لأن الشعار الجديد لمؤسستنا التربوية جوهره «التغيير من أجل التطوير» بمعنى أن خطواتها ومشاريعها ترتكز على أسس علمية ودراسات وتغذية راجعة حول الجوانب المراد تغييرها، نحتاج في الفترة المقبلة إلى ملامسة ميول وتطلعات جيل الغد من أبنائنا الطلبة وصولا لرغباتهم، ما يدعونا لإنشاء مدارس متخصصة متنوعة بعد المرحلة الإعدادية تقضي على المشكلات من الجذور ويذهب فيها الطالب إلى حيث يريد هو دون فرض أو إجبار
ونتساءل: لماذا نرى الطريق من جانب واحد ونحن نمتلك مجموعة كبيرة من الحلول والخيارات، ولماذا لا نحاول القضاء بشكل جذري على مختلف القضايا والمشاكل التي تؤرق كاهل المجتمع المدرسي كالرسوب والتسرب والتمرد والدروس الخصوصية والمشكلات السلوكية والمشاجرات وقائمة طويلة جدا من المعوقات التي تتجدد كل عام وتضرب بمعولها الواقع التعليمي، ما يعني أننا بحاجة ماسة إلى فتح قنوات جديدة يستشرف المتعلمون بها آفاق الغد ويرسمون لوحة المستقبل بأيديهم ويفكرون ويبدعون في رسم تلك الأمنيات.
فلما لا لثانوية حرفية يتعلم الطالب فيها حرفة ما، ولما لا لثانوية شرطية يتعلم فيها المهارات الشرطية إيمانا بالتخصص المبكر إلى جانب أخريات، رياضية وفنية وصناعية وتجارية وزراعية وحربية وتمريضية، وجميعها مهارات علمية وعملية يستطيع المتعلم من خلالها أن يجد نفسه ويرسم مستقبله.
علينا أن نسرع الخطى لتبني هذه المدارس، يذهب إليها الطالب بكامل رغبته يدفعه الشوق وحب تعلم ما يريد من مهارات ومعلومات ومعارف في مدرسة لمستقبله. ولعلنا نضمن بهذا الاتجاه تلبية احتياجات سوق العمل والتي تعد دائما المحرك الرئيسي للدراسات التشخيصية للدول المتقدمة.
في رأي الدكتور أحمد سعد الشريف أمين عام مجلس دبي الرياضي إذا كان محور هذه المدارس الأنشطة عامة لاسيما ما يتعلق بالجانب الرياضي فهو معها لان لدينا تجربة ايجابية متخصصة في الدولة منذ ثلاث سنوات في بعض الألعاب الرياضية، أما إذا كانت على المستوى المهني فلا يحبذها لأن العالم يتجه إلى استخدام التكنولوجيا العالمية .
وبالتالي غير مطلوب من المتعلم استخدام الحاجات اليدوية كون معظم الماكينات تعمل بالتكنولوجيا وبالتالي علينا الارتقاء بمستواه العلمي والتحصيلي في الرياضيات والعلوم واستخدام التكنولوجيا أفضل من أن نبدأ معه بأشياء يدوية قد لا يحتاجها مستقبلا.
وتقول الفنانة التشكيلية الدكتورة نجاة مكي إن فكرة المدارس المتخصصة جدا راقية خاصة للتربية الفنية في المراحل المبكرة من الدراسة التي تصقل عقلية الطالب لما فيها من إبداع، مشيرة إلى أن مجال التربيتين الفنية والموسيقية من أهم المجالات التي يلجأ إليها التربويون وعلماء النفس لصقل الموهبة عند الطفل.
ولفتت الفنانة التشكيلية إلى أن هذه المدارس ترفد سوق العمل بخريجيها، والمفروض في إطارها أن تتجه الدولة لإعادة وضع منهاج التربية الفنية من صفوف الحلقة الأولى للتعليم الأساسي، مضيفة أن حصة دراسية للمادة لا تكفي لإطلاق قدرات التلميذ، فهو يحتاج إلى مساحة زمنية أطول.
