د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري أحد مفكري الإسلام الذين اقتربوا من الغرب وتعايشوا معه وتعرفوا على سلوكياته، وبإصرار استطاع أن يقود جيلاً من قادة الفكر الإسلامي للتأهيل لمنهج فكري يقوم على ضرورة التحاور مع الآخر بعيداً عن كل تعصب فكري، وهم في ذلك تحصنوا بالاستيعاب الموضوعي لمبادئ وقيم الإسلام المتجددة والقادرة على الإيفاء بمتطلبات كل العصور.

«وكالة الصحافة العربية» التقته في حوار هادئ يخلو من الصدام، فأكد أن المرشدات الدينيات اللاتي بدأت وزارة الأوقاف المصرية الاستعانة بهن في سبيل الوصول إلى كل مسلم ومسلمة بمبادئ وقيم الفكر الإسلامي، بتن ضرورة ملحة في ظل تنامي وسائل الإعلام التي تروج للفكر المتشدد والمتطرف.

وأشار إلى أن الصحوة الإسلامية التي يشهدها العالم في هذه الآونة هي يقظة جديدة تشهدها معظم البلدان الإسلامية، موضحاً أن هذه الصحوة لا تزال بحاجة إلى المزيد نظراً لأنها ليست مكتملة بعد، لأنها تضع نقاط تركيزها في بعض المواقع دون غيرها.

ـ لا دعوة بدون دعاة.. فكيف يمكن إعداد الدعاة بالشكل الملائم والمناسب للتعريف بالأمة الإسلامية والقضية الإسلامية؟

ـ «وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون»، هذه الطائفة التي حدثنا عنها القرآن الكريم لا يجوز لها أن تمارس هذا العمل الدعوي، إلا إذا توافر فيها الشرط المنصوص عليه في الآية الكريمة وهو التفقه في الدين أولاً،

وبالتالي فليس هناك مجال لأنصاف المتعلمين ولا الجهلة الذين يدخلون مجال الدعوة الإسلامية وهم غير مؤهلين لها، وإعداد الدعاة يقتضي شيئين أساسيين، أولهما أن يكون الداعية على علم كاف بالقضايا الإسلامية، وأن يكون حافظاً للقرآن الكريم متمكنا من العلوم الإسلامية، بالإضافة إلى هذا على الداعية أن يكون على وعي كامل بقضايا العصر ومشكلات المجتمع، ومدركاً للأولويات التي يضعها نصب عينيه عندما يتوجه بالحديث فيها، كما ينبغي على الداعية أن يقوم بتبصير المسلمين بواجباتهم تجاه شؤون دينهم ودنياهم، حتى نستطيع أن نخدم ديننا وأوطاننا.

الرسول القدوة

ـفي رأيك.. ما المنهج الذي ينبغي أن يتبعه الداعية في دعوته إلى الإسلام؟

ـ وضع القرآن الكريم منهجاً واضحاً للدعاة، فيقول الله تعالي «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» فليس هناك غلظة ولا فظاظة ولا تجهم، ولكن ينبغي أن يكون هناك لين ورفق ورحمة، لأن الدين جاء للناس رحمة إذ يقول الله سبحانه وتعالي «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» والله سبحانه وتعالى حين أرسل موسى وهارون إلى فرعون وكان فرعون يقول: أنا ربكم الأعلى،

وكان طاغية لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه ومع ذلك يقول الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون، «فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشي»، ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً الدعاة «وقولوا للناس حسنا». وكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيما بقومه رؤوفا بهم، ولذلك امتدحه القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى «فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك»

وقال الله سبحانه وتعالى «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم» ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الداعية الأول الذي ينبغي على الدعاة أن يتبعوا سبيله في الدعوة إلى الله كان يقول «تبسمك في وجه أخيك صدقة» وعلى كل هذا فإن طريق توصيل الدعوة إلى الناس ينبغي أن يكون مبنياً على العلم والرحمة والرفق بالناس.

ـ في ظل التحديات الكثيرة التي تواجهها الأمة الإسلامية.. كيف ترون سبل مواجهتها؟

ـ يجب في البداية أن يكون لدى المسلمين وحدة في الصف وأن تجتمع الأمة الإسلامية على كلمة سواء، حتى يمكن لكافة المسلمين مواجهة التحديات التي تواجههم وهي تحديات كبيرة وكثيرة ومتنوعة.. ويمكن للمؤسسات الإسلامية أن تلعب دوراً مثل منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم الدول الإسلامية كافة، ومع ذلك فأرى أن العلاقات بين الدول الإسلامية لا تزال تحتاج إلى دفعة قوية وتنشيط، لأننا نعيش في العصر الذي يطلق عليه عصر التكتلات، والمسلمون ليسوا أقل من الأوروبيين الذين فرقت بينهم الحروب العالمية والمنازعات واختلاف اللغات..

