جرت التطورات في العراق على غير رياح الإدارة الأميركية، مع إخفاقات رافقت بدء تنفيذ خطة بغداد الأمنية، بمقتل 58 عراقيا وأربعة جنود أميركيين إضافة إلى الكشف عن سقوط مروحية سادسة، واعتقال نائب وزير الصحة العراقي من التيار الصدري، مع تكشف معلومات جديدة عن هدر الأموال، عبر نقل 12 مليار دولار إلى العراق جوا، وتوزيعها بأسلوب فوضوي، بينما توعد الديمقراطيون إدارة جورج بوش ب«حرب استنزاف» في الكونغرس لإحباط إستراتيجيتها الجديدة.
وأعلن أمس رسميا عن انطلاق خطة امن بغداد وسط انتشار قوي لعناصر الشرطة العراقية والجنود الأميركيين في العاصمة، باستخدام عتاد عسكري جديد لمواجهة الجماعات المسلحة، إلا أن هذه الأخيرة نجحت في اختراق الجدار الأمني بسلسلة تفجيرات في بغداد والكوت أسفرت عن مقتل 58شخصا، وهو ما أسهم في التشكيك في فعالية هذه الخطة العاجزة لحد الآن عن حماية أرواح العراقيين. وقالت الشرطة العراقية إن مسلحين قتلوا 14 رجلا من عائلة عربية سنية أمس، بعدما اقتحموا منزلين متجاورين شمال بغداد وفصلوا الرجال عن النساء والأطفال.
من جانبه، أعلن الجيش الأميركي عن سقوط مروحية سادسة له في غضون أسبوع من دون تسجيل أي إصابات، وذلك بعد يوم من مقتل 7 عسكريين أميركيين بإسقاط مروحيتهم، كما أعلن عن أن أربعة من أفراد مشاة البحرية الأميركية «المارينز» قتلوا بهجومين منفصلين في محافظة الانبار غرب العراق.
وبهذه الحصيلة من القتلى يصل عدد الجنود الأميركيين الذين لقوا حتفهم في العراق في اليومين الماضيين إلى 11 على الأقل.
في غضون ذلك، قال الناطق باسم الجيش الأميركي في العراق الجنرال وليام كالدويل، إن خطة امن بغداد الجديدة والتي تهدف إلى تعقب المسلحين وتثبيت الأمن والاستقرار، قد بدأ تطبيقها بالفعل . وأضاف في تصريح صحافي :«لقد تم نشر القوات في مواقعها وسوف ننشر مزيدا منها في المواقع المحددة حالما تصل القوات وتتوفر الموارد».
مشيرا إلى «أنه سيتم تفادي الأخطاء التي ارتكبت في الماضي». وأوضح كالدويل «كنا في الماضي نقوم بتطهير المناطق من المسلحين ونحكم السيطرة عليها لبعض الوقت ونقوم بأعمال الإعمار ثم نغادرها، لكن رئيس الوزراء نوري المالكي تعهد، هذه المرة بتوفير ما يكفي من القوات بحيث يصبح بالإمكان السيطرة على المنطقة والبقاء فيها»، لافتا إلى أن القائد الجديد للجيش الأميركي في العراق الجنرال ديفيد بيتراوس سوف يتسلم مهام القيادة يوم السبت المقبل.
ودشنت القوات الأميركية والعراقية هذه الخطة الجديدة باعتقال نائب وزير الصحة العراقي حاكم الزاملي ، بعد دهم مكتبه، وطالب وزير الصحة علي الشمري القوات الأميركية بإطلاقه، مشيرا إلى انه تم «اعتقاله بشكل غير حضاري وبفعل القوة الغاشمة»، فيما تم قتل 13 مسلحا في منطقة العامرية غرب بغداد.
