بعدما ودعوا «الأيام السوداء» التي رافقت اقتتالهم باتفاق الصلح في مكة، هب الفلسطينيون الغاضبون أمس للدفاع عن المسجد الأقصى، في وجه حفريات التهويد الإسرائيلية، وخاضوا مواجهات مع جنود الاحتلال الذين اقتحموا باحة «الأقصى»، وحولوه إلى ساحة حرب، ما أسفر عن 20 جريحاً فلسطينياً في موازاة تحسب حكومة الاحتلال من دفع ثمن سياسي لاتفاق مكة وبدئها في تحرك مضاد لإحباطه دوليا، وذلك في مواجهة ترحيب عربي وفرنسي ودعوة موسكو لرفع الحصار عن الفلسطينيين خصوصاً بعد إعلان حماس أن الاتفاق يمثل لغة سياسية جديدة للحركة.

وقالت مصادر فلسطينية وإسرائيلية، ان 35 شخصاً أصيبوا بجروح 20 فلسطينياً و15 من عناصر الشرطة الإسرائيلية، جروح معظمهم طفيفة. وقال شهود ان عناصر شرطة الاحتلال المرتدين الخوذات والمحتمين بدروع، اقتحموا باحة المسجد الأقصى فور انتهاء صلاة الجمعة، وأطلقوا قنابل صوتية وقنابل مسيلة للدموع لتفريق محتجين بدأوا برشق الحجارة، بينما بقي المئات من المصلين محاصرين داخل المسجد لساعات.

كما اندلعت مواجهات في العديد من مداخل مدينة القدس القديمة بين عناصر الشرطة الإسرائيلية وفلسطينيين كانت السلطات الإسرائيلية منعتهم من التوجه إلى باحة المسجد الأقصى.

وندد الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبومازن» أمس، بـ «تعسف سلطات الاحتلال»، وقال للصحافيين في مكة المكرمة «اليوم (أمس) يوم غضب في فلسطين بسبب إجراءات الاحتلال في القدس وبسبب التعسف الذي تقوم به سلطات الاحتلال في القدس».

في موازاة ذلك، وعلى صعيد تشكيل حكومة الوحدة وفقا لاتفاق مكة، قال الرئيس الفلسطيني للصحافيين أمس ان « ما كنا نتمناه من اتفاق وصلنا إليه بحكومة وحدة وطنية». وتابع «ودعنا الأيام السوداء إلى غير رجعة وبدأنا صفحة جديدة في حكومة الوحدة الوطنية ومسيرة جديدة في فلسطين ستريح القلوب والنفوس وأتمنى ان ينعم شعبنا بالأمن والأمان والاستقرار».

من جهته، قال مستشار الرئيس الفلسطيني نبيل عمرو « خلال اقل من أسبوع ننهي التشكيلة الوزارية والآن يجري تداول الأسماء».

إلا ان عمرو قال ان التوقعات بفك الحصار الدولي عن الحكومة الفلسطينية «غير عالية». لكنه أعرب عن اعتقاده بان «الظروف تهيأت للعمل بشكل أفضل لإنهاء الحصار والسعودية التي وقع الاتفاق على أرضها ستعمل إلى جانبنا لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني».

من جانبه، قال الناطق باسم حركة «حماس» لوكالة «فرانس برس»، «ان الاتفاق الذي جرى في مكة المكرمة لا يعني اعترافا بالكيان الإسرائيلي». وأضاف «ان حماس شيء وحكومة الوحدة شيء آخر لكن حكومة الوحدة تستند إلى وثيقة الوفاق الوطني (الأسرى) التي لا تعترف بالكيان الإسرائيلي». وأشار إلى ان حركته ستنضم إلى منظمة التحرير « وفقا لمعايير جديدة على قاعدة إعادة صياغة منظمة التحرير وعدم الاعتراف بشرعية الاحتلال».

من جهته، قال الناطق باسم الحكومة الفلسطينية غازي حمد لـ «رويترز» انه تم الاتفاق مع السعوديين على تسويق هذه الاتفاقية دوليا. وأضاف ان «الأشقاء السعوديين على اتصال مستمر مع الأميركيين والأوروبيين واعتقد ان هناك إمكانية لتسويق هذا الاتفاق».

في المقابل، بدأت إسرائيل بإجراء اتصالات حثيثة مع الإدارة الأميركية والحكومات الأوروبية لمنع ممارسة ضغوط عليها للتحادث مع حكومة الوحدة الفلسطينية.

وأعلنت مصادر سياسية إسرائيلية عن أن إسرائيل ستقاطع الحكومة الفلسطينية الجديدة، ما لم تستجب الأخيرة لشروط الرباعية الدولية، التي تطالب «حماس» بالاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقيات الموقعة ونبذ العنف.

وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الحكومة الإسرائيلية قلقة من « منح روسيا ودولا أخرى إعفاءات لحكومة الوحدة الفلسطينية وتأمل إسرائيل بأن تمارس ألمانيا وبريطانيا تأثيرها في الاتحاد الأوروبي لمنع ذلك ».

من جانبه، حذر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي آفي ديختر أثناء لقائه مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، من أن « تدفع إسرائيل الثمن» بعد تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية، وشدد أن « هذا ليس واردا بالنسبة لنا».

ويتحسب المسؤولون الإسرائيليون من أن « يكبل اتفاق مكة أيدي الرئيس الفلسطيني محمود عباس «الذي انتهج حتى الآن خطا صارما ضد حماس ». وقالت مصادر سياسية إسرائيلية «في هذه الحالة سيصل عباس ضعيفا للقاء القمة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت ورايس في 19 فبراير الجاري».

واتخذت موسكو موقفا متقدما يدعو إلى رفع الحصار، وشدد الموفد الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الشرق الأوسط ألكسندر سلطانوف، على ضرورة أن تعيد «اللجنة الرباعية النظر بقضية فك الحصار الدولي الذي يلحق الضرر بالأراضي الفلسطينية في ضوء الاتفاق الأخير بين حركتي «فتح» و«حماس».

ونقلت وكالة الأنباء الروسية «نوفوستي» عن سلطانوف الذي يشغل أيضاً منصب نائب وزير الخارجية، أن موسكو ترى ضرورة أن يبحث الوسطاء الدوليون في اللجنة الرباعية الخاصة بالشرق الأوسط قضية فك الحصار الدولي عن الأراضي الفلسطينية. يشار إلى أن اللقاء المقبل للرباعية سيعقد في العاصمة الألمانية برلين في 21 فبراير المقبل، حيث سيكون الوفد الروسي برئاسة وزير الخارجية سيرغي لافروف.

وبالمثل دعت فرنسا المجتمع الدولي لمساندة حكومة وحدة وطنية فلسطينية. وأعلن وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي، عن تأييده للاتفاق الذي وقعته فصائل فلسطينية.

وقال في بيان «أحيي الاتفاق الفلسطيني الفلسطيني الذي أبرم في مكة أمس لتشكيل حكومة وحدة وطنية». إلا ان البيت الأبيض التزم الحذر بشأن الاتفاق وقالت الناطقة باسمه دانا بيرينو «لم نر في الواقع الاتفاق ومن المهم منحنا بعض الوقت للنظر فيه خاصة في تفاصيله». وأضافت ان الولايات المتحدة تقدر دور الوساطة الذي لعبته السعودية للتوصل إلى الاتفاق الذي وقع في مدينة مكة المكرمة.