أكد معالي الدكتور محمد سعيد الكندي وزير البيئة والمياه أن دولة الإمارات أدركت منذ قيامها أهمية المحافظة على البيئة وتنميتها باعتبارها جزءاً من تراثنا العريق، فحرصت، حتى وهي في غمرة انشغالها بإنجاز نهضتها التنموية، على أن تواكب جهود المحافظة على البيئة وجهود التنمية خطوة بخطوة، وشكل مبدأ ربط الاعتبارات البيئية بسياسة التخطيط والتنمية ركناً أساسياً من أركان سياستنا التنموية.
جاء ذلك في بيان لوزير البيئة بمناسبة الاحتفال بالذكرى العاشرة ليوم البيئة الوطني الذي يصادف الرابع من فبراير تحت شعار (الإمارات والبيئة: التزام دائم وعمل متواصل) حيث تعقد الوزارة اليوم مؤتمراً صحافيا في أبوظبي للإعلان عن فعاليات الاحتفالات التي سيتم تنظيمها على مستوى الدولة.وقال وزير البيئة أن هذا الشعار يعبر بصدق وبدقة بالغة عن حقيقة العلاقة بين دولة الإمارات والبيئة، هذه العلاقة التي تزداد قوة بمرور الزمن وأثمرت كل هذه الانجازات التي نلمسها اليوم في كل بقعة من أرضنا الطيبة.
وقدم الوزير إلى مقام صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ـ رئيس الدولة (حفظه الله) والى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ـ رئيس مجلس الوزراء ـ حاكم دبي والى إخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى ـ حكام الإمارات بعظيم الشكر والامتنان على الدعم المتواصل واللا محدود الذي قدموه.
وما زالوا لجهود المحافظة على البيئة وتحقيق التنمية المستدامة في دولة الإمارات التي كان لها بالغ الأثر في تطوير مسيرة العمل البيئي التي وضع أسسها ورسخ جذورها منذ سنوات طويلة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه.
وقال الكندي انه لا شك بأن هذا الإدراك المبكر لأهمية البيئة وأهمية الربط بين البيئة والتنمية كان من بين أهم العوامل التي أدت إلى قيام نهضة تنموية سليمة ففي حين كان يتم النظر إلى الاعتبارات البيئية على أنها ترف لا مبرر له في كثير من دول العالم كانت دولة الإمارات تدرك أهمية تحقيق التوازن بين التنمية والبيئة.
وهو ما أثبت الزمن صحته وجعل دولة الإمارات تنجز معجزتها التنموية بأقل قدر من الضرر لمواردها البيئية، بالرغم من الضغوط والتحديات البيئية الهائلة التي تعرضت لها في المراحل المختلفة من مراحل نهضتنا التنموية، واستطاعت تحقيق الكثير من الإنجازات الهامة في مجال المحافظة على البيئة وتنميتها بفضل الجهود التي بذلتها الجهات المعنية كافة لتحقيق هذا التوازن الصعب.
وأوضح انه على المستوى المؤسسي اهتمت دولة الإمارات اهتماماً خاصاً بهذا الجانب باعتباره الإطار الذي يقوم عليه العمل البيئي السليم فشكلت اللجنة العليا للبيئة في عام 1975 لتتولى تنسيق جهود وسياسات الجهات المعنية بقضية البيئة والقضايا المرتبطة بها ومع تنامي الاهتمام بالبيئة على الصعيدين المحلي والعالمي خاصة بعد انعقاد مؤتمر البيئة والتنمية في عام 1992 وشيوع مفهوم التنمية المستدامة، تم تأسيس «الهيئة الاتحادية للبيئة» في الرابع من فبراير عام 1993، لتتولى مسؤولية الإشراف على الشأن البيئي على المستوى الاتحادي.
