الثقافة الإسلامية تعيش حالة من الوهن البالغ نتيجة التقهقر الحضاري، الذي يعيشه العالم الإسلامي في الآونة الحالية، ذلك التراجع الذي ساهم بفاعلية في خلق هوة كبيرة بين الشمال والجنوب، وهذه الفجوة الحضارية جعلت ثقافة الغرب أكثر قدرة على اختراق الآخر الإسلامي، وبذلك باتت الثقافة الإسلامية في موقف لا تحسد عليه، فهي تتعرض للغزو الثقافي الغربي، ومن هنا كان من الضروري البحث عن آليات حماية لهذه الثقافة الإسلامية، والمتفق عليه أنه لمواجهة الغزو الثقافي في أي مجتمع لا يكون إلا بخلق سد منيع من ثقافة هذا البلد الذي يتعرض للغزو، هكذا يبدو جلياً أن الأدب الإسلامي ينتظر منه أن يقوى ليتولى الدور في هذا الأمر .

الأدب الإسلامي على حسب تعريف (رابطة العالم الإسلامي العالمية)، هو التعبير الفني عن الإنسان والحياة والكون وفق التصور الإسلامي، فهل حقاً يمكن أن يتولى هذا الكيان الثقافي الأصيل دوره ويعود ليدافع عن الثقافة الإسلامية رداً على كل دخيل ومصححاً لكل شبهة ومقوماً بدوره لكل معوج؟!

سؤال نطرحه على الأدباء المسلمين ممن عكفوا على الارتقاء بهذا الأدب، الذي يستمد من التصور الإسلامي للحياة كل مرادفاته وقيمه بل وتعبيراته أيضا في أحيان كثيرة.

يقول د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق: في ظل زيادة وتيرة الهجمات التي تمارس ضد البلدان الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وفي خضم الافتراءات والشبهات التي تثار حول الإسلام وثقافته التي تعلي السلام وقيمة العدل ومحاسنه، يأتي الأدب الإسلامي ليلعب دوره دور البطولة في الرد على كل هذه التجاوزات التي كثرت وزادت حدتها، ولذلك كله لابد أن تعيد رابطة الأدب الإسلامي العالمية حساباتها، رغبة منها في الوقوف على أكثر السبل المتاحة أمامها للعب دور أكثر إيجابية مما هي عليه الآن.

أدب هادف

ويرى د. هاشم أنه من الضروري أن يأتي الأدب الإسلامي في كل جزئياته هادفاً وساعياً وراء خدمة المصالح العربية والإسلامية، ليكون هذا الأدب رسالة قوية لكل من يريد الإضرار بالحق العربي والإسلامي، وعلى رأس هؤلاء تأتي إسرائيل التي تحتل الأراضي العربية، وتمارس العنف والدمار ضد أهل فلسطين ولبنان وسوريا، غير عابئة بالأعراف والمواثيق الدولية التي تحرم عليها ذلك، تلك الكيان الذي يعربد في الأرض بغير هدى، خاصة وأن الكلمة الظالمة أصبحت تساندها حتى تحولت الحقيقة إلى باطل، وانتشرت الخلاعة بشكل رهيب، ومن ثم نجحت إسرائيل في استقطاب بعض الدول الغربية عن طريق تطويع إعلامها وتوجيهه نحو الدول العربية وفلسطين.

ويوضح أن الأدب الإسلامي كوعاء إبداعي يعبر عن الإسلام وطموحاته وآلامه، يجب أن يرد خاصة في هذه الآونة التي سارت فيها التيارات العديدة والقضايا المختلفة، التي تستهدف في المقام الأول الإسلام والعرب بجانب نشر الرذيلة ومحاولة الابتعاد عن الفضيلة واتباع دعاوى زائفة تضر بالإسلام. ويضيف د.عمر هاشم: أن موقف بعض الكتاب العرب والمسلمين الذين رخصوا أقلامهم للخروج بها من دائرة العفة والفضيلة إلى دائرة الرذيلة، وأن هؤلاء الكتاب المسلمين انتشرت دواوينهم التي تبث الأدب المكشوف والمفضوح، مطالباً بضرورة إبراز المفهوم المتميز للأدب الإسلامي والرد على سائر الشبهات التي آثارها معارضو الأدب الإسلامي على أيدي المستشرقين وإنقاذ التراث من أيدي العابثين.

اللغة الأولى

أما د.عبد القدوس أبو صالح رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، فيرى أن رابطة الأدب الإسلامي العالمية انطلقت في مسيرتها الرشيدة محافظة على المبادئ، التي قامت عليها وساعية إلى الأهداف التي كانت تضعها نصب عينها، ومنها تعريف الأدب الإسلامي العالمي بأنه التعبير الفني عن الإنسان والحياة والكون وفق التصور الإسلامي، وتقدم مسيرة الأدب العربي الذي أصبح في بعض نصوصه على أيدي الدارسين والمستشرقين أدباً مزوراً ولا ينطلق من عقيدة الأمة وتراثها.