ومع ذلك وجدوا سبيلا إلى التعاون فيما بينهم، ولذا فالأولى أن يكون للمسلمين التضامن والاعتصام بحبل الله المتين، والعمل على أن يستعيدوا قوتهم حتى يتحقق لهم النجاح في مواجهة التحديات، وأكثر ما يحتاج إليه المسلمون هو أن تتكاتف جهودهم على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالإضافة إلى الدينية، وعليهم التضامن بكافة أشكاله وصوره، وهناك من القضايا التي لا يمكن حلها إلا إذا وجد العالم المسلمين صفا واحدا، وعلى رأس هذه القضايا قضية تحرير مدينة القدس «المحتلة».

ـ ماذا تقول لمن يشككون في صلاحية الإسلام للحياة في هذا العصر؟

ـ الإسلام دين للحياة، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم «هو الذين أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها» يعني طلب منا عمارة الأرض، بمعنى أنه إذا ما كان الله قد طلب منا عمارة الأرض فهذا واجب ديني، وعمارة الأرض لن تكون إلا بالعلم والعمل والبحث العلمي وكل الوسائل التي تساعد على النهوض في المجتمع،

فليس هناك مانع بين ديننا وتعمير الأرض، فديننا بذلك يقود حركة الحياة أما بالنسبة لقول البعض بأن ديننا لا يملك نظرية للحكم، فالقضية أن الإسلام فيه أشياء أساسية قررها حتى يسير المسلمون على ضوئها من مبادئ وفيه أشياء تركها للمسلمين، وهذا يعني أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وإن لم يكن كذلك يبق فيه جمود.

شبهات وردود

ـوماذا بشأن الادعاء بأن الإسلام انتشر بحد السيف؟

ـ القول بأن الإسلام انتشر بحد السيف غير صحيح على الإطلاق، وكمثال على ذلك أن الإسلام في جنوب شرق آسيا وفي غرب أفريقيا انتشر بصورة كبيرة جداً، ولم يدخل هذه البلاد جندي مسلم واحد، بل عن طريق التجار المسلمين وطريق المتصوفة المسلمين، أي أن الإسلام انتشر بنفسه دون سيف.. كما أن الفتوحات الإسلامية لم يكن الغرض منها إجبار الناس على اعتناق الدين الإسلامي.

ـ وما ردك على من يدعون صعوبة التطبيق البشري للشريعة الإسلامية؟

ـ الإسلام فيه قواعد ومبادئ مقررة في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الصحيحة، وهذه الأشياء تطبق عن طريق البشر ولاشك في ذلك، مثل أي قوانين في الدنيا تطبق عن طريق البشر، وبالتالي فالخطأ والصواب ليس راجعاً للمبادئ، ولكن يؤخذ على المسلمين أنفسهم، فعندما أخطئ كمسلم لا يجوز أن أحمل الإسلام تبعية ذلك.. الإسلام يريد أن يطبق مبادئه أهل الذكر يعني أهل العلم، وهم أهل الاختصاص والخبرة، وأهل الدين ليس لهم خبرة لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولاشيء من هذا القبيل، فلابد أن يطبق كل هذا رجال الخبرة وليس رجال الدين.

ـ كيف يتعامل الإسلام مع المرأة؟

ـ الإسلام يكرم المرأة ويقوي من موقعها ويقف بجانبها ويساندها، فالمرأة ينفق عليها إما والدها أو زوجها أو أخوها إن لم يكن لها أحد، وإما أقرب الأقربين إليها إذا كانت من ذوي الأرحام، ولم يكن لها أحد، وهي عندما تتزوج مالها كله لها، وإذا كانت تعمل مرتبها لها وحدها وزوجها هو المكلف بكل شيء.

