بعد زواج استمر أكثر من (15) عاماً رزقهما الله بطفل أسمياه (ف)، ما كان أحد يتصور فرحتهما بهذه الهدية السماوية والتي جاءت بعد طول انتظار لذا قرر والدا (ف) أن يسهرا على سعادته وأن يعلمانه في أفضل المدارس وأن يقدما له كل ما يريد، كبر (ف) ودخل المدرسة كانت عيون والديه تراقبه ذهاباً وإياباً ومع الأيام كبر حتى وصل المرحلة الثانوية.
في أحد أيام الإجازة الصيفية اتفق (ف) مع بعض الأصدقاء لأن يذهبوا في رحلة استجمام كانت الرحلة تتطلب السفر والإقامة في إحدى الجزر البعيدة في جنوب شرق آسيا، لكن الشباب وحب المغامرة دفعا بـ (ف) ورفاقه إلى الذهاب لأبعد من تلك الجزيرة، فمنذ أن وطأت قدما (ف) ورفاقه مطار تايوان كانت الأنظار تحيط بهم وعندما وصلوا إلى الفندق صعد إلى غرفة (ف) ورفاقه عددً من الفاتنات يعرضن عليهم المساج بعد هذا السفر الطويل، ورغم أنهم تفاجأوا بهذا العرض إلا أنهم لم يمانعوا، لأنه من أجله جاءوا، في اليوم الثاني من وصولهم كان عليهم أن يسافروا إلى تلك الجزيرة وعندما حاولوا اصطحاب الفتيات اللواتي جئن لعمل مساج لهم معهم رفضن ذلك قائلات لهم ستجدون في تلك الجزيرة الساحرة من هن أجمل منا.
بعد رحلة استمرت ساعتين في عرض البحر وصل (ف) ورفاقه إلى الجزيرة.. كانت الجزيرة ساحرة بالفعل فشلالات المياه العذبة تتدفق من بين الصخور الناعمة الملساء التي تحيط بها الأشجار الخضراء اليانعة من كل جانب، كان وصول الشباب في المساء، وفي الليل قادتهم أقدامهم إلى كازينو صغير في وسط الجزيرة كان جميع من يعمل في الكازينو من الفتيات اللواتي لا تزيد أعمارهن على «20» عاماً أما لباسهن فلا يتعدى قطعة صغيرة من فوق وأخرى من الأسفل أما جمالهن فكان أخاذاً فهذه الجزيرة الرائعة لا يحق أن يدخلها إلاّ النساء الجميلات.
بعد انتهاء السهرة كان (ف) ورفاقه قد اختاروا ما يريدون من الفتيات حيث أكملوا سهرتهم في الفندق الذي يسكنون فيه، استمرت السهرة حتى ساعات الصباح الأولى مارسوا خلالها كل أنواع المحرمات ولأول مرة يتذوق (ف) الخمر والنساء والأفيون، كانت التجربة له مثيرة للغاية فرغم أنه كان محصناً نفسياً ضد الخمر والمخدرات إلاّ أنه لم يستطع أن يقاوم ذلك خاصة عندما تقوم إحدى الفاتنات بتقديم الخمر والمخدر له، فقد كان يريد أن يُثبت لها ولنفسه بأنه رجل ويستطيع أن يمارس كل هذه الأمور شأنه شأن أي رجل آخر كما أنه لا يستطيع أن يقول لا وهو يرى أصدقاءه يشربون ويحششون لذا قرر أن يُساير الجو ولا يقول «لا» أبداً مهما كانت النتائج كما أن هذه الأشياء تجعله أكثر هوساً بالمرأة التي أمامه.
تغير الحال
عندما عاد (ف) تغيرت أحواله كثيراً وبدأ يبحث عن النساء والأفيون في كل مكان لكن المشكلة التي واجهته هي أن هذه الأمور غير متيسرة هنا كما هو الحال هناك ومع ذلك لم ييأس بل استمر في المحاولة حتى وجد الطريق إلى الهاوية، كان (ف) يضغط على أهله كثيراً من أجل الحصول على المال وعندما استنزف كل الحيل المتاحة لأخذ المال بدأ يفكر في السرقة كانت البداية سرقة محفظة أبيه وعندما انكشف أمرة قرر أن يسرق ذهب أمة ومجوهراتها، في احد الأيام توجه إلى سوق الصاغة عارضاً اسورة لأمه كي يبيعها، أحس الصائغ ان الأمر غير طبيعي لأن (ف) عرض عليه الاسورة بمبلغ زهيد جداً في حين أنها كانت تساوي عشرات أضعاف هذا المبلغ، أبدى الصائغ رغبة في شرائها لكنه قال لـ (ف) بأنه لا يملك المبلغ المطلوب وانه سيقوم بأخذه من صائغ آخر.
