في محكمة رأس الخيمة فقط لجأت 71 امرأة إلى «الخلع» لحسم خلافاتهن الأسرية العام الماضي من بينهن 52 مواطنة! هذه أول مرة في قضاء الدولة يتم استخدام هذا «الحق الشرعي» في محاكم الدولة وتظهر كلمة الخلع في سجلات محكمة وفي إمارة واحدة من إمارات الدولة.
ومما يشير إلى غرابة اللجوء إلى هذا الحق أنه في إحدى الدول العربية كثيفة السكان عندما لجأت إحدى القرويات إلى المحكمة للمطالبة بالخلع من زوجها ثار الرأي العام وتصدى خبراء الاجتماع وعلم النفس لمواجهة وتحليل تلك الظاهرة الخطيرة وأسبابها.
فهل لجوء 52 مواطنة إلى الخلع لم يثر اهتمام الجهات المعنية والمسؤولة في الدولة ويدعو خبراء الاجتماع وعلم النفس والأمن لإعلان تحليل الظاهرة ومعرفة أسبابها وإيجاد الحلول المناسبة لها؟! القضية كما يصفها أحد المهتمين «خطيرة» و«جرس إنذار» وتتطلب التحرك السريع للمحافظة على تماسك المجتمع في ظل الظروف الحالية وما يعانيه من مشكلة التركيبة السكانية، فالأرقام الرسمية تشير إلى أن عدد حالات الطلاق(بما فيها الخلع) والتي نظرتها المحاكم الاتحادية عام 2006 بلغت ما يزيد على 3 آلاف حالة منها 1500 حالة بين مواطنين و900 حالة بين مقيمين بالدولة و120 حالة بين مقيمين ومواطنات و480 حالة بين مواطنين ومقيمات. وفي دراسة أمنية مهمة جاءت نتيجة بحث ميداني قامت بها الملازم خولة الزعابي ضابطة شرطة في رأس الخيمة ـ الإمارة التي وقعت فيها حالات الخلع ـ عن «مواجهة العنف المعنوي من الزوج ضد الزوجة» أشارت الدراسة إلى أن 330 سيدة تقدمن ببلاغات إلى مكتب التوجيه الأسري بدائرة محاكم رأس الخيمة تفيد بحدوث عنف معنوي واقع من الزوج.
وإذا كانت حالات الخلع هي جزء من حالات الطلاق بشكل عام فإن لجوء المرأة إلى هذا الحق يعكس واقعاً اجتماعياً يستدعي ترميمه وتفكيك مشاكله للحفاظ على كيانه. وإذا كانت المرأة الإماراتية ـ كما تقول إحدى الباحثات الاجتماعيات- تتميز بتمسكها ببيتها وحبها للحياة الزوجية، فهذا يجعلنا نتساءل «فماذا حدث؟».... «البيان» من جانبها رصدت المشكلة وحاولت ملامسة أسبابها وقدمتها إلى أصحاب الخبرة لاقتراح الحلول.
حق شرعي ولكن..!
يؤكد الدكتور سيف الجابري مدير إدارة الإفتاء والبحوث بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري أن الخلع حق شرعي أوجبه الإسلام عندما يتعنت الزوج ويزيد في ظلمه لزوجته من خلال التمسك بها للإضرار والظلم لأنه يمتلك عقدة النكاح وبيده الطلاق، فيستخدم الجبر للعيش معه ولا يريد تطليقها وهي كارهة العيش معه. ويضيف الدكتور سيف الجابري أن الزوجة يمكنها رفع الأمر للمحكمة وطلب الخلع وهنا فإن القاضي يمثل ولي الأمر الذي يستطيع من خلال الأدلة والبراهين والقرائن خلعها من زوجها.
ويقول إن الله سبحانه وتعالى أمر الأزواج بحسن معاملة الزوجة والإنفاق عليها واستخدام القوامة في مرضاته، أما البعض فيستخدمونها في غير مرضاة الله فجعل لها مخرجاً آخر غير الطلاق ألا وهو الخلع الذي يستخدم عند تضرر الزوجة من زوجها والتفنن في عدم إعطائها حقها في الطلاق.
