لأن الشعار الجديد لمؤسستنا التربوية جوهره «التغيير من أجل التطوير» بمعنى أن خطواتها ومشاريعها ترتكز على أسس علمية ودراسات وتغذية راجعة حول الجوانب المراد تغييرها، نحتاج في الفترة المقبلة إلى ملامسة ميول وتطلعات جيل الغد من أبنائنا الطلبة وصولا لرغباتهم، ما يدعونا لإنشاء مدارس متخصصة متنوعة بعد المرحلة الإعدادية تقضي على المشكلات من الجذور ويذهب فيها الطالب إلى حيث يريد هو دون فرض أو إجبار.
لأن الشعار الجديد لمؤسستنا التربوية جوهره «التغيير من أجل التطوير» بمعنى أن خطواتها ومشاريعها ترتكز على أسس علمية ودراسات وتغذية راجعة حول الجوانب المراد تغييرها، نحتاج في الفترة المقبلة إلى ملامسة ميول وتطلعات جيل الغد من أبنائنا الطلبة وصولا لرغباتهم، ما يعني أننا بحاجة ماسة إلى فتح قنوات جديدة يستشرف المتعلمون بها آفاق الغد ويرسمون لوحة المستقبل بأيديهم ويفكرون ويبدعون في رسم تلك الأمنيات .
ونتساءل : لماذا نرى الطريق من جانب واحد ونحن نمتلك مجموعة كبيرة من الحلول والخيارات، ولماذا لا نحاول القضاء بشكل جذري على مختلف القضايا والمشاكل التي تؤرق كاهل المجتمع المدرسي كالرسوب والتسرب والتمرد والدروس الخصوصية والمشكلات السلوكية والمشاجرات وقائمة طويلة جدا من المعوقات تتجدد كل عام.
وتضرب بمعولها الواقع التعليمي، ما يدعونا لإنشاء مدارس متخصصة متنوعة بعد المرحلة الإعدادية تقضي على المشكلات من الجذور ويذهب فيها الطالب إلى حيث يريد هو دون فرض أو إجبار، فلم لا لثانوية حرفية يتعلم الطالب فيها حرفة ما، ولم لا لثانوية شرطية يتعلم فيها المهارات الشرطية إيمانا بالتخصص المبكر إلى جانب أخريات، رياضية وفنية وصناعية وتجارية وزراعية وحربية وتمريضية، وجميعها مهارات علمية وعملية يستطيع المتعلم من خلالها ان يجد نفسه ويرسم مستقبله.
علينا ان نسرع الخطى لتبني هذه المدارس، يذهب إليها الطالب بكامل رغبته يدفعه الشوق وحب تعلم ما يريد من مهارات ومعلومات ومعارف في مدرسة لمستقبله. ولعلنا نضمن بهذا الاتجاه تلبية احتياجات سوق العمل والتي تعد دائما المحرك الرئيسي للدراسات التشخيصية للدول المتقدمة.
يقول الدكتور سعيد حارب مستشار مدير جامعة الإمارات في كتابه «مستقبل التعليم وتعليم المستقبل» إن ابرز السلبيات التي يتميز بها النظام التعليمي في العالم العربي هي أحاديته، إذ مازال نظاما واحدا غير متنوع (الابتدائية ـ الإعدادية ـ الثانوية) يمر به طلاب تختلف ميولهم ورغباتهم وامكانياتهم الذاتية، إلا ان النظام يفرض عليهم أن يدرسوا ذات المواد بنسب متساوية يحدد في نهايتها مصير الطالب واتجاهه.
ولم تؤد خطوات العلاج لهذا النظام بإدخال التنوع عليه إلى نتائج ايجابية تذكر، (المدرسة الشاملة) و(تشعيب التعليم) و(نظام المقررات) وغيرها من المحاولات لم تقدم حلولاً جذرية لمعاناة النظام التعليمي وإنما قدمت خطوات تحسينية، بينما لايزال التعليم المتخصص (الفني ـ المهني ـ التجاري ـ الديني ـ الصناعي ـ الزراعي) يعاني من الإهمال وقلة الإقبال عليه، لأسباب كثيرة من بينها أنه يخالف التصور السائد للنظام التعليمي وهو النظام العام.
