بعد رحلة عذاب طويلة مع المرض مات زوجها تاركاً لها ثلاث بنات وولدين، كان أكبرهم «ر» الذي ما كاد والده ان يترك الدنيا حتى أعلن هو أنه لن يستمر في المدرسة وأنه من الضروري أن يخرج إلى الحياة العملية ليساعد والدته في تربية اخوته الصغار إلا أن الأم رفضت ذلك فهي تعمل مدرسة في إحدى المدارس الحكومية ومرتبها ومعاش زوجها كافيان لأن يوفرا للأسرة حياة مستورة لكن «ر» أصر على ما في نفسه وترك المدرسة غير راغب في إكمال مشواره الدراسي والحقيقة هي أن «ر» ترك المدرسة لأنه كان فاشلاً في دراسته فوجد موت والده فرصة لإعلان رغبته في العمل ومساعدة والدته.

حاول «ر» ان يجد عملاً بشهادته الإعدادية إلا أنه لم يتمكن، عندها اقترحت عليه والدته أن يأخذ دورة كمبيوتر لعلها تفيده، وفعلا التحق «ر» بدورة كمبيوتر.

بعد ستة أشهر وجد عملا في إحدى الشركات، كان المبلغ الذي يتقاضاه «ر» بسيطا ولا يتناسب مع طموحاته لذا قرر أن يترك الشركة التي يعمل فيها ويبحث عن عمل آخر إلا أن كل الوظائف التي كانت أمامه كانت لا تعطيه المبلغ الذي يحلم به فهو يريد أن تكون لديه سيارة آخر موديل ومن الماركات الفخمة، ويريد هاتفا نقالاً من أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا كما أنه يريد أن يسافر ويقضي إجازة الصيف في الخارج كما يفعل أصدقاؤه.

وبالطبع يريد ان يسهر في الفنادق الفخمة لأنه من خلال تلك الفنادق يستطيع أن يتعرف على الفتيات، فأصدقاؤه يفعلون ذلك ويلتقون بفتيات ويسهرون معهن، فلماذا لا يفعل هو كذلك، لكن أصدقاءه يملكون المال وهو لا يملك، وهنا قرر أن يملك المال الذي يجعله يفعل ما يفعلون.

فهو ليس أقل شأناً منهم بل فيهم من هم لا يحملون إلا الشهادة الابتدائية، فما بالك به هو الذي يحمل الشهادة الإعدادية. في إحدى الليالي رجع «ر» إلى البيت متأخراً، انتظرته والدته على أحر من الجمر، فقد كانت خائفة عليه وعندما كانت تتصل بهاتفه النقال كان يأتيها الصوت يقول إنه مغلق.

جلست الأم بجانب ابنها «ر» لتقول له إن عريساً جاء ليطلب يد أختك الكبرى وعليك أن تكون حاضراً، فأنت الرجل الذي سيتحدث مع أهل العريس، كانت الأم تتحدث و«ر» سارحاً في عالم آخر، عالم ملؤه الأموال والسيارات الفارهة والفتيات الجميلات والسفر إلى البلاد البعيدة، حيث لا رقيب ولا حسيب.

وفجأة صرخت الأم في وجهه قائلة ألا تسمعني؟ عندها تنبه «ر» إلى أن أمه لا تزال معه تحدثه، فقال لها حددي مع أم العريس الموعد وأنا سأكون في انتظارهم، لم تمض أشهر حتى تزوجت الأخت الكبرى وكذلك الوسطى والصغرى ولم يبق في البيت سوى الأم وابنها «ر» وأخيه الأصغر منه الذي كان لا يزال في السادس الابتدائي، عندما تزوجت البنات أحست الأم بأن عبئاً قد ذهب عن كاهلها، فقد اطمأنت عليهن، خاصة وأن أزواج البنات كانوا من الشباب المستقيمين.

في يوم طلبت الأم من «ر» أن يحضر مقاولا كي يرمم البيت الشعبي الذي يسكنونه، فقال لها «ر» انه لا يملك النقود لذلك، فقالت الأم إن لديها ما يكفي لترميم البيت وتغيير أثاثه، فقد أصبح الأثاث بالياً والبيت قديماً، وهنا قال لها «ر» ما دامت لديك فلوس فلماذا لا تعطيني إياها حتى أبدأ التجارة؟ فقالت له الأم وما عساك أن تتاجر؟ فقال لها لقد قررت أن أذهب إلى تايوان وأحضر أجهزة كهربائية وأدوات مدرسية وأتاجر بها.