ويشير الجابري إلى أنه يجوز للزوجة في هذه الحالة أن ترفع أمرها إلى القاضي ويقوم القاضي بعد تبيان الأدلة بالحكم لها بالخلع إذا لم يرض الزوج بإجراء الطلاق، بافتداء نفسها مما تملك وهو مؤخر الصداق وبعض الحقوق المادية، فإذا تنازلت تم التطليق وأعيدت إليها حريتها التي كانت في يد زوجها وترجع إلى وليها.
وعن أسباب ظهور الخلع في الإمارات قال الدكتور سيف الجابري إن لكل زمان أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية، وزمننا اختلطت فيه الأمور وانتشرت فيه الحرية وازدادت تعقيدات الحياة فأصبح مؤشر الخلافات الأسرية يرتفع لعديد من الأسباب الشخصية والمادية والاجتماعية ومنها قلة الوعي الثقافي الديني في المجتمع وخاصة عند فئة الشباب الذين يريدون حياة أسرية بلا ضوابط شرعية، وهذه الأسباب زادت من معدلات الطلاق والخلع.
وأضاف أن الطلاق أفضل ويجب أن يكون عن تراضٍ وقناعة ولا يصل إلى مرحلة طلب الخلع، ويجب أن يكون الرجل كريماً وذا خلق مع زوجته التي ارتضت أن تكون زوجاً له، فإذا اختلفت الأحوال وكرها العيش معاً فله أن يسرحها بإحسان كما أخذها بالمعروف ولا يجعلها تلجأ إلى المحاكم وترفع قضية خلع ليتحقق له ما يريد من مال، ولا شك أن المتضررة تشري نفسها، وهذا مؤشر سلبي في الرجال لتخليه عن مكارم الأخلاق وإجبار زوجته على ما تكرهه وعليه ألا ينظر للأمور المادية استناداً إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، والخيرية تكون في المعاملة وتكون في جميع الأمور حتى في نهاية الحياة الزوجية.
أسباب قاهرة
إيمان إسماعيل عبد الله باحثة اجتماعية في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي ترى أن زيادة حالات الخلع ترجع إلى الضرر الكبير الواقع على هؤلاء الزوجات، والمرأة الإماراتية تتميز بتمسكها ببيتها وحبها للحياة الزوجية إلا أن هناك نسبة من الرجال لا يقدرون الحياة الزوجية ولا المرأة وليس عندهم أدنى احترام لهذه الحياة فهم يخرجون ويدخلون البيت دون تقدير لصاحبته وهؤلاء نسبتهم تصل إلى 20% وهي نسبة كبيرة جداً.
وتضيف إيمان إسماعيل أن الرجل عندما يسأل عن ذلك يكون رده أنا حر، بالرغم من أن الزواج يفرض عليه واجبات لا بد من أدائها فهو ليس حراً ـ كما يقول ـ لأنه يعيش في كنف أسرة وأولاد وهو ملك لهم، حتى إذا أراد أن يتزوج بأخرى عليه أن يستأذنها، وأكدت أن هناك أسباباً قاهرة لطلب الخلع وأن القاضي الذي يحكم بذلك يكون قد اطلع على الجانب الآخر من القضية وما فيها من بنود وعوامل اجتماعية ونفسية يبني عليها قرار الخلع.
وترى إيمان إسماعيل أن هؤلاء الزوجات أخذن حقهن إلا أن الضرر الواقع عليهن من الخلع كبير من المجتمع ومن الأهل، كما يقع الضرر الأكبر على الأولاد بين أقرانهم وزملائهم ورأينا ذلك على أبناء المطلقات فكيف بأبناء «المخلوعات».
جرس إنذار
ويصف الدكتور محمد مراد عبد الله مدير مركز دعم اتخاذ القرار بشرطة دبي: إن القضية خطيرة لأن 52 قضية خلع في إمارة واحدة بالدولة تعتبر مشكلة كبيرة لأن ذلك يعني أن هناك 52 أسرة سوف تتفكك في المجتمع في الوقت الذي نعمل وندعو فيه إلى الحفاظ على تماسك مجتمع الإمارات في ظل الظروف الذي يمر بها المجتمع والتي يأتي في مقدمتها مشكلة التركيبة السكانية.