وتلا ذلك قيام مجموعة من الهيئات المستقلة في بعض إمارات الدولة مثل : هيئة البيئة في إمارة أبوظبي في عام 1996، هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في إمارة الشارقة في عام 1998، هيئة حماية البيئة والتنمية الصناعية في إمارة رأس الخيمة عام 1999، فضلاً عن قيام كل بلديات الإمارات الأخرى بتعزيز وإنشاء الأجهزة البيئية فيها، إضافة إلى تأسيس العديد من الجمعيات غير الحكومية التي تعني بالبيئة، وإنشاء أجهزة بيئية في بعض الجهات الحكومية وفي بعض المؤسسات التنموية الكبرى كشركات النفط والموانئ والمناطق الحرة.
وأضاف الوزير انه تلا ذلك استحداث «وزارة البيئة والمياه» في التشكيل الوزاري الأخير الذي تم في شهر فبراير عام 2006 ليمثل مرحلة جديدة في مسيرة العمل البيئي في إطار استراتيجية حكومية متكاملة، وهي إشارة واضحة الدلالة على تنامي الاهتمام بقضية البيئة والقضايا المرتبطة بها.
حيث ستعمل الوزارة من خلال توليها لقيادة العمل البيئي في الدولة على مواصلة جهود حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، من خلال التركيز على الارتقاء بالفكر البيئي وزيادة مستوى الوعي البيئي مع غرس الشعور بالمسؤولية البيئية حيال جميع الأفعال والتصرفات للوصول إلى أفضل مستويات التنمية المستدامة لضمان بيئة سليمة ونظيفة للعمل والحياة بجميع جوانبها.
وتعمل هذه الجهات بانسجام وتناغم من خلال آليات تنسيق متعددة وفاعلة أهمها (لجنة التنسيق البيئي) التي لعبت دوراً مهماً في المرحلة الماضية، وينتظر أن تلعب دوراً أكثر تأثيراً وفاعلية في المرحلة المقبلة.
التشريعات البيئية
وأكد الكندي انه على المستوى التشريعي نجحت دولة الإمارات في إصدار مجموعة من القوانين البيئية المتطورة لعل أهمها القانون الاتحادي رقم (24) لسنة 1999 في شأن حماية البيئة وتنميتها الذي وضع القواعد الأساسية لتنظيم العلاقة بين البيئة والأنشطة التنموية المختلفة، وصدرت بموجبه مجموعة من الأنظمة البيئة هي: نظام حماية البيئة البحرية، نظام حماية الهواء من التلوث، نظام تقييم التأثير البيئي للمشروعات، نظام تداول المواد الخطرة والنفايات الخطرة والنفايات الطبية ونظام مبيدات الآفات والمصلحات الزراعية والأسمدة.
كما صدر في الوقت نفسه القانون الاتحادي رقم (23) لسنة 1999 بشأن استغلال وحماية وتنمية الثروات المائية الحية والقانون الاتحادي رقم (1) لسنة 2002 بشأن تنظيم ورقابة استخدام المصادر المشعة والوقاية من أخطارها القانون الاتحادي رقم (11) لسنة 2002 بشأن تنظيم ومراقبة الاتجار الدولي بالحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض.
بالإضافة إلى مجموعة من القوانين البيئية في بعض إمارات الدولة. وفيما يتعلق بالاستراتيجيات الوطنية أشار الوزير إلى أن الإمارات أنجزت في عام 2000، وبعد ثلاث سنوات من العمل المتواصل، الاستراتيجية الوطنية البيئية وخطة العمل البيئي، التي جاء إعدادها لتعزيز التزام الدولة بحماية البيئة، وتبني مبادئ التنمية المُستدامة وتنمية القدرات العاملة في المجال البيئي.
وشاركت في إعداد هذه الإستراتيجية كافة الجهات العاملة في مجال البيئة والتنمية في الدولة التي تولت جمع ودراسة وتحليل كافة المعلومات والبيانات المتوفرة في مختلف المجالات، وحددت في ضوئها أولويات القضايا البيئية في الدولة أو ما يعرف بـ «أجندة القرن 21 الوطنية البيئية»، والتي تتمثل في قضايا:
(1) المياه العذبة، (2) التلوث ( تلوث المياه والهواء وإدارة النفايات)، (3) البيئة البحرية، (4) البيئة الحضرية و(5) إهدار موارد الأرض والتنوع البيولوجي. وتم في نفس الوقت تحديد أولويات القضايا البيئية لكل قطاع من قطاعات العمل العشرة المشاركة في المشروع.
