قصة هذه السيدة الكريمة هي قصة الصبر الجميل والاستسلام لقضاء الله وقدره والرضا بكل ما يحكم به سبحانه وتعالى وهي قصة التضحية من أجل دين الله وإعلاء شأن كلمته وهي كذلك قصة الحب لهذا الدين ورب هذا الدين والذي بُعث بهذا الدين.

هي، ذات الهجرتين وشريفة الأبوين، وأول النورين لزوجها الخليفة الثالث «عثمان بن عفان» رضي الله عنهما.

إنها السيدة «رقية بنت محمد» ابنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من سيدتنا الفاضلة أول أمهات المؤمنين السيدة «خديجة بنت خويلد» وهى الثانية في ترتيبها بعد أختها الكبرى السيدة «زينب» رضي الله عنهم جميعاً.

وللسيدة رقية مثلها مثل باقي أخواتها خلق جميل وصبر أيضاً جميل فهي رضوان الله عليها مرت بظروف قاسية ومحن كثيرة اجتازتها جميعاً بصبر جميل لا شكوى فيه ولا اعتراض.... وهكذا هي شيم الأنبياء والمرسلين وأولياء الله الصالحين كمثل صبر سيدنا يعقوب الذي قال عندما علم بغياب ابنه يوسف: «فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون» سورة يوسف آية 18.

عاشت السيدة «رقية» في كنف والديها عيشة رغدة هنيئة تحيطها المحبة والرعاية من والديها.

وتقدم لخطبتها في ذلك الوقت «عتبة» أحد أبناء العم «عبد العزى» الملقب بأبي لهب وهو عم الرسول، وقد كانت هي المرشحة لعتبة ابن أم جميل زوجة أبو لهب وأم ولديه، والتي عُرف عنها قسوة القلب، وشراسة الطبع، وفوق كل ذلك حدة اللسان....!

وتمت المراسم لهذا الزواج. ولكن ما لبث الأمر أن تغير..

فقد جاءت الرسالة إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبدأ الوحي يبشره بأنه نبي هذه الأمة وبدأ الخبر ينتشر في أنحاء قريش.. وما لبثت العداوات أن توالت على نبينا الكريم من هنا وهناك وطاشت العقول لمحاربة هذا الدين الجديد.. فما إن سمع أبو لهب وزوجته بهذا الأمر حتى اتفقا أن يوجها إلى ابن أخيهم ضربة قاسية وقالت قريش: «إنكم فرغتم محمداً من همه، فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن»!

فطلقت السيدة رقية من ابن عمة أبيها وزوجها عتبة !

وفى بيت السيدة خديجة احتملت رقية همومها في صمت وصبر، وخاب ظن حمالة الحطب وأبى لهب وظن المشركين من قريش فلم يُشغل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بابنته عن دعوته، لم يشق عليه طلاقها، فقد نجاها الله من محنة العيش مع ابن حمالة الحطب، بل كانت عضداً وسنداً لأبيها تسجد معه لله الواحد وتتعلم ما يتلى في بيتها من قرآن، وتشد من أزره وتحيطه مع أمها خديجة بالحب والرعاية التي تعوضه عما يلقاه من إيذاء لنصرة هذا الدين.

وقد يبين لنا هذا الموقف أهمية اللجوء إلى الله عند الشدائد والاستعانة به وحده سبحانه وتعالى...أليس هو القائل «ادعوني أستجب لكم».

وما لبث الله سبحانه وتعالى أن عوض الابنة الكبرى «رقية» بالزوج الصالح الكريم من النفر الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة «عثمان بن عفان» «رضي الله عنه وأرضاه» وقد أعز الله سبحانه وتعالى سيدنا عثمان في الجاهلية فكان من أعرق فتيان قريش نسباً، يلتقي مع رسول الله من جهة الأب عند عبد مناف بن قصي، ومن ناحية الأم عند عبدالمطلب بن هاشم.

وكان عثمان إلى هذا النسب العريق، بهي الطلعة، فخم السمت، موفور المال، رضي الخلق.

تقدم عثمان إلى رسول الله يسأله شرف المصاهرة، فزوجه صلى الله عليه وسلم ابنته رقية.

كان سيدنا عثمان ومعه السيدة رقية أول من هاجر إلى الحبشة والدموع تغالبهما على فراق الأرض والأهل والأحباب. ولما رآهما صلى الله عليه وسلم قال عن زوج ابنته أول من يهاجر بأهله بعد لوط عليه السلام.

عاشت السيدة رُقية في الحبشة سنيناً ذاقت فيها طعم الحنين إلى الأهل والأرض ولم يخفف عنها ما كانت فيه إلا حنان وحب زوجها لها ووجود بعض الأقارب الأقربين معها في الحبشة الذين لم يزد عددهم على ثمانين نفراً.

وقد رزقت السيدة رقية بمولود ذكر أسمته «عبدالله» ثم ما لبث أن سرت أخبار أن قريش قد عادت إلى رشدها وآمنت بربها فنزل نفر من المسلمين إلى مكة كان من بينهم سيدنا عثمان ومعه ابنة رسول الله سيدتنا رقية رضي الله عنها وعن زوجها.

عادت السيدة رقية إلى مكة مرة أخرى ولكنها في هذه المرة لم تجد أغلى الناس لديها وأقربهم إلى قلبها، جاءت ولم تجد أمها الحبيبة «خديجة» اعتصر الألم قلبها وزادت لوعتها على فراق أمها دون أن تودعها.... لكن كعادتها ودأبها صبرت واحتملت واحتسبت أمها عند ربها على الرغم من ان الدموع لم تفارق عيناها، ولم يخفف عنها إلا حضن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي آوت إلى صدره الرحب الكريم وثابت إلى السكينة والصبر.

لم يطل المقام بمكة بعد ذلك حيث هاجر المسلمون إلى المدينة وهاجرت معهم أسرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعهم السيدة رقية التي هاجرت بصحبة زوجها وهى بذلك تكون صاحبة الهجرتين الأولى من مكة إلى الحبشة والثانية من مكة إلى المدينة. لم تمر فترة قصيرة إلا ومرضت السيدة رقية بالحمى وقيل بالحصبة وبدأ المرض يشتد عليها في نفس الوقت الذي كان ينادى فيه داعي النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد ويستنفر المهاجرين والأنصار لملاقاة عدوهم في بدر.

وأراد سيدنا عثمان أن يلبى نداء الداعي إلى الجهاد إلا أن قلبه لم يطاوعه على فراق زوجته الحبيبة التي كانت تعالج ما يشبه سكرات الموت فتخلف عن شهود موقعة بدر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وراح يشهد معركة الموت في أعز من له! ويا له من موقف عسير حُزن في يوم النصر..! جاء الرسول إلى المدينة بعد الانتصار على المشركين وإذ به يجد ابنته رُقية قد فارقت الحياة يودعها بقلبه ولسان حاله يقول: «قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير وأبقى» سورة النساء آيه 77.

«لم تكن حياة السيدة رقية حياة ملؤها الرفاهية والسعادة بل كانت سلسلة من الاختبارات والابتلاءات قابلتها بالصبر والاستسلام لقضاء الله وقدره مؤمنة بأن الله لن يضيع أجر من أحسن عملاً».

إعداد: جيهان محمود