ترددت الأم في البداية قائلة له إنك لا تفهم في التجارة شيئاً وأخاف ان ضاع المبلغ الذي معنا ألا تستطيع ترميم البيت وتجديد الأثاث، لكن «ر» طمأن أمه بأنه قادر على أن يدير تجارة بالملايين وطلب منها ألا تقلق من هذه الناحية.

دفعت الأم بمبلغ كانت تحتفظ به في البنك إلى ابنها «ر» وبعد ثلاثة أيام من تسلمه المبلغ كان «ر» في طريقه إلى بانكوك لشراء الأدوات الكهربائية التي سيتاجر فيها.

بعد عشرين يوماً عاد «ر» وعندما سألته أمه عن البضاعة، أخبرها بأنه شحنها في البحر وانها ستصل بعد أسبوعين أو ثلاثة، وطلب منها مبلغاً إضافياً لإخراجها من الجمارك، فما كان من الأم إلا أن دفعت إليه بآخر ما لديها من مال وكانت في كل صلواتها تدعو له بالتوفيق في تجارته.

انقضت الأسابيع الثلاثة ولم تظهر البضاعة، وعندما كانت تسأل الأم عنها كان «ر» يقول لها إن الباخرة تأخرت في البحر وانها ستصل في يوم ما بعد شهر ونصف الشهر.

أحست الأم بأن ابنها لم يكن صادقاً معها وأنه لم يشتر بضاعة وأنه أضاع كل ما كان لديها من مال على بنات الهوى وهنا طالبته بإرجاع المبلغ الذي أخذه وإلا فإنها ستبلغ عنه الشرطة فوعدها «ر» بأنه سيفعل ذلك ولكن عليها أن تمهله بعض الشيء.

في أحد الأيام جاء رجل إلى البيت طالباً من أم «ر» أن يرى البيت الذي تسكن فيه ليتفقده وعندما سألت السيدة عن سبب طلبه قال لها بأن ابنها «ر» عرض البيت للبيع وأنه يرغب في شرائه.

هنا جن جنون السيدة وأخبرت الرجل بأنها هي صاحبة البيت وأنها لا تريد بيعه. في ساعة متأخر من الليل عاد «ر» فسألته أمه عن سبب تصرفه ورغبته في بيع البيت فقال لها بأنه أصبح قديماً فقالت له أمه بأن هذا البيت بيتها ولن تبيعه لأحد.

فقال لها «ر» بأنه يريد نصيبه من البيت الذي ورثه الجميع عن أبيه فما كان من الأم إلا أن صفعته على وجهه أحس «ر» بإهانة كبيرة فأخذ يد أمه ولواها إلى الخلف مما تسبب في كسرها ثم ترك البيت وسط صراخ الأم وآلامها.

اتصل الابن الصغير للسيدة بإحدى أخواته حيث جاءت هي وزوجها ونقلا السيدة إلى المستشفى وبعد أن تم تجبير يدها قدمت بلاغاً للشرطة تتهم فيه ابنها بأنه هو السبب في كسر يدها قامت الشرطة باعتقال «ر» وسجنه أربعة أيام على ذمة التحقيق لكن الأم تبقى هي الأم فقد ذهبت إلى مركز الشرطة وقدمت تنازلاً عن حقها فهي لا تريد لابنها الضرر.

خرج «ر» من السجن بعد أن كتب تعهداً بأنه لن يتعرض بالأذى إلى أمه لكنه ما كاد يصل إلى البيت حتى انقلب حاله رأساً على عقب وبدأ يصرخ في وجه أمه طالباً منها مبلغاً من المال فوراً، خافت الأم على نفسها فقامت بإعطائه ما طلب ثم خرج «ر» مسرعاً من البيت ولم يعد إليه إلا بعد أربع وعشرين ساعة.

شيء غامض في حياة «ر»

أحست الأم بأن هناك سراً وشيئاً غامضاً في حياة «ر» لذا قرت أن تصارحه بما يجول في خاطرها وأخيراً وبعد نقاش طويل وحاد اعترف لها بأنه مدمن على المخدرات وأنه أنفق كل ما أخذه منها على ذلك وأنه كذب عليها عندما قال لها بأنه ذهب إلى بانكوك ليتاجر فقد ذهب ليستمتع بالمخدرات.

وقعت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس الأم وقررت أن لا تعطيه فلساً واحداً بعد ذلك، في أحد الأيام عاد «ر» إلى البيت محبطاً لكن الشر كان يبدو واضحاً في عينيه فطلب من أمه أن تعطيه مالاً وعندما سألته لماذا يريده أخبرها صراحة بأنه يريد أن يشتري به مخدرات.