ثم تم في المرحلتين التاليتين من المشروع وضع الإستراتيجية الوطنية البيئية وخطة العمل البيئي الوطنية للقضايا البيئية ذات الأولوية على المستوى الوطني، وللقضايا ذات الأولوية على مستوى القطاع.
الإستراتيجية البيئية
وفي عام 2002 اعتمد مجلس الوزراء الموقر هذه الإستراتيجية، وأقر تشكيل «اللجنة الوطنية للاستراتيجية البيئية وخطة العمل البيئي» بهدف متابعة تنفيذها.
ولم يقتصر اهتمام الدولة على الجانب المؤسسي والتشريعي فقط، بل أولت الدولة اهتماماً بالغاً لمختلف القضايا البيئية في الدولة ولاسيما القضايا ذات الأولوية ومنها المحافظة على موارد المياه وقطاع الزراعة باعتبار أن قضية المياه من بين القضايا الإستراتيجية فقد تم البدء بتنفيذ مشروع يهدف إلى تقييم جدوى التخزين الاستراتيجي للمياه واسترجاعه.
وأوضح الوزير أن الدولة ركزت أيضا على المحافظة على جودة الهواء والغلاف الجوي حيث تركزت جهود الكثير من الجهات المعنية في الدولة على خفض التأثيرات السلبية الناجمة عن الأنشطة التنموية المؤثرة في جودة الهواء في الدولة مثل الأنشطة الصناعية، وأنشطة البناء والهدم، أنشطة توليد الطاقة، النفايات، حركة النقل.. وغيرها.
واتخذت مجموعة من المبادرات والإجراءات أسهمت في السيطرة على تلوث الهواء والحد من آثاره السلبية، إذ تشير تقارير محطات رصد نوعية الهواء في الدولة إلى أن مستويات تلوث الهواء هي بشكل عام أقل من الحدود المسموح بها باستثناءات قليلة.وشمل الاهتمام بقضية المحافظة على جودة الهواء وضع معايير ومواصفات حديثة وملزمة لملوثات الهواء من مختلف المصادر تضمنها نظام حماية الهواء من التلوث الصادر بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (12) لسنة 2006.
بالإضافة إلى إنجاز استراتيجية وخطة عمل وطنية متكاملة لحماية الهواء من التلوث تقوم على ترقية نظم الإنتاج الأنظف، خفض استعمالات الطاقة مع استعمال تقانة مقبولة اجتماعياً وسليمة بيئياً، التخصيص والتخطيط السليم للمناطق الصناعية والإنتاجية، التركيز على النقل العام لحركة الأشخاص والبضائع، وضع معايير ومواصفات لهواء المدن والمناطق الصناعية والإنتاجية حسب المواصفات العالمية ووضع برنامج للتوعية البيئية، وبناء القدرات.
وقال الكندي ان الدولة اهتمت كذلك بإنشاء محطات لرصد نوعية الهواء في العديد من مناطق الدولة، في إطار خطط شاملة للمحافظة على نوعية الهواء. ويزيد عدد المحطات العاملة فعلاً في الوقت الحالي على 20 محطة وهناك خطط يجري تنفيذها من قبل بعض السلطات المختصة لزيادة عددها وتطويرها. وفي نفس السياق تم إنشاء شبكة وطنية لمراقبة نوعية الهواء لربط هذه المحطات بشبكة وطنية واحدة.