قنبلة موقوتة
ويرى جعفر الفردان مدير السعيدية للتعليم الأساسي في دبي أن المشكلات المدرسية تأبى مفارقة ميدانها ولو حاولنا تشخيصها سنحتاج الكثير من الوقت والجهد، فيما يقف على قمة الهرم السلبية منها الرسوب وعدم ملاءمة المدرسة لمهمة التعليم في القرن الواحد والعشرين.
إضافة إلى قصور أداء المعلم ورتابته واعتماده على أساليب بدائية عفا عليها الزمن، وحالة الطلاق البائن في العلاقة بين البيت والمدرسة وتخلي المؤسسات المجتمعية عن دورها في دعم المدرسة كما يحدث في الكثير من الدول المتحضرة، حيث توقع المدرسة ميثاق توأمة مع بعض المؤسسات لرعاية واحتضان الطلبة المتفوقين والموهوبين وبعض المشروعات التي تزيد من تحصيل الطلبة.
ولفت الفردان إلى أن المشكلة المزمنة تتمثل في (التسرب المدرسي) التي يرى أن الوقت يبدو أنه قد بدأ في دورانه العكسي لتصبح قنبلة موقوتة ستنفجر لا محالة إذا استمر تجاهلها من قبل القائمين على أمر التربية والتعليم، حيث تشير الإحصائيات إلى تسرب المئات من الطلبة سنويا إما للعمل أو مجرد الابتعاد عن هم المدرسة ما يجعل الأعداد تتزايد سنويا دون استفادة حقيقية من هذه الطاقات.
الأمر الذي يجعل لديها الرغبة في إثبات الوجود بالطريقة التي تراها كافتعال المشكلات أو تعاطيها لاسيما السلوكية منها أو الأخلاقية أو تعاطي المسكرات والمخدرات لإحساس المتسرب أنه فرد غير فاعل في مجتمع يرفضه ما يجعله يعتقد أو يتبنى أي سلوك صائبا كان أو خاطئا.
وتساءل الفردان موجها حديثه لأهل الحل والعقد أين يذهب هؤلاء الطلاب بعد تسربهم، وهل توجد إحصاءات حقيقية بأعدادهم، والى أي وجهة اتجهوا، للعمل أم للبطالة، أم إلى ماذا؟، مستطردا: متى سنجد مشروعا وطنيا مجسدا على أرض الواقع لمعالجة مشكلة بهذا النوع والحجم والقوة، ولماذا لا نحاول طرح مجموعة من الحلول والمقترحات لسد هذه الفجوة العميقة في ضمير المجتمع الآيل للسقوط مع تفاقم هذه الظاهرة وانخراطها مع مشكلات أخرى لتصيب المجتمع الإماراتي بعد فترة بالشلل .
كما هو الحال بالنسبة لمشكلة الزحام اليومي الذي تعاني منه إمارة دبي ما عكس خطرا حقيقيا لم يألفه الناس فارتفعت نبرة التذمر وكثرت حالات الصداع والقلق جراء هذا الأمر، معتقدا أن محاولة الحل تبدأ من تغيير نمط التعليم المقتصر على شكله الأكاديمي الواحد دون فتح قنوات كثيرة يمكن للطالب أن يفرغ طاقاته وملكاته وميوله في تعليم يحترم تلك الإمكانيات والملكات، فكم من طالب أصابته الرياضيات بالصدمة وأبعدته عن المدرسة.
وكم من طالب كانت له نظريات فيثاغورس كمقصلة إعدام وآخر لم تكن له الالكترونيات والأيونات طوق نجاة فغرق في بحار الرسوب والتسرب، لهذا بحسب رأيه أن تتبنى الوزارة في استراتيجيتها المقبلة منهجا آخر بفتح المدارس التي تخاطب الهواية والرغبة والملكة والطموح والحب كشرط أساسي للانسجام العاطفي والفكري بين الطالب والمدرسة كمدارس الشرطة والجيش والتمريض والزراعة والصناعة والرياضة والفن والحرف والتكنولوجيا وغيرها ليتمكن الطالب من تعاطي التعليم بالرغبة والهمة التي ننشدها، آملين خيرا في تواجد معالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم على رأس الهرم التعليمي وهو الرجل الذي يتلمس الواقع بشخصه ودائم البحث والتحري عن الجديد، متسائلا:
لماذا لا يتم عقد مؤتمرات للاطلاع على التجارب الجديدة وكل ما ينفع النشء بعيدا عن فرض المناهج بقوة القانون وبعيدا عن اتجاه سير التعليم لاتجاه واحد فقط الأمر الذي من خلاله تنفرط الكثير من الطاقات الطلابية الخلاقة لانها لم تستطع أن تتكيف مع الواقع ولأن المدرسة الإماراتية بشكلها الحديث غير جاذبة إلا لأصحاب القدرة المتميزة.