وهنا قام الصائغ بالاتصال بالشرطة وما هي إلا دقائق حتى كان (ف) يقف أمام ضابط التحقيق ليعترف بأنه سرق اسورة امة لأنه بحاجة إلى المال مدعياً ان والده بخيل ولا ينفق عليه وانه يريد بيع الاسورة ليحصل على المال، قام الضابط بالاتصال بوالد (ف) الذي اخبر الضابط بأن تصرفات ابنه تغيرت كثيراً حيث أصبح يدخن رغم انه لم يكن كذلك كما ظهرت عليه علامات الكسل والخمول وعدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة إضافة إلى تناوله الخمر هنا قرر الضابط تحويل (ف) إلى أحد المستشفيات حيث تبين من فحص دمه بأنه يتعاطى المخدرات.
أصيب والدا (ف) بصدمة كبيرة وبدآ معه رحلة العلاج التي استنزفت كل ما كانا يدخرانه ،وأخيرا خرج (ف) من المصحة التي كان بها ولكن بعد أن فقد حياته الدراسية وفقد ثقة أهله وفقد ثقته بنفسه، بعد خروج (ف) أصبح تحت مراقبة والديه وتحت مراقبة الأجهزة الأمنية أيضاً وما كان يمضي على خروجه أكثر من شهرين حتى عاود نشاطه من جديد من حيث الاتصال بتجار المخدرات، كانت خطة (ف) أنه مادام قد فقد مستقبله الدراسي فإنه على غير استعداد لأن يفقد فرصته للحصول على المال فالمال هو السلاح الأكيد الذي من خلاله يستطيع أن يحقق أمانيه وان يعاود السفر إلى جنوب شرق آسيا. من جديد بدأ )ف يتنقل من مدينة إلى أخرى وأصبح نشاطه يمتد من التعاطي إلى الاتجار، وأصبح له أعوان ومساعدون كل هذا النشاط لم يكن غائباً عن أعين رجال الشرطة الذين كانوا يريدون أن يقبضوا عليه متلبساً وبعد كر وفر وقع (ف) في أيدي الشرطة حيث حكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات.
اختيار الأماكن
بعد خروجه من السجن قرر (ف) أن يغير طريقة تعامله وان يختار أماكن بعيدة عن الشبهات لذا حاول إقناع والده بأنه تاب عن تعاطي أو الاتجار بالمخدرات وان السجن علمه الكثير وأدبه أكثر، حاول والده تصديقه لعل وعسى، وطلب منه أن يترك أصدقاء السوء وان لا يحتك بهم من جديد، وافق (ف) على ذلك، وبدأ لا يخرج إلى الأماكن العامة إلا برفقة أمه أو أبيه أو برفقة الاثنين معاً، أما أصدقاء (ف) فقد كانوا يأتون لزيارته في البيت بدلاً من الذهاب عندهم، اطمأن والدا (ف) إلى تصرفات ابنهما خاصة وأن مقابلاته للأصدقاء أصبحت محدودة كما أن الأصدقاء معروفون من قبل أهله.
لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة إلى رجال الشرطة فقد كانوا يراقبون (ف) بطريقتهم الخاصة، وفي أحد الأيام لاحظوا شخصاً معروفا لديهم بأنه تاجر مخدرات، لاحظوه يتردد على بيت (ف)، وكان كل مدة يأتي فيها لزيارة (ف) كان يحضر معه بيتزا أو إحدى الوجبات السريعة شك رجال الشرطة بالأمر خاصة وأن هذا الشخص موضوع تحت المراقبة منذ عدة أشهر لنشاطه المريب لذا قرر رجال الشرطة بعد أخذ الإجراءات القانونية مداهمة (ف) وتفتيش الطعام الذي يحضره ذاك الشخص المريب وهكذا حدث، ففي إحدى الليالي وبعد دخول ذلك الشخص وهو يحمل أطعمة البيتزا والأكلات السريعة إلى بيت (ف) تمت مداهمة المكان وعند تفتيش الأطعمة تبين بأن البيتزا والساندويشات تحتوي على ثلاث كبسولات صغيرة مملوءة بالهيروين، تم اقتياد (ف) والشخص الذي كان معه حيث أحيلا إلى المحكمة التي قضت بسجن كل واحد منهم خمس سنوات.
أصبح (ف) ذا شخصية متمردة وتعرف خلال وجوده في السجن على أساليب وطرق خبيثة في كيفية إخفاء المخدرات لذا عندما خرج من سجنه خرج وهو ماضي العزم على أن يتعاطى وأن يتاجر بالمخدرات دون أن يكشفه أحد.
الاعتكاف في المسجد
حاول والدا (ف) أن يقنعانه بعدم اللجوء إلى المخدرات من جديد خاصة وأن بعده عن والدته ووالده جعلهما يصابان بأمراض الشيخوخة وتحت إلحاح الأب وبكاء الأم أكد (ف) لوالديه بأنه لن يعود إلى المخدرات أبداً ولكي يثبت لهم حسن نيته بدأ يصلي جميع الصلوات بما فيها صلاة الفجر في المسجد وأطلق لحيته وأصبحت المسبحة لا تفارق يده، استمرت المراقبة لـ (ف) لكنه أثبت بالفعل بأنه تغير وأنه لم يعد يتعامل مع المخدرات حتى بات يقضي كل وقته في المسجد، أحس والدا (ف) براحة نفسية كبيرة وهما يريان ابنهما يتعافى من المخدرات.