وكذلك عدم توفر الامكانات الجيدة لتطويره، ولاعتباره صورة جديدة لتنوع التعليم، بل إن هذا التعليم بحسب قوله يواجه بمشكلة مساواة خريجيه بخريجي الثانوية العامة، وترفض بعض الجامعات والكليات قبول خريجي التعليم المتخصص في كلياتها ما يؤدي إلى تسرب الطلاب وهروبهم منه متجهين إلى النظام التعليمي العام، مشدداً على ان النظرة الاجتماعية الخاصة للتعليم المتخصص تكمن في اعتباره (نظام تعليم الفاشلين) لتجذر معاناة هذا النظام !
مفتاح الحل
الحاج سعيد بن أحمد آل لوتاه رئيس مجلس أمناء المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم قال إننا لم نكتف بمجرد تقديم الاقتراحات لإنشاء مدارس متخصصة، وإنما قدمنا نموذجا تربويا وتعليميا على مدى عقدين ونيف من الزمان يتمثل في المدرسة الإسلامية للتربية والتعليم في دبي، وخريجيها المنتشرين الآن في سوق العمل والمتقلدين مناصب متقدمة في مواقع كثيرة ومختلفة، مشيراً إلى أنهم خير دليل على نجاح النظام الذي طبقناه في تربية وتعليم زملائهم من الطلاب.
مضيفا : عندما اتجهنا إلى تصحيح مسار تعليم أبنائنا حددنا هدفنا وماذا نريد من التعليم، وببساطة وجدنا أننا ننشد التعليم من اجل مجتمع راق وبناء اقتصاد قوي وايجاد إدارة علمية مستقرة، لذلك طبقنا نموذج التعليم المفيد المثمر المبني على تعليم المهارات التي تساعد الطالب على تنمية قدراته الذهنية والبدنية بحيث يستفيد منها في حياته العملية بعيدا عن حشو الطالب بكم هائل من المعلومات لا طائل منها.
ولفت آل لوتاه إلى سعيه لأن يسود هذا النموذج الفريد الذي يطبقه لأنه يربط التعليم بالتدريب ثم التطبيق العملي، الشيء الذي يؤهل الطالب علميا وتقنيا وليس نظريا فقط، مشددا على ان المسؤولية تقع على عاتق الجميع، وواجبنا تجاه أبنائنا الطلاب الذين هم بالقطع استثمارنا الفعلي في هذه الحياة، يحتم علينا إعدادهم جيدا وتأهيلهم التأهيل المهني الكافي الذي يجعلهم قادرين على تحمل مسؤولياتهم الحياتية في سن مبكرة.
لذا كما يرى آل لوتاه فان اختصار مدة الدراسة يصبح من الأولويات لتحقيق هذه الغاية بما تعكسه من قيمة الوقت وأهميته، وكذلك ربط التعليم بالعمل بحيث لا ينفصل التعليم التقني عن الأكاديمي حتى نستطيع تجنب ما قد يحدث من آثار سلبية تتمثل في النظرة الدونية للعمل الحرفي وقصور العاملين به عن متابعة التطور في مجالهم وحرمانهم من تذوق الآداب والفنون الراقية، أو العكس بأن يتقوقع الاكاديميون في علومهم فيفتقرون إلى ما يتمتع الحرفيون به من مهارات تقنية، موضحا ان تربية الإنسان يجب أن تكون في المقام الأول وقبل كل شيء لأنها مفتاح الحل لكل مشكلات التعليم وغيره.