سوق العمل
ولفت الفردان إلى أننا بدأنا نتململ من اسطوانة - متطلبات سوق العمل ـ التي نسمعها ولكن في الحقيقة مناهجنا في واد وسوق العمل في آخر، مشيرا إلى أن دولتنا تمتلك مقدرات الدولة الحديثة التي تضاهي كبريات الدول العريقة ولا يعمل أبناؤها في المهن اليدوية والأعمال الأخرى إطلاقا، فلا حداد ولا نجار ولا حلاق ولا ميكانيكي ولا حرفي ولا ولا.
وعلى ذلك نقيس الكثير من المهن التي أصبح العمل فيها مدرا للكثير من المال، مشددا على ضرورة الاعتراف بأن مناهج مدارسنا لا تخاطب المستقبل ولا تقدر الفروق الفردية بين الطلبة، متسائلا كيف بدولة تعد قوة اقتصادية في المنطقة لا يدرس أبناؤها التعليم التجاري، وكيف لدولة الإمارات التي اخضرت صحراؤها بفضل الجهود المبذولة لا يدرس طلابها أبجديات الزراعة والصناعة والتمريض وغيرها.
وأضاف: عند تصفحنا لتاريخ العباقرة والمبدعين والمفكرين والعلماء وعندما نستقرئ حياتهم نجد أن اغلبهم لم تكن المدرسة تلبي احتياجاتهم أبدا بل لم يكونوا نابغين خلال دراستهم وكانوا مغمورين عاديين جدا حتى وجدوا الفرصة المناسبة لتفجير طاقاتهم، فكان لهم ما أرادوا وقدموا للإنسانية ما قدموه، مطالبا بضرورة إسراع الخطى في تبني مناهج بل مدارس متخصصة تلبي الطموح يذهب إليها الطالب بكامل رغبته يدفعه الشوق وحب التعلم يتعلم فيها ما يريد من مهارات ومعلومات ومعارف.
العميد طارش المنصوري مدير الإدارة العامة للموارد البشرية بالقيادة العامة لشرطة دبي قال إن فكرة إنشاء مدارس متخصصة تخدم سوق العمل في ظل عدم تلبية مخرجات التعليمين العام والعالي لحاجاته لاسيما في المجالات المختلفة كالالكترونية والتقنية والمهنية وغيرها تعد رافدا لا يمكن الاستغناء عنه في ظل غياب التعليم الفني.
بوابة عبور
الباحث والناقد الأدبي عزت عمر شدد على أن أي خلل في صناعة بشر قادرين على مواجهة التحديات المتوقعة، سيؤدي بالضرورة إلى الفشل المحتوم مهما توافرت الموارد الطبيعية والمادية بحسب تعبير الخبير التربوي العربي الدكتور نبيل علي، ومن هنا فإنه ينبغي على الدول الساعية إلى التقدم أن تضع بدورها هذه الحقيقة نصب عينيها، وتدفع بمجتمع المعرفة أماما كي لا تصنف ضمن الدول المتخلفة، فتحزن لهذا العار الذي سيلحقها طويلا، علما أنه لا يمكن حصر مسؤولية التخلف على جهة دون غيرها في المجتمع الواحد، وخصوصا على المؤسسة التعليمية أو على المدرسين أو المدرسة.
والمجتمع بتصنيف العلماء يتأسس من ثلاث مؤسسات رئيسية هي: الأسرة التي تدفع بأبنائها إلى المدرسة كي يتعلموا، والدولة التي ترعى مصالح هؤلاء الأبناء وتعتبرهم أبناءها، فترسم لهم الخطط بما يتفق وتطلعاتها نحو المستقبل، وبين هاتين المؤسستين تأتي المدرسة لتمثل حالة اندماج النموذجين، بمعنى تمثيل مصالح الأسرة والدولة التي تمثلها وزارة التربية والتعليم، مرتئيا أن المدرسة من هذا المنطلق تكتسب أهميتها لكونها المعبر الرئيسي عما نسميه المصلحة العامة.
