها أو مع زميلاتها، لذا فقد ضاعت كل آمال (ر) في الحديث إليها في المدينة، في أحد الأيام أصيب ابن (ر) بمرض أدخله المستشفى، وهنا استغل (ر) الفرصة واتصل ب«(س) في مقر عملها طالباً منها أن تأتي لزيارة ابنه في المستشفى لعل ذلك يساعده على الشفاء، أحست (س) بأنه من واجبها الذهاب لرؤية تلميذها.

وهناك وجدت (ر) يجلس بالقرب من سرير ابنه، كان (ر) قد استأجر لابنه غرفة مستقلة في أحد المستشفيات الخاصة، لذا ما كادت (س) تدخل الغرفة حتى فاتحها (ر) بما يدور في خلده منذ رأها، وقال لها انه مستعد لأن يتقدم لطلب يدها الآن إن هي وافقت، طلبت (س) من (ر) أن يمهلها بعض الشيء فقد فاجأها بطلبه هذا، عادت (س) إلى سكنها وهي تفكر في موضوع زواجها وبدأ الأمر كأنه مناسب لها فهي لم تتزوج رغم بلوغها الأربعين أو يزيد وإذا أضاعت هذه الفرصة قد لا تجدها من جديد، وبعد أخذ ورد ومشاورات مع أهلها قررت (س) أن تقبل العرض.

حيث أخبرت (ر) بموافقة أهلها وموافقتها، كاد (ر) يُجن من الفرح، لذا واستباقاً لأي مفاجأة قد تجعل (س) تغير رأيها أسرع إلى شراء شبكة غالية جداً، لكن كل شيء يهون من أجل (س)، قال (ر) ل(س) انه على استعداد لأن يلبي كل طلباتها، لكن له شرطاً بسيطاً وهو أن يبقى زواجه بها سراً حتى لا يصل الخبر إلى أهل زوجته فيخلقون له المشاكل، وافقت (س) على ذلك، حيث قام (ر) باستئجار شقة فخمة لها، وهكذا بدأت آمال وأحلام (ر) تتحقق، فقد أصبحت (س) زوجته ويجمعهما بيت واحد.

الوقوع في المحظور

كانت (س) زوجة مخلصة لزوجها، فقد تفانت في خدمته وكتمت سره، فكل ما تريده هو أن تحيا حياة بعيدة عن كل المشاكل مع رجل يحبها ويقدرها أما (ر) فقد كان زوجاً مثالياً معها لم يبخل عليها بشيء، فقد كان يحبها من كل قلبه، مرت أيام السعادة بسرعة ففي أحد الأيام قام مدير (ر) باستدعائه إلى مكتبه وبعد مقدمة طويلة قال له إن زوجته (س) على علاقة بشاب وإن هذا الشاب يأتي إلى زيارتها في ساعة متأخرة من الليل ويبيت في شقتها، وفي الصباح الباكر وقبل صلاة الفجر يغادر الشقة، وأضاف المدير لقد كدت أصدر أوامري باقتحام الشقة وضبطهما متلبسين لولا أنني تراجعت في آخر لحظة، وذلك خوفاً على مشاعرك وحتى لا أسبب لك أية فضائح، خاصة وأن مكانك حساس، لذا ما أطلبه منك هو أن تطلق هذه المرأة، وبعد ذلك سنقبض عليها متلبسة مع عشيقها، عندها لن يمسك أي سوء لأنك تكون خارج الصورة، نزلت هذه الكلمات كالصاعقة على (ر).

فهو من جهة لا يمكن أن يصدق بأن زوجته تخونه مع أي إنسان، فهي سيدة متدينة وهو يعرف أخلاقها جيداً، لكن في الوقت نفسه لا يستطيع مديره أن يقول هذا الكلام الخطير من دون دليل، فهذا الكلام يمس عرضه ورجولته ومكانته وكل شيء في كيانه، ثم هل يمكن لـ (س) ان تخونه ولماذا تخونه لقد وفر لها كل شيء وهو لم يجبرها على الزواج منه، فإذا كانت على علاقة برجل آخر لماذا لم ترفضه وتتزوج بمن تحب، هل كانت (س) تطمع بثروته وتتزوجه فتأخذ ماله وتستمتع به مع رجل آخر..