مدرسة المجتمع
الدكتور هشام عمر عبد العزيز موجه أول مجال التربية الإسلامية واللغة العربية أشار إلى ان المؤسسة التربوية هي أهم المؤسسات الاجتماعية لأنها تأخذ على عاتقها تربية أجيال الأمة وإعدادهم الإعداد السليم المتوازن الذي يؤدي في نتاجاته إلى خدمة المجتمع وفي ظل النقلة النوعية الرائدة التي تشهدها المؤسسة التربوية على ارض الإمارات تطويرا يلامس المدخلات كافة من خلال ممارسة الأدوار متعددة الأبعاد متنوعة المجالات في أعداد الطلاب وتهيئتهم لمجتمع الاقتصاد المعرفي وتمكينهم من الكفايات الضرورية لتحقيق التعايش الايجابي فيه والمواكبة المستمرة لمستجداته وتقنياته وتحدياته.
مشيرا إلى أن من أبرز ملامح هذا الدور هو اكتشاف قدرات الفرد ورعايتها وتعظيمها، وتنمية القدرات العقلية والإبداعية دعما للتفوق والتميز والانجاز، وتمكين الطالب من توظيف قدراته في انتاج المعرفة وغيرها من الملامح التي ترتد إيجاباً على الطالب والمجتمع.
وفي سبيل الوصول لهذه الملامح مجسدة على أرض الواقع نجد أن جهات الاختصاص تسعى بجهود حثيثة لتحسين نوعية التعليم من خلال التطوير المؤسسي للمنظومة التربوية وكفاءتها في تحقيق مخرجات ونواتج تعليمية مرغوبة وجوهرية.
ويجد عبد العزيز في هذا السياق ان مدرسة المجتمع ( المستقبل ) بحاجة ماسة للاستجابة لتطوير الاقتصاد وتلبية متطلباته من خلال التوسع في التعليم الفني، لافتا إلى ان الاقتصاد على المسارين الأدبي والعلمي لا يتفق كليا مع نظرية ( الذكاءات المتعددة ) فهنالك الذكاء اللغوي والموسيقي والرياضي المنطقي والجسمي الحركي والشخصي والفضائي والطبيعي وتلبية احتياجات أصحاب هذه الذكاءات تقودنا إلى التعلم المقترن بالرغبة والمقدرة على امتلاك التعلم والاحتفاظ به وتوظيف نتاجاته حياتيا.
مشيرا إلى ان التطبيق الاجرائي لنظرية الذكاءات المتعددة وحاجة سوق العمل المتنوعة تضع المؤسسة التربوية في برنامج استراتيجي للتوسع في التعليم الفني والتخطيط لاستحداث مدارس ثانوية تمريضية وعسكرية ورياضية ومهنية وتجارية وغيرها من التخصصات الرافدة لحاجات المجتمع وبهذا نسعف الطالب في تعلم مقترن بالرغبة مما يؤدي إلى تجويد النتاجات وتغطية الحاجات والمساهمة الجادة في تطوير ثقافة المجتمع، آملا في ظل التطوير التربوي المتصاعد إلى عقد مؤتمر للتوسع في التعليم الفني ونشر ثقافته الجديدة وبهذا التوسع نؤكد الشراكة الفاعلة مع مؤسسات التعليم العالي من كليات وجامعات.
المنهجية التربوية
الخبير التربوي أحمد عبدالله يأسف لواقع التعليم وما يحيط به من تحديات ومتغيرات وغياب المنهجية التربوية الواضحة المعالم والتي بغيابها لم يؤد التعليم وظائفه ولم يحقق أهدافه المرجوة، مشيراً إلى ان من بين أدبيات إصلاح التعليم أن يؤمن الطالب بالتعليم ليعرف ويتعلم ليعمل ويتعلم ليتعايش مع الآخرين ويتعلم ليكون.
وأضاف : إن المتتبع لجذور ثقافتنا يجد ان تلكم المبادئ تمثل قواعدها الأساسية من حيث الأسلوب الأمثل والفكر المبدع والتطبيق الأشمل والبحث المفعم، مشيرا إلى أن تنمية الإنسان هي الركيزة الأساسية لإنماء الاقتصاد وبالتالي القضاء وبنسبة كبيرة على المشكلات الاجتماعية، ومن هنا تبدأ دورة التنمية لتكتمل دورة الحياة الاجتماعية لأي مجتمع.
