استيقظ اللبنانيون صباح أمس على هزة أمنية سياسية رسمت علامات استفهام عدة على مستقبل الوضع المتأزم أساساً في لبنان، إذ مزق تفجير مزدوج حافلتي ركاب صغيرتين في منطقة بكفيا المسيحية شمال شرق بيروت ما أدى إلى سقوط ثلاثة قتلى ونحو 17 جريحاً، وأشاع أجواء توتر قبل يوم من التظاهرة الكبرى إحياء للذكرى الثانية لاغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري الذي اتهم رئيس الوزراء الحالي فؤاد السنيورة قتلته بتنفيذ التفجيرين.
فعند الساعة التاسعة صباحاً استيقظ سكان قرية «عين علق» الصغيرة الهادئة في قلب المناطق المسيحية في جبل لبنان على دوي انفجارين، دمر الأول حافلة صغيرة تتسع لنحو 20 راكباً، في حين أدى الانفجار الثاني، الذي وقع بعد سبع دقائق، إلى إصابة حافلة اكبر تتسع لنحو 30 راكبا بأضرار كبيرة على بعد أمتار من الأولى، ما أدى، بحسب مصدر في قوى الأمن الداخلي، إلى سقوط ثلاثة قتلى (بينهم عامل مصري) و17 جريحا.
وقال سائق سيارة كان في مكان الانفجار «سمعت انفجارا بينما كنت في سيارتي ثم شاهدت الحافلة الثانية وهي ترتفع عن الأرض بسبب قوة التفجير»، مضيفاً أن الحافلة الكبيرة أصيبت بأضرار كبيرة واقتلع سقفها من الوراء، في حين أن الحافلة الصغيرة دمرت كليا واحترقت، ويعتقد أن العدد الأكبر من الإصابات وقع فيها.
وفي التحقيقات الأولية، استبعدت مصادر قضائية مطلعة أن يكون الحادث ناجماً عن تفجيرين انتحاريين، مرجحة أن يكون المنفذون زرعوا العبوتين الناسفتين في الحافلتين، اللتين كانتا تتجهان من بكفيا مسقط رأس الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل إلى قرية عين علق باتجاه الساحل، وفجروهما عن بعد. واستدركت أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التحقيقات.
وفي رسالة متلفزة وجهها مساء إلى اللبنانيين بمناسبة الذكرى الثانية لاغتيال الحريري اعتبر رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة أن الذين يقفون وراء اغتيال رفيق الحريري هم أنفسهم الذين ارتكبوا الاعتداء المزدوج. وقال إن الذكرى الثانية لاغتيال الحريري تأتي «والبلد في أزمة احد أسبابها العقبات التي أقيمت ولا تزال في وجه إقامة الحق وكشف المجرمين وإنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي» في إشارة إلى النزاع القائم حالياً بين المعارضة والحكومة والذي نشب على خلفية خلاف على المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري.
أما الرئيس اللبناني أميل لحود فاعتبر ما حصل «مجزرة» ورأى أنها «رسالة تستهدف بوضوح المساعي المبذولة للتوافق بين اللبنانيين وإنهاء الأزمة التي حققت تقدماً في الساعات الماضية». وناشد اللبنانيين للوقوف صفا واحدا والتنبه واليقظة إلى «ما يحاك من مؤامرة خبيثة شهدنا اليوم فصلا جديدا من فصولها».
ووصف رئيس كتلة المستقبل النيابية سعد الحريري التفجير بأنه «عمل إرهابي وجبان». وقال إن ما حدث «يدل على أن المجرمين وصلوا إلى مرحلة الإفلاس السياسي». وأضاف أن الرسالة واضحة وهدفها معروف وهم يحاولون أن يقولوا للناس ألا يستقلوا الباصات والتخفيف من عزيمتهم في المشاركة في إحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري».
كما دان حزب الله التفجيرين وقال إن «كل اللبنانيين شعروا بأنهم مستهدفون وما حدث جريمة مروعة استهدفت أبرياء».
وقال النائب عن الحزب حسين الحاج حسن في مؤتمر صحافي إن التفجير «جريمة نضعها في خانة التحريض ودفع اللبنانيين إلى الفتنة والاقتتال وهذا ما لن يحصل كما قالت المعارضة مرات عديدة، إنها لن تنجر إلى الفتنة ولن تقع فيها». وفيما هاجم الحزب السفير الأميركي جيفري فيلتمان، دانت السفارة الأميركية في بيروت الاعتداء ووصفه بـ «الهجوم الوحشي» الذي يسعى إلى «إسكات اللبنانيين الذين يريدون لبنان سيدا ومستقلا وديمقراطياً».
وختم البيان الأميركي بتجديد الدعم الأميركي للحكومة اللبنانية في عملها لتأكيد سيادة لبنان والانخراط في إصلاحات حيوية وتعزيز مؤسسات لبنان الدستورية. في هذه الأجواء الأمنية الضاغطة، كشف دبلوماسي عربي عن أن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ألغى زيارة كانت متوقعة إلى بيروت بعد ردود سلبية تلقاها من المعارضة اللبنانية إزاء مبادرته لحلحلة الوضع السياسي المحتقن.
وقال الدبلوماسي الذي رفض ذكر اسمه لوكالة «يونايتدبرس انترناشونال» إن موسى تلقى ردا سلبيا من حركة أمل وحزب الله حول مبادرته لحل الأزمة في لبنان، وأنهما أبلغاه بأنه «لا داع لزيارته ما لم يطرح شيئا جديدا على طاولة النقاش».
وكان موسى، الذي دان التفجيرين وأعرب عن الأمل في ألا يؤثرا «على الجهود المبذولة للتوصل إلى حل للازمة اللبنانية» أعرب الاثنين عن تفاؤله بإمكان حل الخلافات بشأن إنشاء محكمة دولية تدعمها الأمم المتحدة لمحاكمة المشتبه بهم في اغتيال الحريري والتي تمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام جهود إنهاء الأزمة.
ويتناقض هذا التسريب مع تقارير صحافية تحدثت عن إشارات ايجابية نيابية ودبلوماسية تشير إلى احتمال التوصل إلى ايجابيات قريبة، على صعيد عودة الحوار بين الأطراف اللبنانية والتوصل إلى حل الأزمة. ونقل عن النائب غسان تويني عقب اجتماعه مع رئيس مجلس النواب نبيه برى الحديث عن «احتمال التوصل إلى شيء خلال أيام».
بيروت ـ علي بردى والوكالات