وعلى الجبهة السياسية، أعلن أعضاء جمهوريون بارزون في مجلس الشيوخ الأميركي، عن أنهم على استعداد مجددا لفتح نقاش كامل في «الكونغرس» حول سياسة الرئيس الأميركي جورج بوش في العراق المثيرة للجدل، فيما تعهد الديمقراطيون بشن «حرب استنزاف ضدها».
ووزع سبعة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ، خمسة منهم قاموا في وقت سابق بعرقلة مناقشة مخططات بوش لإرسال مزيد من القوات إلى العراق، رسالة في وقت متأخر الأربعاء تهدد بإلحاق إجراء احتجاجي على مخططات بوش في العراق بأي مشروع قانون يرسل إلى المجلس في الأسابيع المقبلة.
ووجهت الرسالة إلى زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ هاري ريد (ديمقراطي) وزعيم الأقلية ميتش ماكونيل (جمهوري) حين عرقلت مناقشات في مجلس الشيوخ حول مشروع قرار يتعلق بالحرب فيما بدا ريد مستعدا للانتقال إلى مواضيع أخرى.
وجاء في نسخة من الرسالة أن «الجمود الحالي غير مقبول بالنسبة الينا ولشعب هذا البلد». ووقع الرسالة أعضاء جمهوريون بينهم جون وورنر وتشاك هاغل وسوزان كولينز واولمبيا سنو. وأضافت الرسالة أن «الحرب هي الموضوع الأكثر إلحاحا الآن، وسنستطلع كل خياراتنا بموجب إجراءات مجلس الشيوخ لتامين نقاش كامل ومفتوح».
أما الرجل الثالث في الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ تشارلز شومير، الذي توعد بوش ب«حرب استنزاف» في «الكونغرس»، لإحباط إستراتيجيته الجديدة، فقال للصحافيين أمس في هذا الإطار«الأمر يتعلق بتفاهم. إننا نتقدم أيضا وأيضا وأيضا ونزيد من الضغط على الرئيس. لا يمكن أن نوقف تمويل الحرب غدا بسبب الفيتو الرئاسي، ولكن يمكننا بالتأكيد إرغام الرئيس على تغيير السياسة وهذا الأمر لا يمكن أن يحصل خلال أسبوع. إنها عملية ولكننا سوف نستمر».
في موازاة ذلك، أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية الصادرة أمس، بأن الولايات المتحدة أرسلت بعد عام من غزو العراق جواً، زهاء 12 مليار دولار إلى العراق، ثم قامت بتوزيعها من دون تنظيم وتوجيه للجهات التي تلقتها، واصفة الطريقة التي تم من خلالها إنفاق هذه الأموال بـــ «الملتوية».
وكشفت الصحيفة عن بعض الحيل التي استعملت في عملية نقل هذه الأموال، وذلك في أضخم عملية نقل أموال في تاريخ الاحتياطي الفيدرالي (وزارة المالية الأميركية)، بنقل 281 مليون ورقة نقدية من فئة 100 دولار تزن 363 طناً من نيويورك إلى بغداد، لتغطية مصاريف الوزارات العراقية والمقاولين الأميركيين على متن طائرات النقل العملاقة من طراز« سي ـ 130»، مشيرة إلى أن هذه الأموال «جرى تسليمها بمعدل مرة أو مرتين كل شهر وصل حجم أكبر شحنة منها إلى 2 مليار و140 مليون و600 ألف دولار في الثاني والعشرين من يونيو 2004 قبل ستة أيام من تسليم السيادة إلى العراقيين».
وأضافت أن التفاصيل المتعلقة بهذه الشحنات الضخمة من الأموال، برزت ضمن مذكرة أُعدت خصيصاً من أجل لقاء لجنة تابعة ل«الكونغرس» تتولى التدقيق في عمليات إعادة الإعمار في العراق، مشيرة إلى أن رئيس اللجنة هنري واكسمان، الذي يعد واحداً من أشد المنتقدين لحرب العراق أبدى استغرابه من إرسال 363 طناً من الأموال النقدية إلى منطقة حرب.