ـ ماذا تقول لمن يزاوجون بين التخلف والإسلام؟

ـ هل نسي هؤلاء التاريخ؟! فالمسلمون استطاعوا أن يبنوا حضارة إسلامية مزدهرة حلت محل حضارة الفرس والروم في وقت من الأوقات، وأخذ عنهم الأوروبيون في وقت من الأوقات، وفي القرون الأخيرة جدت على المسلمين ظروف معينة وضعت أمامهم مشكلات كثيرة، وأصبح هناك فهم خاطئ للإسلام، على اعتبار أنه مجرد شعائر تؤدى فقط، وانتشرت أفكار ليست من الإسلام في شيء، والمسلمون مطالبون في كل عصر- وليس في هذا العصر فقط- أن يكونوا مشاركين في الحضارة الإنسانية، واليوم توجد دول إسلامية غنية،

بل وأغنى من بعض الدول الأوروبية، وهذا موجود عن طريق الثروات البترولية، ولكن ليست هناك دولة إسلامية على قمة التقدم العلمي والتكنولوجي وهذا عيب المسلمين أنفسهم، وليس عيباً في الإسلام، لأن الإسلام لا يضع قيوداً ولا حدوداً ولا سدوداً أمام المسلمين ليتقدموا في مجال العلم والتكنولوجيا.

مسؤولية كبيرة

ـإذن بماذا تفسر حملات التشويه المستمرة من جانب الغرب ضد الإسلام؟

ـ الحملات الضارية ضد الإسلام اليوم ليست وليدة ظروف جديدة طارئة، وإنما هي نتيجة ترسبات قديمة في العقلية الغربية، نتج عنها تشويه متعمد للإسلام منذ قرون طويلة يرجع إلى ما قبل الحروب الصليبية، وفي العصور الوسطي راح اللاهوتيون النصارى ينشرون الافتراءات والأكاذيب حول الإسلام ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهناك أساطير مغرقة في الضلال والخيال اخترعها الكتاب في ذلك العصر مثل أنشودة رولاند التي تصف المسلمين بأنهم عباد أصنام وتدعهم بأحط الأوصاف،

وترسخ في العقلية الغربية أن الإسلام دين عدوان متعصب وشهواني تواكلي. إلخ، ولا يزال حتى يومنا هذا تدرس للأطفال في المدرسة الغربية معلومات خاطئة عن الإسلام والمسلمين، ولذلك ليس عجيباً أن نجد حملات إعلامية ضد الإسلام والمسلمين في الغرب تنشط بين الحين والآخر، ولكن اليوم ترتعد فرائص الغربيين خوفا وهلعا من الصحوة الإسلامية، وهناك حملات تنشيط بين الحين والآخر تعتبر الإسلام هو العدو الأول الذي حل مكان الشيوعية، وربما تكون كلمات بابا الفاتيكان الحالي التي تفوه بها مؤخراً واصفاً الإسلام بأنه دين عنف آخر حلقات هذا التعصب.

ـ ما الدور الواجب على كل مسلم لمواجهة هذه الحملة الشرسة؟

ـ هناك بعض التصورات ذات الأهمية في هذا الحقل، فالمسلمون الذين يعيشون في الغرب عليهم مسؤولية كبيرة في مساعدة أنفسهم، ليس فقط من أجل ضمان استمرار وجودهم في الغرب، بل أيضا من أجل دعم هذا الوجود أو ازدهاره والمتطلع إلى غد أكثر إشراقاً، ومن هنا تأتي أهمية أن تتحد المجموعات الإسلامية في الدول الغربية وتوثق الروابط فيما بينها، والبعد عن الصراعات المذهبية الضيقة والتيارات السياسية التي من شأنها أن تفرق أبناء المسلمين في الغرب، وعلى المسلم في الغرب أن يعيش ويتعامل من منطلق فهم واضح للعقلية الغربية وأنماط السلوك الغربي.

والأهم من ذلك أنه على المسلم في الغرب أن يقدم الصورة المثلى من خلال تقديم نفسه كنموذج يجسد تعاليم الإسلام، عملاً قبل القول وجوهرا مع الشكل وفي السلوك الذي يجذب ولا ينفر، وهذا السلوك أثره ليس في تعديل صورة الغرب عن الإسلام فحسب، بل لاجتذاب الغربيين إلى الإسلام، وعلى المسلمين أيضا اكتشاف الصيغة التي تكفل لهم الحفاظ على الذاتية الإسلامية من جانب، والمشاركة الفعالة في أنشطة المجتمعات الغربية من جانب آخر، وإدراك أن المؤمن عليه أن يبتعد عن الأسلوب الساذج في التعامل مع حقائق الحياة.

وكالة الصحافة العربية