قال الشيخ: قلنا ان شر ما أملته الحركات النسوية على النساء ألا يثقن بأبٍ أو بأخٍ أو بزوجٍ، وأن يتوقعن أخطاراً عاصفة تأتي من هؤلاء، وأن الذكورة ليست إلا مجرد مشروع للأنانية ونزوع لامتلاك كل شيء حتى النساء، وأن المرأة الحرة هي المرأة القادرة على الثورة على الذكورة في أية لحظة شاءت.
ثم إن الحركات النسوية راحت توسوس في عقول النساء أن حياتهن أكبر وأنفس وأغلى من أن تسخر كلها أو معظمها لبناء أسرة ورعاية زوج وتنشئة أولاد، وأن الحياة حلوة خضرة، وأن حلاوتها لا تتحقق إلا بعيداً عن أجواء الأسرة في عملٍ أو لهو يصب في تحقيق المصلحة الأنانية لهن وحدهن.
وقد أدى هذا إلى انصراف النساء ساعات طويلة خارج بيوتهن وعلى حساب أزواجهن وأولادهن، وقد صور هذا الثمن للمرأة على أنه ثمن ضروري وغير باهظ لتكون لها حياتها السعيدة والمأمونة.
فلما علت أصوات تحذر من كوارث هذا النوع من التفكير مرة بالتعبير عن صعوبة التوفيق بين الحياة المأمولة للنساء خارج بيوتهن وحماية الأسرة من التشتت والتمزق والضياع. ومرة بتصوير آثار غياب الأم عن أولادها وتركهم لينشأوا بين أيدي الخدم وأمام شاشات التلفزيون ومع رفاق السوء في الطرقات والحارات، ومرة بتقرير أن للزوج على الزوجة حقاً كما أن لها عليه حقاً وأن للأطفال عليها حقاً، وصف أصحاب هذه الأصوات بالرجعية والأنانية والذكورية الطائشة والظالمة مع أن كثيراً ممن حذر وأنذر اعتمد على نتائج دراسات وملاحظات اجتماعية ميدانية في زمن يحترم العلم ويقدر العلماء.
والغريب أن الرجال لم يحظوا بعشر الدعوة إلى الرفق بهم ورحمتهم كما حدث مع النساء مع أن العين لا تخطئ أن المسؤوليات الثقال تقع على أكتافهم وتنوء بها ظهورهم. والأغرب أن أكثر دعاة تحرير المرأة والحرص عليها وحمايتها هم من الرجال الذين لم يسوءهم أن يطعنوا في مصداقيتهم هم أنفسهم في سبيل حماية الأنوثة من الذكورة مما يجعل جهود هؤلاء موضع تساؤل وشكوك وريب.
قيل للمرأة ان من تثق بالرجال كمن يثق بالماء في الغربال، وقيل لها اخرجي من بيتك واضربي عرض الحائط بكل مصلحة عامة للأسرة بوحدتها وتماسكها، وقيل لها اجمعي من المال ما يحمي كبرك بعد شبابك وليس لأحد الحق في درهم واحد مما تجمعينه مهما قصرت في حقوقه وتجاوزت أساسيات حياته، وفي المقابل لم يقل أحد للرجل ان المرأة قد تهدم ما بنيته لسنين، وقد تضيع ما جمعته من عمل كريم أو مهين، وان المرأة قد تخون وتبيع كما قد يخون الرجال ويبيعون، وأنها قد تنفصل في لحظة طيش من زوجها فتتركه ومن أولادها فتلقي بهم عند أبيهم، وأن من حقه كرجل ينفق كل ما يأتي به في أكثر الحالات على الزوجة والأولاد أن يجمع لنفسه مالاً يحمي كبره وقد يكون فيه وحيداً بعد أن تتركه الزوجة ويكبر الولدان.
إن «سوء الظن» المشروع في عرف الحركات النسوية هو سوء الظن بكل الرجال فقط، أما النساء فكلهن رحمة وضعف وصدق وإخلاص، وهو تقرير ينفيه أي تأمل في القضايا المنظورة في المحاكم.
من الأولى بالحرص والحذر والخوف من المستقبل وعليه، الرجل الذي يقدم عمره وعمله وأمنه وصحته النفسية والبدنية لأسرته، أم المرأة التي تأخذ من كل هذا بشريعة الله وسنة رسوله، وهل جبل الرجال بماء الغدر وجبلت النساء بماء الطهر أم أن في الأمر أشياء أخرى.
يقول دعاة الحركات النسوية بضرورة استقلال المرأة المادي عن زوجها لتكون حرة في أية لحظة شاءت أن تترك الجمل بما حمل وتخرج بمالها وجمالها إلى حياة أخرى.
ومع أن الدراسات تؤكد أن هذا الاستقلال رفع نسب الطلاق وتهديم الأسر وتشريد الأولاد فإن أصحابنا يؤكدون أن كل هذه الكوارث تهون في سبيل حماية المرأة من ظلم الرجل مع طعن هؤلاء بالدين والقانون والادعاء بتحيزهما للرجال وبأنهما دين وقانون ذكوريان.
إن ما أريد أن أهمس به في أذن حواء أن الرجال والنساء خلقوا من طينة واحدة وجبلوا من جبلة واحدة، ولا يتصور الخير إلا في كليهما كما لا يتصور الشر إلا في كليهما فإن كان فقه القوامة قد جعل الرجال ينفقون أعمارهم وأموالهم وقواهم في خدمة زوجاتهم وأولادهم ألا يستحقون شيئاً من الثقة وحسن الظن والرعاية والوعد بالمستقبل.
ماهر سقا أميني