ويشدد د.مراد على ضرورة تعزيز العلاقات الاجتماعية والأسرية للمواطنين لصالح تماسك وتقوية البنية الاجتماعية، مع وجود استراتيجية واضحة للجهات المعنية تهدف إلى تقليل حالات الطلاق إلى الحد الأدنى لأن معدلاته بالدولة عالية جداً وتصل سنوياً إلى نحو 35 بالمئة.
ويضيف أن حالات الخلع المعلنة تعني عدم توافق في الحياة الزوجية وعدم رضا الزوجة وإذا كان قانون الأحوال الشخصية قد أباح الخلع إلا أنه ربطه في كل الأحوال بموافقة الزوج ورضاه لكن هذا لا يعني أن نترك الأمور الشخصية تصل إلى المحاكم قبل مرورها على جهات معنية تستطيع التوفيق بين الزوجين والوصول إلى حلول لأن أسباب الطلاق أحيانا تكون بسيطة و«تافهة» ويترتب عليها تفكك أسري وتأثيرات نفسية سلبية على الأولاد وينتج عنها أيضاً من مشكلة انحراف الأبناء وجنوحهم واعتبارهم رصيدا إجراميا، بالتالي لا نريد وجود زيادة في نسب الانحراف وزيادة في نسب الجرائم.
ويطالب مدير مركز دعم اتخاذ القرار بإخضاع حالات الخلع والطلاق للدراسة الاجتماعية والنفسية الشاملة من قبل الخبراء والمتخصصين ولا تترك فقط للمحامين والقضاء بشكل عام. ونحن هنا لسنا ضد المرآة ـ يقول د.مراد ـ لكن لا بد أن تعي دورها الأساسي كزوجة وأم مسؤوليتها تربية الأجيال،.لذلك فإن حالات الخلع المعلنة تعتبر بمثابة جرس إنذار.
ويدعو إلى ضرورة تعديل المناهج الدراسية بحيث يكون لها دور في التربية الأسرية وفي إعداد أجيال واعية بالمسؤولية الاجتماعية، وضرورة تحمل المؤسسات الدينية مسؤوليتها في التوعية الاجتماعية وإبراز الوازع الديني في الحياة الأسرية، كما أن صندوق الزواج لابد أن يلعب دوراً أيضاً في مجالات التوعية والتثقيف وتأهيل المقبلين على الزواج.
ويقترح د.مراد تعميم فكرة قسم التوعية الأسرية الموجود بمحاكم دبي على جميع محاكم الدولة لأن القسم ساهم بفاعلية في تقليل نسب الخلافات والطلاق.
الحماية القانونية
في أبوظبي يؤكد المحامي إبراهيم التميمي أن قانون الأحوال الشخصية سهل إجراءات الطلاق لكنة يحرم النساء من حضانة أطفالهن في وقت مبكر وهم لا يزالون في أمس الحاجة لأمهاتهم حيث حدد القانون سن الحضانة للذكر لغاية 11 عاماً والفتاة 13 عاماً. وأوضح أن السن يعد من أخطر المراحل العمرية في حياة الأطفال وخاصة بعد انتقال حضانتهم للأب والذي سوف يترك هذه المهمة لمربية أو لزوجة غريبة عليهم مما يجعلهم يكابدون التعب النفسي والجسدي على ترك والدتهم والخضوع لأوامر خادمة أو زوجة أب غالبا ما ستكون قاسية عليهم.
ويوضح أنه من خلال عمله مع المحاكم لاحظ أن أغلب قضايا الأحوال الشخصية بعد تطبيق القانون قبل نحو عام تعود في معظمها حول حضانة الأطفال والحصول على النفقة بسبب تزايد حالات الطلاق، مشيرا إلى أن عدداً من النساء صغيرات السن يفضلن عدم الزواج من رجل آخر حفاظا على أطفالهن.
ويشير التميمي إلى أن القانون لم يعط المطلقة غير المواطنة الحق في الحصول على المسكن وتراها بعد الطلاق تائهة بين المحاكم ومشردة هي وأطفالها من سكن لآخر ومن إمارة لأخرى لحين حصولها على قرار المحكمة بالنفقة والحضانة وما يترتب عليه من تأمين المسكن. وتمنى على القانون والقائمين عليه توفير سكن للنسوة لحين الفصل بدعوى الطلاق وتقليل مدة الاستئناف أمام محاكم الاستئناف الشرعية لتصبح 15 يوماً بدلاً من الشهر وكذلك الحال بالنسبة للطعون أمام محكمة النقض.