ويتجه إلى الله سبحانه وتعالى، أصبح تعلق (ف) بالمسجد كبيراً جداً وعندما كانت والدته تطلب منه أن يأتي لتناول طعام العشاء معها كان يقول لها أريد أن أبقى في المسجد فقد حرمت من نعمة الإيمان لفترة طويلة وأريد أن أعوض ما فاتني لعل الله يغفر لي، أصبح (ف) معروفاً بتدينه سواء بالنسبة إلى الحي الذي يعيش فيه أو إلى الأشخاص الذين يترددون على المسجد حتى أصبح يطلق عليه اسم الشيخ (ف). في أحد الأيام فاجأ والديه بالقول بأنه قرر الاعتكاف في المسجد وأنه سيبقى هناك عشرة أيام على الأقل وهي العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، ورغم عدم رضا والديه عن ذلك إلا أنهما وافقا مكرهين من أجل إرضائه خاصة وأنه يجد في المسجد الراحة النفسية والطمأنينة التي يبحث عنها.
في أثناء اعتكافه كان (ف) يزور والديه ولم يكن والده يبخل عليه بالمال لكن (ف) كان يرفض قائلاً بأن احتياجاته لا تتعدى الماء والطعام البسيط، فرح والدا (ف) بهذا التغير الذي حدث لابنهما خاصة وأن أصدقاءه هم من داخل المسجد وأنه هو لا يغادر المسجد إلا قليلاً.
في أثناء الاعتكاف كان (ف) يقوم بعد منتصف الليل ويذهب إلى الحمام للوضوء وبعد ذلك يعود للصلاة ركعتين ثم يخلد في نوم عميق حتى صلاة الفجر كان (ف) متعوداً أن يذهب إلى الحمام للوضوء في ساعة محددة بالضبط وهي الساعة الثانية فجراً (أي بعد منتصف الليل) وكان يستعين على الاستيقاظ في هذا التوقيت بالضبط من خلال ساعة (الموبايل) الذي يحمله، في إحدى الليالي كانت دورية شرطة تمر بالقرب من المسجد الذي يعتكف فيه (ف)،.
فطلب أحد ضباط الدورية من سائق السيارة أن يتوقف لأنه يريد أن يذهب إلى حمام المسجد لقضاء حاجته، وقبل أن يترجل من السيارة لاحظ سيارة حمراء تقترب من المسجد ويترجل منها أحد الأشخاص الذي اتجه رأساً إلى حمام المسجد، وقد لاحظ الضابط أيضاً أن الشخص الذي نزل من السيارة الحمراء دخل الحمام وخرج في أقل من دقيقة وهذا يعني أنه لم يأت إلى الحمام لقضاء حاجته وإلا للبث مدة أطول بعد خروج صاحب السيارة الحمراء مباشرة اتجه (ف) إلى الحمام ولم يلبث هناك سوى ثوان فقط ثم خرج وعاد مسرعاً إلى المسجد لفتت السرعة التي تتم فيها الأحداث انتباه الضابط وبدأت الشكوك تساوره حول ما شاهد، وعند انتهاء نوبته أخبر رؤساءه بما شاهد كما أخبرهم بشكوكه وأن الأمر قد يكون فيه شييء، تم مخاطبة الجهات المختصة التي أخذت الموضوع على محمل الجد وبدأت تراقب المكان من بعيد بعد ليال ثلاث تكررت نفس الأحداث وبنفس الطريقة مما زاد الشكوك حول صاحب السيارة الحمراء والشخص الذي يخرج من المسجد في هذه الأثناء تم معرفة شخصية الشخص المعتكف وكذلك صاحب السيارة.
حيث أنهما من أصحاب السوابق وأنهما معروفان من قبل الشرطة بالتعاطي والاتجار، اتخذت الجهات ذات الاختصاص قراراً بتفتيش صاحب السيارة الحمراء عندما يأتي إلى حمام المسجد وفعلا عندما وصل مسرعاً إلى حيث يريد كانت أيدي الشرطة قد أمسكت به حيث تم اقتياده بهدوء تام إلى خلف مبنى الحمام وعند تفتيشه وجد معه كبسولات من الأفيون وعدد (300) حبة من حبوب الهلوسة، في هذه الأثناء كان (ف) قد خرج من المسجد وذهب إلى الحمام للوضوء كعادته.
لكنه عندما دخل تفاجأ بأن رجال الشرطة في انتظاره، اعترف (ف) بأنه لم يشف من مرض التعاطي والاتجار وأنه اتخذ حمام المسجد مكاناً للقاء المهربين فهذا أفضل مكان (حسب قوله) يمكن أن تتم فيه عمليات التسلم والتسليم دون أن يشك فيك أحد كما أنه تظاهر برغبته في الاعتكاف حتى لا يثير انتباه أي شخص خاصة رجال الشرطة لو أن عمليات التسلم والتسليم تمت في بيته أو في أي مكان آخر من الأماكن العامة، تم تحويل الاثنين إلى النيابة العامة ليأخذا جزاء تصرفاتهما هذه ولاتخاذهما المسجد وحمام المسجد مكاناً لتجارة المخدرات.
إعداد: أحمد سلطان