وأوضح انه باعتبار أن قطاعات النقل وتوليد الطاقة والصناعة هي أكثر القطاعات المؤثرة في تلوث الهواء، فقد أولت الدولة هذه القطاعات أهمية خاصة. ففي قطاع النقل تم في عام 2003 حظر استخدام الجازولين الحاوي على الرصاص واستبداله بالجازولين الخالي من الرصاص. وفي عام 2005 قامت شركة بترول أبوظبي الوطنية بافتتاح أول محطة لتزويد السيارات بالغاز الطبيعي ويتم حالياً العمل على تطبيق خطة مرحلية تهدف إلى تحويل 20% من مركبات القطاعات الأكثر تلويثاً في إمارة أبوظبي للعمل بالغاز الطبيعي بحلول عام 2012.
وفي السياق نفسه اعتمد مجلس الوزراء الموقر بموجب قراره رقم (34) لسنة 2006 المواصفة القياسية رقم 477/2006 الخاصة بخفض نسبة الكبريت في البنزين الخالي من الرصاص إلى 100 جزء بالمليون، والمواصفة رقم 20001/2006 الخاصة بخفض نسبة الكبريت بالديزل إلى 500 جزء بالمليون. كما اهتمت الدولة بتطوير قطاع النقل الجماعي في السنوات الأخيرة، ولعل مبادرة (قطار دبي) هي أهم الخطوات التي اتخذت في هذا المجال.
وفي قطاع الطاقة اهتمت الدولة في السنوات الأخيرة اهتماماً خاصاً بالمصادر الطبيعية المتجددة لتوليد الطاقة. وقد تجلى ذلك في مجموعة من الخطوات أهمها مبادرة حكومة أبوظبي بإنشاء شركة طاقة المستقبل (مصدر) ينتظر أن تلعب دوراً هاماً في تعميم استخدام هذا النوع من الطاقة في المستقبل على الصعيد الوطني والعالمي. كما تم في السنوات الماضية إقامة محطة تجريبية لتوليد الطاقة بقوة الرياح في جزيرة صير بني ياس بأبوظبي لتقييم جدوى هذا النوع من المحطات.
واهتمت الدولة كذلك بتطوير البعد البيئي في قطاع الصناعة من خلال سن التشريعات والقوانين ومراقبة تنفيذها، والتركيز على تقييم التأثير البيئي، وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة في مختلف مراحل الإنتاج، وتشجيع المؤسسات التنموية، والصناعية على وجه الخصوص، لتبني نظم الإدارة البيئية الحديثة والمفاهيم البيئية كمفهوم الإنتاج الأنظف ونقل المناطق الصناعية إلى خارج المدن وتطوير المناطق القائمة وإنشاء مناطق صناعية جديدة وحديثة أخذت الاعتبارات البيئية في الحسبان.
ونتيجة للنهضة التنموية الشاملة التي شهدتها ولا تزال دولة الإمارات العربية المتحدة، خاصة في المجال الصناعي، برزت قضية إدارة المواد الخطرة والنفايات الخطرة. ولتلافي المخاطر والأضرار التي تنتج عن إدارة هذا النوع من المواد بصورة غير سليمة، اتخذت الجهات المعنية في الدولة جملة من الإجراءات على المستويين التشريعي والتنفيذي.
فعلى المستوى التشريعي جاء نظام تداول المواد الخطرة والنفايات الخطرة والنفايات الطبية الذي صدر بموجب قرار مجلس الوزراء الموقر رقم (37) لسنة 2001 ليضع الضوابط والإجراءات المناسبة لتنظيم عملية تداول هذا النوع من المواد، بالإضافة إلى العديد من التشريعات النظم الصادرة في الإمارات.
وواجه تطبيق هذا النظام بعض الصعوبات التي نجمت أساساً عن تفاوت في قدرات السلطات البيئية المختصة في الإمارات والجهات المعنية المكلفة بتنفيذه، نتج عنه فجوة في التطبيق. وبهدف تضييق هذه الفجوة، شكلت وزارة البيئة والمياه مؤخراً فريق عمل فني يعمل تحت إشراف لجنة التنسيق البيئي لوضع خطة عمل متكاملة لتطبيق النظام وإدارة المواد الخطرة بصورة سليمة.
أبوظبي ـ ماجدة ملاوي