وينتقد التميمي المدة الزمنية التي تأخذها المحكمة الاتحادية العليا للنظر في قضايا الطلاق، مشيرا أن لديه قضايا لم تنظر منذ نحو السنة وقال إن هذا الأمر يعلق أمر المرأة فلا تعرف نفسها إن كانت مطلقة أم لا وأوضح أن بعض المطلقات يقضين ما يزيد على السنتين دون الحصول على النفقة وبعض الأزواج يتحايلون على القانون في إيجاد سكن لمطلقاتهم خارج أبوظبي مما يزيد من مشقتهن ما بين بعد المسافة وتكاليف الترحال.
ويؤكد أن قانون الأحوال الشخصية أغفل تحديد مواصفات مسكن المحضون واستشهد بعدد من الوقائع والحالات التي يكون فيها الرجل يعيش في أبوظبي وطليقته وأطفاله خارج أبوظبي ويطلب منها حق مشاهدة أولاده داخل أبوظبي. ويدعو التميمي إلى إيجاد أماكن توفر للمحضونين جوا من الأمان الأسري والعائلي بعيدا عن المراكز الأمنية وأن يتوفر فيها مختصون لتهيئة أجواء الرؤية وتسلم وتسليم الأطفال بما يضمن سلامتهم والمحافظة عليهم.
ويقول ان بعض القضاة يلجأون أحيانا لحل الخلافات الزوجية خلافا لما ورد في القانون، موضحا أن هذا الأمر يحدث متاعب نفسية للنساء واستشهد بأن بعض النساء يُضربن من الأزواج ويخفن من الشكوى حفاظا على الأبناء أو الطلاق المبكر وهن مازلن صغيرات السن. وأكد على أهمية فرض نفقة في حالات الطلاق المفاجئ وتوفير الحماية القانونية للمطلقة غير المواطنة بعدما تنتهي حضانتها لأطفالها حيث في كثير من الأحيان لا ترغب تلك المطلقات في مغادرة الدولة على أمل التواصل مع أبنائها ولكنها تجد نفسها عالة على أهل الإحسان رغم أنها أم لأبناء مواطنين.
ويضيف أن القانون لم يتطرق لتعويض من تتهم من النساء ليلة الزفاف بعدم العذرية وترك ذلك الأمر لقوانين أخرى وقال كان الأجدى بالمشرع أن يعالج هذه المسالة حفاظا على المرأة وحمايتها من الاستغلال الجسدي والنفسي من قبل بعض الرجال الذين قد يلجأون لمثل هذا الأسلوب لتحقيق مكاسب خاصة بهم، مشيرا لأهمية أن يكون هذا النوع من التعويض مفتوحا وأن يحاكم الرجل وفقا للقوانين الجزائية.
ويذكر أن القانون فرض للمطلقة متعة نفقة ولم يفرض تعويضا للتي يطعن الرجل في شرفها ومع ذلك يتقدم الرجل بعد كل هذه الاتهامات ويطلب المرأة للطاعة، موضحا أن القانون أغفل تعويض «ليلة الدخلة».
حالة خلع واحدة في الفجيرة
وفي الفجيرة ارتفعت نسبة طلاق المواطنين من مواطنات إلى 62% مقارنة مع نسبة الطلاق بين المواطنين والأجنبيات التي لم تتعد 23%، وكذلك بين الوافدين والوافدات التي وصلت 14%، وذلك وفق إحصائية عام 2006 الصادرة عن الأحوال الشخصية من محكمة الفجيرة الشرعية.
ويقول علي هارون الشريف رئيس لجنة التوجيه الأسري إن اقل نسبة في الطلاق كانت بين الوافدين والمواطنات إذ لم تشهد المحكمة الشرعية إلا حالة طلاق واحدة من أصل 113 حالة، فيما سجلت المحكمة حالة خلع واحدة تمت بين مواطن ومواطنة.