ويشير إلى أن رابطة الأدب الإسلامي العالمية أنجزت كثيرا من الأعمال التنفيذية، حيث أقامت الرابطة تسعة مكاتب إقليمية في كل من الأردن والمغرب العربي والسعودية ومصر والهند وبنجلاديش وتركيا وماليزيا وباكستان، وأنه من المنتظر أن يصدر مجلس أمناء الرابطة قراره بإقامة مكتب إقليمي للرابط في اليمن، موضحاً أن اللغة العربية هي لغة الأدب الإسلامي الأولى باعتبار أنها لغة القرآن الكريم، وأن الأدب الإسلامي يعتمد على الأدب العربي في التنظير، حيث يتضمن الأدب العربي في القديم والحديث على أكبر كم من نصوص الأدب الإسلامي المكتوب باللغة العربية.

ويرفض د.أبو صالح من جانبه مغالاة بعض النقاد الإسلاميين، الذين في حماسهم للغة وذهابهم إلى القول إن الأدب الإسلامي هو الأدب المكتوب باللغة العربية فقط، وعلى الأدباء الإسلاميين من غير العرب أن يتعلموا العربية ويبدعوا آدابهم بها، كما فعل أسلافهم في العصور السابقة، مؤكداً أن مذهب هؤلاء غير مقبول إنسانياً ظلماً للأدباء الإسلاميين من غير العرب.

وعن رأيه في شعر التفعيلة يقول: إننا نرفض الفوضى في شعر التفعيلة، والتي تأتي نتيجة للخلط بين التفعيلات العروضية ومجرد رص كلمات دون أي نظام أو تنسيق، بجانب ذلك فإن رابطة الأدب الإسلامي العالمية ترفض أيضا أي دعوة مشبوهة للنيل من الشعر العمودي، الذي فيه شواهد اللغة وتفسير القرآن الكريم، ومع ذلك يبقى شعر التفعيلة ضرباً من التجديد في موسيقى الشعر وتنويع القوافي.

الشخصية الإسلامية

ومن جهتها تقول د.مكارم محمود الديري أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأزهر: إن الأدب الإسلامي وليد الشخصية الإسلامية، التي صاغها الإسلام في أبنائه من قيم إنسانية وأخلاقية، تؤمن بالله الأوحد وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ومعلماً للبشرية جمعاء، وإنه ليس من الأدب الإسلامي ما يدعو إلى باطل أو فساد، وهو لا يقف عند حدود الوعظ المباشر، لأن ذلك يحد من تجربة الأديب ويحصره في دائرة ضيقة من التعبير.

فيأتي خالياً من صدق الشعور وجمال الإحساس الفني والذوق بل هو ينطلق من إرادة واعية مؤمنة غير منحرفة، وأن الأدب الإسلامي يستمد مقوماته من خلال تلك المنظومة الفكرية التي أفرزتها الحضارة الإسلامية من خلال قيمه وتعاليمه وتوجهاته، ومن خلال ما أفرزته عقول أبنائه من معارف إنسانية وعقلية وفق التصور الإسلامي الصحيح والأديب المسلم إنسان يعبر عن قيم الحضارة الإسلامية، ومعزز لدورها في تبليغ رسالة الإسلام من خلال تهذيب السلوك وترقية العواطف وتشكيل وجدان الأمة وترقية ذوقها وفكرها.

ويشير إلى أنه إذا كانت الكلمة تلعب دوراً خطيراً في تشكيل وجدان الأمم والشعوب، فإن الحاجة كبيرة إلى الأديب المسلم ليقوم بهذا الدور لبعث الوعي الإسلامي حتى تنهض الأمة، وتقوم بدورها الحضاري الرائد في بناء الحياة الإنسانية، موضحاً أن الكلمة أمانة لدى الدعاة والأدباء والمفكرين ولها إشعاعاتها وتأثيرها الإيجابي أو السلبي على الأمة فأين لنا بهذا لأديب، الذي يدرك أمانة الكلمة وعظمة الرسالة، وأضافت أن رسالة الأدب قد تراجعت مع إيمان العديد من الأدباء بأن الفن للفن، وانحصرت أعمالهم في مخاطبة الغرائز والتطاول على القيم وأصبحت غايتها الإمتاع والإثارة وتراجعت رسالتهم عن تهذيب المشاعر وترقية العواطف وتوجيه الإرادة بزعم أنها ترتبط بالمنفعة.