أفكار كثيرة كادت تعصف برأسه وأخيراً طلب من المدير ان يعطيه فرصة ليتأكد من الحقيقة بنفسه، بدأ (ر) يراقب زوجته بنفسه وفي أحد الأيام أخذ هاتفها النقال دون ان تدري وعندما استعرض الأرقام التي عليه وجد رقماً يتكرر بشكل مستمر وعندما بحث عن الوقت وجد بأن صاحب الرقم يتصل في ساعة متأخرة من الليل هنا أمسك (ر) بأول خيط للجريحة وبدأت شكوكه تتحول إلى حقيقة، زادت فترة مراقبة (ر) لزوجته حتى لاحظ في احدى الليالي سيارة أجرة تقف تحت البناية التي تسكن فيها زوجته (س) حيث نزل منها شاب وصعد إلى البناية بعد دقائق من صعود الشاب لاحظ ان غرفة نوم (س) قد أضيئت، فتيقن بان الشاب الذي نزل من سيارة الأجرة هو ذات الشاب الذي يزور زوجته بعد منتصف الليل، قرر (ر) ان يضبط زوجته والشاب بالجرم المشهود لذا انتظر بعض الوقت ثم صعد إلى الشقة حيث قام بفتح الباب بهدوء، وعندما تقدم نحو غرفة النوم وجد الشاب جالساً على طاولة السفرة ويأكل.

وعندما رآه (ر) اخرج مسدسه حاول الشاب ان يهرب لكن الرصاصات الست التي انطلقت من مسدس (ر) كانت أسرع منه خرجت (س) على صوت الرصاص فوجدت زوجها واقفاً أمامها في حين كانت إحدى الرصاصات اخترقت جمجمة الشاب وألقته صريعاً على الفور، صرخت (س) عندما رأت الشاب على الأرض وجرت نحوه تحاول اسعافه لكن كل شيء انتهى أما (ر) فقد وقف مشدوها هو الآخر فهو لأول مرة يرى منظراً كهذا تقدم من (س) وضع مسدسه على وجهها وهو يقول لها: سأقتلك كما قتلت عشيقك ايتها الخائنة، لكن كلمات بسيطة وغير مسموعة خرجت من فمها تقول له هذا ليس عشيقي انه أخي..

انه أخي، لقد قتلت أخي دون ذنب ثم انهارت ووقعت على الأرض، جاءت سيارة الإسعاف وحملت (س) الشاب إلى المستشفى في حين ذهب (ر) إلى مكان عمله وسلم سلاحه وقدم تقريراً بما حدث، بعد أكثر من أسبوعين تمكنت (س) من الكلام وفي غرفة التحقيق جلست تروي قصتها مع الشاب حيث قالت إن هذا الشاب هو أخوها وهو موجود في البلاد بصورة غير شرعية فقد كان يعمل في إحدى الشركات وبعد ان أنهت الشركة مشروعها طلبت من الموظفين ان يغادروا البلاد لأنها ستغلق مكاتبها بعد ان أنهت المشروع.

وكان أخو (س) أحد هؤلاء الموظفين إلا انه لم يغادر وبقي في البلاد يبحث عن عمل إلا انه لم يوفق لأن يجد عملاً منتظماً لذا أصبح مخالفاً ودون إقامة، وعندما طلب منها ان تطلب من زوجها مساعدته على إيجاد عمل ليصحح وضعة رفضت ذلك حتى لا يظن زوجها أنها تستغله من أجل أخيها ثم أنها لم تقم هي بتعريف زوجها على أخيها حتى لا يسألها أين يعمل حتى لا يعرف انه مخالف لقوانين الإقامة، وان أخاها كان يتصل بها في ساعة متأخرة من الليل ليعرف ان كان زوجها عندها أولا فان لم يكن موجوداً يأتي هو ليرى أخته ويطمئن عليها وتطمئن هي عليه.

أنهت (س) أقوالها والدموع تنهمر من عينيها اما زوجها (ر) فقد كان يتابع التحقيق من غرفة مجاورة عن طريق السماعة، جاء (ر) يطلب من (س) ان تسامحه فلم يكن يعرف الحقيقة، لكن (س) لم تنطق بشيء وخرجت لتذهب إلى مكتب إحدى شركات الطيران كي تحجز تذكرة عودة لها وتذكرة أخرى لأخيها.

إعداد: أحمد سلطان