قال الشيخ: كلما أراد أحد أن يتشدق بدعوته إلى تحرير المرأة وبأنه من المنتمين إلى قضيتها بدأ حديثه بعبارة أن المرأة نصف المجتمع، ونسي وينسى الآخرون ما أعلنه الرسول الكريم منذ ألف وخمسمائة عام من أن النساء شقائق الرجال، وهل مثل الشقيق في المساواة في الحقوق والواجبات، مع أن المساواة لا تعني بالضرورة المماثلة والمطابقة.
وأنني أزعم أن أكثر الحركات النسوية العربية التي نقلت عن الغرب وجعلته إمامها أساءت أكثر مما أحسنت وأضرت أكثر مما نفعت ويكفي أنها صورت الحياة على أنها صراع بين الذكورة والأنوثة وأملت على النساء أنهن لا يحصلن على حقوقهن إلا بمغالبة الرجال والغلبة عليهم.
ومن مخالطتي بالرجال رأيت أن كثيراً من أشكال سوء الفهم قد انتشرت وشاعت في أسرنا حتى أنني أزعم أن هذه الأشكال تكاد أن تكون قنابل قابلة للانفجار تدك أركان الأسر في أية لحظة من لحظات الغفلة، وقد شعرت بضرورة الوقوف الصريح عند هذه المفاهيم المغلوطة محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من عوامل استقرار وتماسك الأسر العربية والمسلمة قبل أن يجرف السيل كل شيء ويغرق الجميع.
إن الحق سبحانه وتعالى وصف العلاقة الزوجية بأنها علاقة سكن ومودة ورحمة وهي معان جميلة تحتاج إلى تصحيح المفاهيم عند كل من الرجل والمرأة حتى تقوم وتدوم. ومن أهم هذه المفاهيم وحدة الحال والأهداف والانجازات المرجوة عند كل من الزوج والزوجة دون أن يشعر أي منهما بأنه يعيش حياته الخاصة ويسعى إلى تحقيق أهدافه الخاصة خارج الأهداف العامة والمشتركة وخارج المصير الواحد المرجو للأسرة بكاملها.
ولكن نفراً من دعاة تحرير المرأة راح يوسوس في آذان النساء وصدورهن، بأن لهن الحق بأن تكون لهن حياتهن الخاصة وإنجازاتهن الخاصة بمعزل عن صالح الأسرة وأحياناً على حسابها، مدعين أن هذا الميل الأناني المنحرف هو وحده الكفيل بحماية المرأة من غدر الرجل أو سلطته الغاشمة الظالمة مما أطلق عليه في أدبياتهم بالسلطة الذكورية.
ونحن لسنا ضد أن تعمل المرأة على بناء ذاتها واكتسابها معارف ومهارات تساهم في إرساء أركان عيشٍ هنية وسوية للأسرة والمجتمع، وتحمي المرأة من «بعض» الذكور ممن لم يفهموا فقه القوامة والذي يعني حسن العشرة والقيام بكل ما يحقق حاجات الأسرة ويحميها، ولكن الأمر زاد عن حده وتحول كل «رجل» إلى ظالم محتمل وإلى غادر منتظر، وصار هم كل امرأة أن تقي نفسها من أخطار زوجها التي صارت جزءاً بشعا من هواجسها.
والعلاقة الزوجية بطبيعتها علاقة حب وأنسٍ وود لا تصلح لأن تكون ميدان مبارزة أو مناورة أو حسابات مبالغا فيها للأخطار المحتملة، فهل يمكن للحب أن يعيش مع الخوف، وللأنس أن يعيش مع الحرص، وللود أن يعيش مع الحذر، وهل يمكن لاتحاد الأجساد والقلوب والأرواح أن يستمر مع التوجس وتوقع الأسوأ.
لقد أريد لهذه المشاعر السلبية أن تكرس في عقول النساء كخطوة نحو تشتيت الجهود وتمزيق الأواصر وانطلاق المرأة نحو كل ما يحقق كيانها ويعزز مركزها ويحمي مستقبلها خارج نطاق الأسرة. التي أفهمت بطريقة أو أخرى أنها أسرة من أملاك الزوج «الرجل» وأن عليها أن تسعى لتحرر نفسها من هذه الملكية الغاشمة، ولا تستغربوا من هذا الحديث فهو ما امتلأت به أدبيات الحركات النسوية وعبر عنه في الأدب والفن والروايات والقصص والأفلام والمسلسلات حتى تحول الخوف من الرجال أو كما يسميه علماء النفس الخواف من الرجال -كتعبير عن خوف مرضي- إلى ظاهرة شائعة وعامة بين النساء.
إننا أولاً نقول أن الذكورة ليست شراً مطلقاً، وأن الرجال ليسوا جميعاً من الخونة والغادرين والطاعنين في الظهر، وأن منهم الأب والأخ والزوج والابن وعطاء هؤلاء جميعاً وإخلاصهم ليس موضع شك، وأن القلة الشاذة لا تفسد أمر الكثرة السوية والخيرة، ولولا هذه الحقائق لهدمت البيوت ولما بقي أسرة واحدة على الأرض.
ثم إننا ثانياً نقول إن الظلم والحيف والغدر ما هو إلا نتيجة البعد عن فهم المقاصد الكلية للاستلام وفقه القوامة التي حمل الحق عز وجل بها الرجال مسؤوليات الانفاق والرعاية والحماية للزوجة والأولاد مما تنوء تحت ثقله أقوى النساء، وأن الخير في تنشئة كل من الرجال والنساء على احترام قيم السكن والمودة والرحمة لا في النفث في صدور النساء بمخاوف وهواجس ومشاعر مهددة لأمن الأسرة وأمن المرأة الداخلي.
إن كل«علاقة» تصلح لأن تكون ميداناً للحسابات الحريصة إلا الزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة في الأسرة السوية، إذ لا تفعل مثل هذه الحسابات إلا أنها تفسد صفاء المحبة وتجعل الأسرة قائمة على أركان هشة.
ماهر سقا أميني