ويوضح الشريف أن معظم حالات الطلاق كان سببها ضعف الوازع الديني عند الرجال مما أدى إلى هجرهم مساكن الزوجية وعدم التزامهم بالإنفاق على أسرهم، وسهر بعضهم حتى ساعات متأخرة خارج البيت، وكذلك شرب الخمر والخيانة الزوجية، لافتا إلى أن الالتزام الديني عند الزوجين يحول دون استفحال المشاكل الزوجية التي تؤدي إلى الطلاق، كما انه يوثق العلاقات الأسرية لأنها تبنى على المحبة والمودة بين الزوجين التي تنعكس إيجاباً على كافة أركان الأسرة.
ويضيف أن تفاوت المؤهل التعليمي والاجتماعي بين الزوجين، وعدم استطاعة الزوج توفير سكن مستقل وسكنهم في بيت أهل الزوج أو الزوجة، من الأسباب الثانوية التي أدت إلى ارتفاع نسبة الطلاق بين المواطنين والمواطنات بالفجيرة.
ويبين رئيس لجنة التوجيه الأسري بمحكمة الفجيرة الشرعية أن اللجنة قامت بجهود حثيثة لتقليل نسبة الطلاق، والتوفيق بين الزوجين المتخاصمين، وكثيرا ما كانت تستعين بأهل الزوج والزوجة للإصلاح بينهما، وإعطاء فرصة للطرفين كي يفكرا بالعدول عن الطلاق وخاصة إذا ما كان بينهما أولاد، مشيرا إلى أن اللجنة نجحت في كثير من الأحيان في هذا العمل الجليل، ولم تحول أي قضية إلى الأحوال الشخصية إلا بعد أن تسد أمامها كافة الأبواب للإصلاح بين الزوجين.
أما عن عقود الزواج فقد ذكر الشريف أن الأحوال الشخصية سجلت 417 عقد زواج بين المواطنين والمواطنات، و27 عقدا بين مواطن ووافدة، و13 عقد زواج بين وافد ومواطنة، و37 عقدا بين وافد ووافدة.
الخلع يشكل الحل الأخير لمتاعب الزوج العصبي
من وجهة نظر رئيس لجنة التوجيه الأسري جاسم المكي، فإن الزوجة لا تلجأ إلى الخلع إلا بعدما تفقد صبرها على متاعبها الأسرية مع زوجها. وقال رئيس لجنة التوجيه الأسري جاسم المكي: عندما تتحول الحياة الزوجية إلى جحيم فإن الزوجة لا تجد ملاذاً آخر غير اللجوء إلى اللجنة باحثة عن الخلع.
والمشاكل التي تجعل من حياة الزوجة جحيماً لا يطاق عديدة، لكن أبرزها استمرار الزوج وربما بإصرار على عدم توفير احتياجات الأسرة واستخدام العنف والضرب مع الزوجة وهجرها وانعدام التفاهم بين الزوجين والخيانة الزوجية وقضاء الزوج جل وقته في السهر والشيشة والفنادق، وعطالة الزوج عن العمل وعدم رغبة الزوجة في وجود زوجة ثانية أو عدم العدل بينهما وإهانة وطرد الزوج من المنزل. وأيضاً يمكن أن يكون من بين أسباب الخلع مرض أحد الزوجين والغيرة وعصبية الزوج وفرض الزوجة على الزوج مطالب في غير الوقت المناسب.
لكن من المفارقات الغريبة في هذه القضايا هو إجبار بعض الرجال لزوجاتهم طلب الخلع بدلاً من الطلاق طمعاً في تفادي الالتزامات الناجمة عن الطلاق مثل دفع مؤخر الصداق ونفقة العدة وربما أيضاً لإجبار الزوجة على التنازل عن جميع التزاماتها التي على كاهله مثل الديون المادية والعينية. وأمام لجنة التوجيه الأسري وهي الجهة الوحيدة المعنية بحل المشاكل الأسرية تبدأ الجهود الخيرة لدرء الخلع وغيرها من المشاكل التي تهدد الاستقرار الأسري.
ويقول المكي: في البدء تستقبل اللجنة في مقرها بالمحكمة الطرف المشتكي سواء الزوجة أو الزوج ويطلب منه تعبئة استمارة الحالة الأسرية التي تحوي معلومات وافية حول الطرفين كما تتسع لتحليل المشكلة والنتيجة التي يتم التوصل إليها مع الطرفين.
