في تجربة جديدة على الساحة الدعوية الإسلامية، شهدت الساحة المصرية تأسيس معهد خاص لإعداد الدعاة ليس للمصريين فقط، ولكن لكل من يرغب في الانضمام لتلك الفئة التي تدعو إلى الله حول العالم كله، ذلك المعهد الذي يحمل اسم «جسور» ويمتلكه المهندس فاضل سليمان، وهو متخصص في مجال الإلكترونيات،

ويحترف العمل في مجال التسويق التجاري منذ تخرجه في كلية الهندسة بجامعة عين شمس منذ تسعة أعوام، ثم قرر التفرغ للدعوة إلى الإسلام في عام 2000، وذلك أثناء إقامته بالولايات المتحدة الأميركية والتي استمرت حتى عام 2004، ذلك العام الذي شهد عودته إلى مصر للبدء في تأسيس هذا المعهد، الذي تقوم الدراسة فيه على أسس بعيدة تمامًا عما يعرفه الأزهريون والدعاة التابعون لهم، ليكون في هذا العام 2007 أحد قلاع تدريب وتعليم الدعاة الجدد في العالم الإسلامي كله.

الدراسة في هذا المعهد تعتمد كليًا على كل مستحدثات الثورة التكنولوجية في سبيل إعداد داعية عصري يملك أدواته، فالقاعات مجهزة بشاشات الحاسب الآلي المرتبطة في مجملها بالشبكة العالمية للمعلومات «الإنترنت»، وإتقان اللغات الأجنبية مطلب مهم لكل الدارسين، وعلي رأس هذه اللغات اللغة الإنجليزية صاحبة السطوة الملحوظة على قاعات المكان،

وكأن فكرة هذا المعهد جاءت كرد فعل مباشر للدعاوى التي أعلتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حين اتهمت هذه القوى علماء الدين في البلدان العربية بأنهم السبب فيما آل إليه حال الشباب العربي من تزمت فكري وديني أوصلهم إلى حد التطرف.

وجاءت فكرة هذا المعهد كإحدى إرهاصات الحديث عن أهمية تجديد الخطاب الديني، رغبة في التقارب مع الآخر وإعلاء لمعاني السلام والتسامح التي يؤكد عليها الدين الإسلامي، وسعيًا وراء تغيير النظرة السلبية لكل من هو عربي ومسلم، والتي استطاعت وسائل الإعلام الغربية أن تكونها عقب ما حدث من تفجيرات إرهابية نُسبت في غالبها إلى التطرف الإسلامي.

من جانبه أكد مؤسس المعهد المهندس فاضل سليمان إن هذا المعهد يهدف في الأساس إلى إقامة جسور من التفاهم بين المسلمين في الشرق والعالم كله والغرب، وانه ليس من أهدافه إقناع أحد بالدخول في الإسلام، ولكن في معرفة الإسلام الحق وكما نزل، وأن الدعوة تعني فن التسويق الذي لا يقتصر على بيع السلع، ولكن على بيع الخدمات والأفكار أيضًا،

وهذا ما يفتقر إليه الدعاة الجدد، الذين قد يمتلكون العلوم الشرعية، ولكنهم لا يعرفون فنونا أخري مهمة كفنون الخطابة وأسلوب الأداء ونغمة الصوت التي يمكنهم التحدث بها، وأساليب الإقناع وقواعد لغة الجسد بما فيها من حركات للأيدي والوجه والعين، وهي أمور لا تعد من البدع في الإسلام.

وأضاف : لقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم كل هذه المهارات منذ قرابة أربعة عشر قرنًا، ولكننا كمسلمين نسينا تلك الأمور، إلى جانب كل هذا فقد استفدت في الحقيقة من دعاة مسلمين ذوي ثقل في الولايات المتحدة الأميركية، وعلي رأسهم د. جمال بدوي أستاذ الإسلاميات في عدد من جامعات كندا، هذا المصري الذي فهم العقلية الغربية وعرف كيفية التفاهم معها، وهي ذات الفترة التي شغلت فيها منصب مدير مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي في أميركا الشمالية والوسطى.

ويوضح أن فكرة افتتاح المعهد جاءت عقب نصيحة تلقاها من السفير الألماني المعروف «مراد هوفمان» الذي اعتنق الإسلام بعد قراءات مطولة عنه، ومن ثم جاء المعهد كمؤسسة لتقديم الخدمات الثقافية بما فيها من طبع الكتب وإقامة الندوات والمحاضرات في الداخل والخارج، ولهذا تعد مؤسسة «جسور» ليس مجرد كيان بقدر ما هي روح تسري في جسد الشباب المسلم الغيور على دينه، ليتعلم كيفية الرد على من يسيء للإسلام بمنطق وحجة.

ويؤكد رفضه لتلك التهم التي توجه للدعاة الجدد، والمتمثلة في كونهم يبتدعون في دعوتهم أساليب غير شرعية، مشيرًا إلى أنه يتمنى ذلك اليوم الذي يلقي فيه خطبة الجمعة باستخدام الكمبيوتر والباور بوينت والجرافيك لعرض الأفكار على المسلمين وإقناعهم بها، وهو أمر استخدمه الرسول ولكن بتقنيات عصره،

ويدلل على قوله بذلك الحديث الذي أمسك فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بعصا صغيرة وخط على الأرض خطًا طوليًا يتفرع عنه عدد من الخطوط الفرعية، وشرح للمسلمين من خلال هذا الرسم أن هذا الخط المستقيم هو الإسلام الحق، أما الفروع المحيطة به فهي خروج عنه.

وأضاف: أحمد الله أن مؤسسة «جسور» كان لها الفضل في عدول إحدى الحكومات الغربية عن إصدار قانون لمنع ارتداء الحجاب فيها ـ على غرار ما حدث في فرنسا ـ خلال محاضرات ألقيتها على عدد من المسؤولين فيها وبطريقة مبسطة، حيث أظهرت لهم على شاشة الكمبيوتر صورة السيدة العذراء وهي ترتدي الحجاب وسألتهم عمن تكون،

فقالوا: ماري، فعرضت لهم صورة للأم تريزا الحاصلة على جائزة نوبل وسألتهم مرة أخرى من هذه فأجابوا بعدها وبسرعة، وعرضت لهم صورة شقيقتي وهي ترتدي الحجاب، وقلت لهم: أما هذه فهي أختي، وشرحت لهم أثر القوانين التي تمنع المسلم من ممارسة ما يعتقده بحرية على علاقته بالغرب فتفهموا ما قلت.

وأوضح أنه من المواقف التي كان للمؤسسة دور بارز فيها أزمة الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث درَّبت المؤسسة شبابًا للسفر مع الداعية عمرو خالد إلى أوروبا، وليكونوا رسلاً للشباب المسلم العربي في هذه البلاد التي تعاني قصورًا معرفيًا عن الإسلام الحق،

وكان عددهم 25 شابًا وفتاة من المجيدين للغة الإنجليزية والفرنسية، فتم تدريبهم على مدى ثلاثة أيام في فن الخطابة والإلقاء وكيفية التعامل مع العقائد والمفاهيم الدينية بشكل جديد في أسلوب طرحها، وكيفية الرد على الشبهات التي يهاجم بها العرب المسلمون والإسلام بطريقة منطقية يفهمها العقل الغربي، مشيراً إلى أن عدداً من تم تدريبهم في «جسور» يربو عن 2600، من بينهم 130 من طلبة وأساتذة الأزهر الشريف و1000 من المرشدين السياحيين والباقون من جنسيات غير مصرية.

وكالة الصحافة العربية

القاهرة ـ رمضان أبو إسماعيل: