ونذكر جميعاً كيف أقبل الناس على مشاهدة ما تقدمه هذه الأطباق حتى ساعات الفجر الأولى، وكيف ضعف الرجال قبل النساء والأطفال أمام إغراء الرذائل المبثوثة على الأثير، حتى صار أكثرهم يذهب إلى عمله متأخراً وقد هدّه السهر. وكانت حجة بعض من يستحي من الرجال أنه اشترى الطبق اللاقط لمتابعة الأخبار السياسية والبرامج الدينية والوثائقية والعلمية،

حيث كانت القنوات الأرضية لا تزال مشغولة بالهتاف والتصفيق للأبطال التاريخيين الذين يضحون من أجل مستقبل الأمة وانتصارها على أعدائها وتحقيق أعلى درجات التنمية فيها، في حين أن الواقع كان يشهد بأن الكبار قبل الصغار يمضون ساعات المساء والليل في استراق النظر إلى المحرمات، ومنها ما يثير القرف والاشمئزاز، كما كان لهذا الفتح الفضائي أثره في تفجير الخلافات الأسرية على أرضية من الزهد بالشريك بعد أن تطاول النظر إلى المغري والمثير.

أما الأطفال فقد كانت حصتهم من المفاسد الفضائية أكثر من ممتازة، أولاً لأن ما تقدمه كبرى شركات إنتاج أفلام وبرامج الأطفال يحمل في محتواه من عناصر الجذب والإثارة ما لا يمكن الرجوع عنه إلى برامج الأطفال المحلية الفقيرة والفجة والمباشرة. وثانياً لأن هذا النتاج الإعلامي المستورد حمل معه إلى بيوتنا قيماً واتجاهات ومعاني لا تتناسب وثوابتنا التي تنازل عنها الكثيرون، وثالثاً لأن الأطفال في ظل غياب الأب والأم عن البيت لم يقتصروا على مشاهدة البرامج الموجهة لهم بل راحوا يمضون أوقاتهم في الفرجة على برامج الكبار وبرامج للكبار فقط.

ولم يبخل القائمون على القنوات الفضائية العربية علينا بشيء مما يمكن أن يصب الأموال في جيوبهم ويهدم الأخلاق في بيوتنا، فراحوا يستوردون ما أمكن من البرامج والأعمال الفنية ويترجمونها أحياناً و«يدبلجونها» أحياناً أخرى متجاوزين ومتغافلين عن القواصم التي تغص بها هذه الأعمال، وكلنا يذكر كيف شاعت في فترة من الفترات المسلسلات المكسيكية المدبلجة وهي من شر ما يقدم للأجيال قصصاً وقيماً ومشاهد.

ثم ظهر نفر من أهل الفن والإعلام تجرأ على كل القيم والأخلاق والثوابت المعتبرة في بلادنا وديننا، وراحوا ينتجون من الأعمال ما لو عرض من عشرين سنة لاستحقوا عليه التأديب والسجن، فإذا احتج فرد أو مؤسسة قيل إنها الحرية، وإنها الجرأة على تصوير الواقع ومشاكله، فالواقعية في عرف هؤلاء مقبولة ومطلوبة ولو كانت في تصوير المزابل والحانات.

ثم بدأ استنساخ البرامج الأجنبية من برامج المنوعات والمسابقات وصناعة النجوم في تواطؤ واضح بين القائمين على القنوات الفضائية وعرابي الإعلان وشركات الاتصالات. تآمر الجميع على القروش في جيوب الناس، ومنهم المساكين، وقدموا لنا وجبات دسمة من الرذائل المسمومة التي لم يحل حائل بينها وبين الفتيان والفتيات.

في إحصائية نشرت منذ أيام قيل إن ما ينفق في الإمارات على الرسائل القصيرة )سحس( المرسلة لتظهر على الشريط المتحرك أسفل الشاشة وأكثرها رسائل حواريات وغزل حوالي 300 ألف درهم يومياً، وهو مبلغ تحتاج إليه المجتمعات والأسر والأفراد لمئة سبب وموضع قبل هدره على هذه الترهات.

يشعر المرء أحياناً أن الإعلام قد تحول إلى وحش مفترس يستحيل ترويضه وصده، وأننا في حالة شلل تام كمن لسعته أفعى عملاقة تمهيداً لافتراسه.والسؤال الذي أريد أن أختم حديثي به هو عن مشروعية وحقيقة هذا الشلل الذي صرنا نبرر به كل هذه الرذائل العاصفة ببيوتنا وأولادنا. هل نملك أمام كوارث قد يجلبها أولادنا إلينا في حياتنا أو في يوم الحساب أمام ربنا أن نبرر ضياعنا.

ماهر سقا أميني