والنتيجة التي يتم التوصل إليها بين الطرفين تبلغ ذروتها بتوقيع ما يعرف بالاتفاقية التي توقع من قبل شاهدين ورئيس لجنة التوجيه الأسري ثم قاضي الأحوال الشخصية.
والقرار الذي تصدره اللجنة ويدرج ضمن الاتفاقية يكون نهائياً ولا يجوز استئنافه إلا إذا كان مخالفاً للقوانين وإذا أخلّ أحد الطرفين بحق الطرف المتضرر فإن قسم التنفيذ بالمحكمة يقوم بمعالجة الضرر دونما حاجة للرجوع للجنة مرة أخرى.
لكن عندما يتعذر التوفيق بين الزوجين ويصر أحد الطرفين على الحل القضائي فإن الخلاف يدخل مرحلة جديدة، حيث تقوم اللجنة بعمل طلب يسمى «إرسالية معاملة» يوفر الفرصة بفتح ملف لتداول الخلاف أمام القضاء.
ومن وجهة نظر المكي فإن اللجنة لا تلجأ لتحقيق رغبة الزوجة بالخلع إلا عندما تتأكد أن كل السبل مغلقة في وجهها لحل المشاكل الأسرية، لافتاً إلى أنها أي اللجنة تتمسك بالصبر إلى أبعد ما يكون تجنباً لزعزعة استقرار الأسرة، فهي تتابع وتذهب إلى كل من تعتقد أن يملك الحل أو على الأقل يقرب وجهات نظر الطرفين المتنازعين.
مواطنة تخلع نفسها مقابل مؤخر مهرها
أيدت المحكمة الاتحادية العليا حكما بطلاق مواطنة «خلعا» مقابل تنازلها عن نفقة عدتها و مؤخر مهرها البالغ 30 ألف درهم وألزمت طليقها «مواطن» رسوم ومصاريف طعنه وأمرت بمصادرة التأمين.
وتتلخص الوقائع في أن المطعون ضدها أقامت لدى محكمة الشارقة الشرعية دعوى ضد زوجها تطلب فيها الطلاق للضرر وإلزامه أن يوفر لها مسكنا تحضن فيه أولاده منها وعددهم ثلاث أطفال دون سن الخامسة وأضافت في دعواها أنه زوجها ووالد أولادها وأنه أضر بها بالضرب والشتم والهجر بالفراش وأجاب الزوج على الدعوى وأنكر الضرر . وكانت محكمة أول درجة ندبت حكمين أثبتا ضرر الزوجة فقضى لها بالطلاق خلعا فأستأنف الزوج الحكم وقضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم المستأنف ورفض طلب الزوج فطعن بالنقض وتمسكت الزوجة بطلب الطلاق فكان لها ما أرادت.
دراسة ميدانية تكشف أشكال وأسباب العنف المعنوي ضد الزوجة
كشفت دراسة أمنية مهمة حصلت عليها «البيان» للملازم خولة محمد سعيد الزعابي بالإدارة العامة لشرطة رأس الخيمة بعنوان «مواجهة العنف المعنوي من الزوج ضد الزوجة والآثار النفسية المترتبة عليه» أن هناك عدة دوافع قد تقود الرجل للعنف المعنوي الصادر منه تجاه الزوجة ومنها ما يرتبط بالاحباط، ففي أوقات كثيرة يكون الفشل وتكراره دافعا للعنف نحو المرأة، وقد يكون الحرمان أيضا دافعا ووسيلة لتعويض الحرمان سواء كان الحرمان ماديا أواقتصاديا أو معنويا مثل فقدان الحب والحنان، وقد يكون الدافع للعنف في حالات أخرى هو إظهار التفوق والمهارة والدفاع عن الذات أو الرد على عنف آخر والاستجابة إليه، كذلك قد يكون عامل الخوف دافعا أو ربما يشكل الانتقام الدافع الخفي للعنف نتيجة لرغبة تدميرية شاملة قد تشمل ذات المعتدي نفسها.
وترى الباحثة أن مظاهر العنف تنقسم إلى قسمين، العنف المادي ويتمثل في إلحاق الضرر في جسد المرأة أو في حقوقها أو مصالحها ويندرج تحت العنف المادي الضرب والصفع والحرق والطعن والاغتيال والاغتصاب وغيرها.