هنا أقسمت الأم بأنها لن تعطيه شيئاً قائلة له: كيف أعطيك مالاً لتغضب به وجه الله؟

فقال لها «ر» إذا لم تعطيني المال سأقتلك، فقالت له: اقتلني لكني لن أعطيك المال اقترب «ر» من أمه محاولاً أخذ مفتاح الخزنة بالقوة فقد كان المفتاح معلقاً بخيط في صدرها، لكن الأم دافعت عن المفتاح عندها بدأ «ر» ينفذ تهديده وبدلاً من أن يأخذ المفتاح أخذ يضغط على رقبتها محاولاً خنقها.

قاومت الأم فترة لكن مقاومتها خارت أمام قوة «ر» فقد أحست بأن روحها تخرج من جسدها. في هذه الأثناء أخذ «ر» المفتاح من صدر أمه وعمد إلى الخزنة وأخذ منها كل ما كان فيها من فلوس وقبل أن يخرج من البيت أفاقت أمه فأمسكت في ملابسه تحاول إيقافه ومنعه من أخذ مالها ومال ابنها اليتيم وعندما فشلت في ذلك قالت لـ «ر» سأذهب إلى الشرطة وأخبرهم بفعلتك هذه وعندها لن أتنازل عن شكواي أبداً فسأبلغ الشرطة بأنك حاولت قتلي وسرقت أموالي وأنك مدمن مخدرات.

عندما سمع «ر» كلام أمه أحس بأنها قد تعمد إلى إخبار الشرطة فعلاً لذا قرر أن يقتلها ويخرج هو من الموضوع سالماً غانماً دون أن يعرف أحد حقيقة أمره لذا عمد إلى إحضار اسطوانة الغاز ثم قام بفتحها كلياً ووضعها في باب الغرفة التي فيها أمه. ثم قال لها الآن سوف تموتين حرقاً، عندها لن تستطيعي أن تخبري أحداً.

بعد أن تأكد من أن كمية كبيرة من الغاز قد تسربت إلى الحجرة قام من بعيد برمي ولاعة مشتعلة ثم أغلق باب الغرفة وخرج وهو يضحك بصوت هستيري. بدأت النيران تأكل كل شيء وبدأت الأم تحس بأن حياتها في خطر فهي لا تكاد تقترب من الباب حتى تجد النار قد بدأت تلتهمه وكذلك فعلت بالستائر وبأثاث الغرفة.

بدأت المرأة تصرخ وتستغيث ولكن لا مجيب فارتمت على أرض الغرفة غير قادرة على التنفس حيث كان الدخان يملأ المكان ويمتد إلى بقية غرف المنزل. في هذه الأثناء شاهد بعض الجيران ما يحدث في بيت أم «ر» حيث هرعوا إلى هناك وبدأوا في إطفاء النار وحملوا المرأة وهي بين الحياة والموت ونقلوها إلى المستشفى.

أدخلت المرأة في غرفة العناية المركزة لأكثر من ثماني وأربعين ساعة حيث استعادت شيئاً من عافيتها وبدت قادرة على الكلام. حيث أخبرت ضابط الشرطة الذي حضر لأخذ أقوالها ما حدث من ابنها «ر». أثارت هذه القصة استياء الجميع خاصة وأن السيدة وابنها الصغير لم يعودا قادرين على السكن في البيت بعد أن وصلت النيران إلى سقفه وجعلته شبه آيل للسقوط، وهنا قام أهل الخير بترميم البيت فيما بدأت الشرطة بحثها عن «ر» لتقديمه إلى العدالة.

بعد نحو شهرين وقع «ر» في يد الشرطة وعندما وجهوا له تهمة قتل أمه أقسم بأنه لا يدري أنه فعل ذلك وانه إذا كان فعلها فقد كان تحت تأثير (البانجو) الذي يتعاطاه باستمرار.

تم حجز «ر» لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق وانقضت الأيام الأربعة لكن الأم في هذه المرة لم تأت لتتنازل عن حقها أحس «ر» بمدى الجرم الذي ارتكبه في حق أمه وتم تقديمه إلى المحاكمة حيث حكم عليه بالسجن ثماني سنوات.

انتظر «ر» في السجن شهراً وشهرين وثلاثة فلم يجد أحداً يسأل عنه ولا يزوره وبدأ يرجو إدارة السجن أن تتصل بأمه لأنه يريد أن يراها ويستسمحها عما بدر منه تجاهها، تلكأت إدارة السجن في ذلك وعندما بدأ «ر» يلح عليهم بأنه يريد أن يرى أمه أخبره الضابط المناوب أنها ماتت منذ شهرين، لم يصدق «ر» ما سمع فبدأ يركض في فناء السجن وهو يبكي وينادي.. أمي سامحيني يا أمي.. سامحيني يا أمي.

إعداد: أحمد سلطان