إن مما يجب التذكير به والتنبيه له أن معجزات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كانت كلها أموراً خارقة للعادة يقدر عليها الخالق ولا يقدر عليها الخلق فليس في استطاعة أي إنسان مهما أوتي من قوة ومهما أوتي من علم أن يصنع معجزة من تلك المعجزات على صورتها التي ظهرت فيها حين ظهرت لأنها صنع الرحمن ولا دخل فيها للإنسان.
والفرق كبير بينها وبين المخترعات التي يتوصل إليها الناس في العصور المختلفة، لأن المخترعات بمجرد أن يعرف سرها، يستطيع كل ذي خبرة أن يصنع الشيء الكثير منها. أما المعجزات فلا يقدر على صنعها من الناس أحد.
والفرق بين معجزات الرسل والمخترعات فمثلاً سيدنا داود عليه السلام وقد كان من معجزاته أنه إذا سبح بحمد الله، رددت الجبال تسبيحه، وقالت مثل ما يقول، بلغة واضحة مسموعة يدل على ذلك قول الله تعالى: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . والطير محشورة كل له أواب).
وقوله تعالى: (ولقد أتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه والطير). ومما لا شك فيه أن الجبال لم تكن بها أصوات مسجلة ولا أجهزة تدار بالكهرباء لأن الكهرباء لم تعرف إلا منذ وقت قريب فالجبال إذن بقدرة الله نطقت وبقدرة الله سبحت أنطقها الله الذي أنطق كل شيء.
ومثل هذا يقال في بساط الريح الذي كان يستخدمه سيدنا سليمان عليه السلام في التنقل بين أقطار الأرض كما جاء في تفسير الحافظ ابن كثير فيما قاله ابن أبي حاتم وذكر عن سفيان بن عيينة عن أبى سنان عن سعيد بن جبير وفيما قاله عبد الله بن عبيد بن عمير والحسن البصري رحمهم الله جميعاً فهذا البساط لا تضارعه الطائرة لأن الطائرة لا بد لها من محركات ولابد لها من قائد ولا بد لها من وقود يتخذ من المواد البترولية أما بساط سليمان فلم يكن بحاجة إلى محركات ولا قائد ولا وقود إنه كان بقدرة الله يسير وبقدرة الله يتنقل وبقدرة الله يطير وكان الله على كل شيء مقتدراً.
ومن عجيب ما حدث أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يوماً يخطب على منبر المدينة فرأى بعين بصيرته قائد جيوش المسلمين في أقصى بلاد فارس ورآه في حاجة إلى نصيحة فأخذ يناديه: يا سارية: الجبل الجبل فسمع سارية نداءه وعرف الصوت فتحرز بجنوده إلى الجبل وبفضل هذه النصيحة كسب المعركة وبطبيعة الحال لم يكن مع الخليفة عمر جهاز إرسال ولا كان مع القائد سارية جهاز استقبال إنما حدث ما حدث بقدرة الله. التي هي فوق كل قدرة.
وليست هذه معجزة إنما هي كرامة لأن الخليفة عمر لم يكن نبياً وإنما كان صاحب نبي.
ولعل أعجب حادث خارق للعادة هو معراج نبينا صلى الله عليه وسلم الذي ارتقى به إلى ما فوق القمر. وما فوق الكواكب وما فوق الشمس ارتقى به إلى السماء بل إلى السموات السبع وما وراء السموات السبع ثم عاد ليلاً إلى حيث كان نائماً في بيت قريب من الكعبة. وواضح أن معراج الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحمله إلى الفضاء صاروخ موجه وإنما حملته قدرة الله التي لا يستعصي عليها شيء ولم يستغرق الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلته السماوية إلا ساعات قليلة من الليل بينما الصاروخ يقولون عنه إنه يقطع المسافة بين الأرض ومنطقة القمر في ست وثلاثين ساعة.
فنحن نعلم أن هذه المخترعات لها قيمتها ولها آثارها ولها منافعها ولها أيضاً دلالتها على نبوغ أصحابها وسعة خبرتهم وحدة ذكائهم.
ومما يجب التنبيه له أيضاً أن الإنسان على فرض أنه يستطيع في الحاضر أو في المستقبل أن يصل إلى بعض الكواكب فلن يكون هو المخلوق الوحيد الذي تمكن من ذلك فإن الجن خلق من خلق الله وقد حدثنا الله عن اقترابهم من السماء وحكى لنا في القرآن قولهم: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديداً وشهباً. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً) وقدرة الجن على الاقتراب من السماء لا تخرجهم عن كونهم عبيداً لله يقهرهم سلطانه وتسيرهم مشيئته ويخيفهم ذكر أسمائه.
ثم اننا نؤمن بأن الملائكة الكرام يهبطون إلى الأرض في سهولة ويسر وهذه المقدرة التي أعطاهم الله إياها لم تزدهم إلا خضوعاً له وخشية منه فهم له خاشعون (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون).
فليس من حق الإنسان أن يغتر أو يفاخر بما أحرز من تقدم في أية ناحية من النواحي خصوصاً أن لا يحرز تقدماً إلا بتعليم من الله الذي قال في كتابه: (وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم).
رجاء علي