فهي حاضنة الأجيال التي ما تفتأ لحظة واحدة عن تخريج الكوادر المطلوبة وفق السياسة العامة التي اصطلح عليها من قبل الجميع، سواء كانت هذه السياسة معنية بالتعليم التقليدي أو غير التقليدي تبعا لمستلزمات المجتمع من جهة، وتبعا لرغبة الدولة في تهيئة الكوادر البشرية ودفعها إلى سوق العمل، إضافة إلى محصلة الرغبات الاجتماعية في النظر إلى مستقبل الأبناء وخصوصا إذا كان الوضع الاجتماعي ميسورا ومتطلبا كما هو الحال في بلد كالإمارات.
وهذا يعني بالضرورة الاهتمام بهذه الرغبات في تنفيذ السياسات التعليمية المرغوبة، مستبعدا من هنا قيام مدارس متخصصة على ذلك النحو المعروف في بعض البلدان العربية كالمدرسة الصناعية والزراعية والتجارية وغيرها، وإنما يمكن التوجه إلى مدارس مستقبلية تعنى بصناعة البشر كما أسلفنا، بمعنى أن تكون هناك مدارس نموذجية تضم المتفوقين في المجالات المختلفة، فتعمل على تعزيز مناحي التفوق لدى هؤلاء الطلاب من خلال استحداث شعب خاصة داخل المدرسة النموذجية ذاتها.
ويعتقد عمر أنه من المهم بالنسبة لهذه المدرسة أن تكون جاذبة للتلميذ والطالب، وهذا يعني بالضرورة تلبية رغباته في ممارسة الهوايات والأنشطة المختلفة، ذاكرا على سبيل المثال الملاعب والرياضة المنظمة كتكوين فرق رياضية لألعاب القدم والسلة والطائرة والتنس وغيرها، والمسرح وفرق التمثيل المسرحي والنادي الاجتماعي والصحافة والإذاعة وغيرها، وغرف المصادر وفرق علمية تتابع أمور المكتشفات العلمية مستفيدة من الحاسوب وعلومه والانترنت، وعلى هذا القبيل يمكن ربط الطالب بأنشطة مختلفة عبر مشرفين مختارين، فتكون المدرسة بيئة جاذبة بالضرورة.
مطلب تربوي
حسن البنا موجه تربوي في تعليمية دبي يرى أن المدارس المتخصصة مطلب تربوي يحقق أهدافا سامية منها: تلبية احتياجات سوق العمل بكوادر مؤهلة تأهيلا تخصصيا ما يساعد المؤسسات على تميز مخرجاتها، والارتقاء بالمستويات التعليمية مهاريا وعلميا من خلال مجالات يحبها المتعلم، وزيادة كفاءة الكوادر في مجالات متخصصة ومتعمقة.
مشيرا إلى أن التربية الفنية على سبيل المثال مادة لها مفاهيمها التربوية والفنية الثابتة ولها متغيرات إبداعية بمجالاتها المتعددة خلال عملية التطبيق بتنوع خاماتها وبدائلها وتكنيكاتها وأساليبها المتنوعة وطرق معالجاتها، لافتا إلى أن الدولة تتمتع بكوادر إبداعية متميزة في مجالات التربية الفنية .
وبمستوى ينافس مختلف دول العالم، شاهده الجهد المبذول من المعلمين والمعلمات، آملا أن يواكب ذلك خططا لإقامة مدارس متخصصة بعلوم ومواد علمية تساير قدرات الطلبة الموهوبين بتخصصات متنوعة في المجالات المختلفة بجميع أحياء كل إمارة تستوعب قدرات وطاقات وإبداعات أبنائنا المبدعين مع الأخذ بعين الاعتبار نجاح الإعلام في تسليط الضوء على هذه الكوادر محليا وعربيا وعالميا يقدر الجهود التي تبذل والطموح المرجو في خطة محددة الأطر ولتكن خمسية يقاس بها ما تم إنجازه، والى أي مدى وصلنا بعد أن نكون حددنا النقطة أو الهدف أو المستوى الذي نريده.
تحقيق: يحيى عطية