إن البداية الحقيقية للنهضة التعليمية تبدأ بالتعليم الأساسي الذي مازال في وطننا العربي مهمشاً، لذا لن استرسل تفصيلا عن فكرة إنشاء مدارس متخصصة تضم من أنهوا مرحلة التعليم الأساسي بهدف إكسابهم مهنا تتناسب وميولهم من جهة وقوى عاملة لسد حاجات سوق العمل مستقبلا من جهة أخرى، وذلك من حيث أهميتها وأهدافها وأقسامها وتخصصاتها، لأنها بحسب رأيه لن تمثل حلا عادلا. ففي دراسة ميدانية تمت حول التأخر الدراسي توصل الباحث إلى نتيجة عامة تؤكد ان أسبابه تكمن في المناهج والإدارة المدرسية والبيئة والأسرة وغير ذلك.
ملاحظا ان معظم طلبة التعليم الأساسي يفتقدون الدافعية والاستقلالية في استخدام المعلومات والحرية في البحث والاطلاع والمثابرة وحسن الملاحظة والافتقار الشديد للتفكير التأملي، ناهيك عما يواجهونه من صعوبة في التكيف ومواجهة المشكلات ومعالجتها، فأنى لهم من امتهان المهن الخاصة وفق مناهج لا تغطي في أحايين كثيرة المتطلبات الأساسية لبناء الشخصية المتوازنة لهذه الفئة التي تمثل شريحة عظمى من المجتمع.
وشدد عبدالله على ان التعليم الأساسي هو مفتاح التقدم ومرتكز أساسي للمرحلة الثانوية، متسائلاً: ألا تكفي التجارب السابقة ومنها تجربة المدارس النموذجية التي أثبتت السنوات انها لا تختلف عن بعض المدارس الخاصة وكذلك فشل المدارس الصناعية والتجارية والزراعية على المدى الطويل؟
مشيراً إلى ان المجتمع بحاجة إلى ثقافة ذات أبعاد سلوكية وتفكيرية وتغذية بحثية متواصلة ومن هنا تبدأ خطوات الدعم والتغذية للتعليم الأساسي في ظل بيئة مدرسية تربوية واستبصار واضح لإعداد هذه الفئة العمرية من التعليم العام ومطلب مجتمعي نشط نحو التعليم والتعلم تحميه القيم السامية.
مؤشرات النجاح
وترى بشرى عبدالله بن علي المعلمة بمدرسة الغبيبة الثانوية في الشارقة عضو لجنة التميز بالمنطقة التعليمية إن النظام التعليمي يحتاج إلى بحث حثيث وتطوير دائم لمدخلاته حتى نحصد مؤشرات النجاح التي نطمح لتحقيقها في الإمارات، هذه الدولة التي استطاعت ان تثبت نفسها بقوة على المستويين العربي والعالمي.
وهذا التطور والتقدم يتطلب النظر في النظام التعليمي الذي يعد أساس النهضة، مشيرة إلى حاجتنا إلى مدارس تخصصية نوعا ما تحتضن الطلبة ذوي الميول المعينة ما يجعل فرصة النجاح والإبداع لديهم اكبر بكثير من ان يجبروا على الدراسة في الثانوية العامة، وقد يرسبون فيها فيضطرون لأمرين، إما ترك الدراسة أو مواصلة المسيرة الحافلة بالإخفاقات في مواد لا يميلون إليها.
وأشارت بشرى إلى انه إذا وجدت المدارس التخصصية التي تدرس المواد العامة مع التركيز على المواد المهنية فإننا سنحصد إقبالاً من الطلاب على دراسة الثانوية التخصصية لأنها الأقرب لميولهم، داعية مسؤولي وزارة التربية والتعليم بالنظر في شأن هذه المدارس من منطلق جعل البيئة التعليمية أكثر جذبا.
تحقيق: يحيى عطية