النوع الثاني هو العنف المعنوي وهو إلحاق الضرر بالمرأة من الناحية السيكولوجية في الشعور الذاتي بالأمن والطمأنينة والكرامة والاعتبار والتوازن وهذا النوع من العنف قد يكون مرحلة نحو ممارسة العنف المادي ويعرف بأنه استعمال شتى أنواع الضغوط النفسية على الإنسان للسيطرة على أفكاره وتصرفاته الاجتماعية ومبادئه الإنسانية والحد من حريته وتفكيره ويندرج تحت هذا العنوان كل ما يسيء إلى المرأة من أنماط العنف المعنوي.
وتحدد الدراسة أشكال وأنماط العنف المعنوي ضد المرأة في الكلام القبيح كالشتم والسب والإهانة والشك والاتهام بالسلوك الشائن والتحقير والتجاهل والهجران، والتهديد المستمر إما بالطلاق أو الزواج من أخرى أو القتل، إضافة إلى الهجر الجنسي والخيانة الزوجية والحرمان من المصروف والطلاق بلا مبرر والإساءة العاطفية وسوء المعاملة وعدم السماح لها بالتعبير عن رأيها وعدم السماح لها بالخروج من البيت من أجل التعليم أو زيارة أقربائها وصديقاتها، وإجبارها على ممارسة أعمال لا ترغب بها أو العكس منعها من ممارسة أعمال مشروعة، والزواج من أخرى.
وتهدف الدراسة وهي عبارة عن بحث ميداني تقدمت به الملازم خولة الزعابي إلى دورة مناهج البحث العلمي بمركز دعم اتخاذ القرار بشرطة دبي في ديسمبر الماضي إلى تقدير حجم ومدى انتشار العنف الزوجي ضد الزوجة بمظاهره المختلفة وعلاقة بعض المتغيرات الاجتماعية بمستوى ومظاهر انتشار العنف الزوجي بين الزوجات استنادا إلى خبرة وتجربة الزوجات المبحوثات.
ويتطرق البحث إلى مفهوم العنف المعنوي وتعريفات العنف الأسري والعنف المنزلي والعنف النفسي ومفهوم العنف ضد المرأة كما جاء في إعلان القضاء على العنف ضد المرأة الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، كذلك النظريات التي تناولت العنف مثل نظرية الصراع والنظرية الوظيفية ونظرية الضبط ونظرية التفاعل الرمزي.
وترى الباحثة أن هناك أنواعا من العنف لم يتطرق إليها المشرع مثل العنف المعنوي الذي يصيب العقل وبالتالي فان النساء يصبحن ضحايا هذا النوع من العنف الذي ليست له أية حماية قانونية وعندما تتقدم الزوجة في هذه الحالة بطلب التطليق نتيجة الضرر المعنوي الذي أصيبت على أثره بمرض عقلي فان الحكم هو عدم قبول الطلب لانعدام الأهلية القانونية.وتقول الباحثة «من الممكن أن يتم العقاب على فعل العنف المعنوي بناء على الحكمة التي وضعها الشرع التي من أجلها وضعت النصوص القانونية ألا وهي حماية حق الإنسان في سلامة جسمه وفي عدم الاعتداء على حريته».
وتتساءل الباحثة «أية حماية قانونية للقضاء على العنف الذي تتعرض له النساء؟ هل عدم وجود نصوص قانونية للحد من ظاهرة العنف الممارس هو السبب في تفشي ظاهرة العنف ضد النساء، وهل يمكن للقانون أن يلعب دورا في تغيرها ولما لا القضاء عليها؟».
وشمل البحث دراسة ميدانية لحالات العنف المعنوي الواقع من الزوج على الزوجة خلال الفترة من أول يناير إلى 30 نوفمبر 2006 وتشمل فحص شامل للزوجات اللائي تقدمن ببلاغات بمكتب التوجيه الأسري بدائرة محاكم رأس الخيمة خلال 11 شهرا وتفيد حدوث عنف معنوي واقع من الزوج وعددهم 330 زوجة.
متابعة: سليمان الماحي، عادل السنهوري، السيد الطنطاوي، إبراهيم السطري، فراس العويسي