وتؤكد أن الأديب يؤثر في المجتمع بفنه ويتأثر به وأن التكوين الفكري والوجداني للأديب له دوره غير المباشر في الإبداع والخلق الفني، ذلك أن الإبداع في جوهره خبرة من نوع خاص ممتزجة ببهجة الأديب ومشاعره، ومن هنا تأتي أهمية دراسة أثر المجتمع في تشكيل قيمة الأديب، حيث كان المجتمع الإسلامي منذ عهد النبوة حارساً لقيم الأديب المسلم وتصوراته وأصبح ارتباطه بالقيم الإسلامية أصيلا ومتأصلا في وجدانه لأن الإسلام ساهم في تشكيل فكره ووجدانه وروحه وهذب غرائزه وميوله وعواطفه.

إنقاذ التراث

ويرى د.الحافظ فضل الرحيم رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية بباكستان أنه لا يختلف اثنان أن الأدب له دوره المهم باعتباره وسيلة فعالة ومؤثرة في تكون العقل الإنساني وبناء السيرة الاجتماعية للإنسان، وأنه لا يخفى علينا جميعا ما تدعيه بعض المدارس الأدبية، مثل: الأدب الاشتراكي والأدب التقدمي والثوري فإن الأدب الإسلامي هو منبع التأثير الحقيقي الذي يؤثر في تكوين الأخلاق الرقيقة. ويضيف: إن الإسلام لا يختص ببلد دون آخر ولا بعصر دون عصر، ومن ذلك فإنه يتطلب من رواد الأدب الإسلامي أن يبحثوا عن كنوز الأدب الإسلامي الدفينة، ويعملوا على استخراجها وتقديمها إلى العالم ليتعرفوا على هذا الإبداع الراقي.

ويطالب بضرورة العودة إلى قراءة ما كتبه الأجداد، والتفكير ملياً في كيفية التقدم في هذا الميدان الفسيح ونشر المبادئ الطيبة في مواجهة التحديات الحديثة، سواء أكانت شرقية أو غربية، بالإضافة إلى ضرورة مواجهة ظاهرة الإباحية في الأدب وزيادة عقد الندوات في مختلف البلاد من أجل مزيد من التقارب والاحتكاك المباشر.

ويشير د.عبد المنعم يونس إلى أن لمصر دورا رائدا في طرح الأفكار الأدبية الإسلامية، وأن الذي يقرأ الأدب في مصر الفاطمية ومصر الأيوبية يجد أنها كانت تفوح بشذا الآداب المختلفة المستمدة من بستان الإسلام. ويشدد على ضرورة التكاتف بين أبناء الثقافة الإسلامية من الكتاب والأدباء والشعراء للنهوض بهذا الأدب العالمي، الذي يعد خير معبر عن الإنسان والحياة والكون وفقاً للتصور الإسلامي، إضافة إلى السعي قدما لإنقاذ التراث الأدبي الإسلامي من أيدي العابثين والمتآمرين، الذين قضى كل واحد منهم يخضع نصوص التراث ليكون تبعاً لما تسول له نفسه أو يخدم به مآربه.

إسلامية الفكرة

ويؤكد د.أحمد محمد على حنطور عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية أن الخلفاء الراشدين كان لهم دور كبير في ميدان الأدب الإسلامي، وأن هذا الدور لم يكن يقف عند حد نتاجهم الأدبي، وإنما يتخطاه إلى نظرتهم التقدمية في تقديم الأدب وموقفهم في الشعراء الخارجين عن المنهج الإسلامي في الشعر والالتزام بضوابطه، مشيراً إلى أهمية اقتفاء نهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الخطب والرسائل وأسرار العبير القرآني وطرق أداء المعاني في الذكر الحكيم والإفادة منها من التنظير للأدب الإسلامي القويم.

كما أن النقد الأدبي معني دائماً بوضع القواعد الكلية لطبيعة الأدب والمعايير الفنية لعناصره والقيم البلاغية لظواهره، والمفاهيم الأدبية لقضاياه وأنه يترك للأديب حرية المزاوجة بين قدرته على الإبداع ومراعاة قواعد الفن في أدبه حتى يتسنى له الدخول في الفن الأدبي الرحب الجميل. ويوضح أنه فيما يتعلق بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أدبه الشريف في قيمته الفنية والمعنوية يجعل منه خير زاد على التنظير لهذا الأدب الإسلامي الذي نهفو إليه، ونحن نوقن أننا لم نبتعد عن التسديد فيما ذهبنا إليه تجاه أدبه الشريف، وإلا كيف نذهب إلى أن الرسول بلغ القيمة في البلاغة الإنسانية، وإن كان أفصح العرب لساناً وأوضحهم بياناً، ثم لا نسلم به منظراً أدبياً لهذه البلاغة وواضعا عملياً لطرائق القول الأدبية.

القاهرة ـ رمضان أبو إسماعيل