وقف لبنان أمس وللمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الأهلية أمام خطر المواجهة الشاملة بين أنصار فريقي الموالاة والمعارضة بعد أن تحولت البلاد أمس إلى ساحات للمواجهات بين الفريقين في يوم الإضراب الذي دعت إليه المعارضة لإسقاط الحكومة.

ورغم الانتشار الأمني الأوسع في تاريخ البلاد إلا أن ذلك لم يمنع المصادمات التي أسفرت عن مقتل 4 أشخاص وجرح 150 خلال مواجهات رافقها إغلاق طرق وحرق إطارات وتعطيل النقل الجوي وشل الحياة العامة. وبعد تلويح بتصعيد الاضراب واستمراره اياماً تراجعت المعارضة الليلة الماضية عن ذلك واعلنت وقفه فوراً، سبقه نداء من رئيس الوزراء فؤاد السنيورة لعقد دورة استثنائية لمجلس النواب.

وقالت مصادر قوى الأمن إن أربعة أشخاص قتلوا على الأقل، أحدهم من «القوات اللبنانية» المسيحية الموالية للحكومة بزعامة سمير جعجع قتل في مدينة البترون شمال بيروت، وآخر من الحزب السوري القومي الاجتماعي في منطقة صوفر على الطريق الدولية بين بيروت ودمشق والثالث في مدينة طرابلس ولم يعرف إلى أي جهة ينتمي.

وأعلن عن سقوط قتيل آخر في منطقة البترون. وتحدثت معلومات غير مؤكدة عن سقوط قتيل خامس في طرابلس. كما سقط أكثر من 150 جريحاً في مناطق مختلفة، أكثر من 40 منهم بأعيرة نارية، وبعضهم في حال الخطر.

وقالت الشرطة اللبنانية أمس إن غالبية القتلى والجرحى سقطوا في اشتباكات مسلحة ومنهم العديد حالتهم خطيرة.

ومنذ الساعات الأولى لصباح أمس، سد آلاف المحتجين الطرق الرئيسية في بيروت وفي أنحاء البلاد بالحطام والإطارات المحترقة. وتصاعدت أعمدة الدخان من الإطارات المحترقة فوق بيروت مكونة سحابة سوداء خيمت فوق المدينة وقطع المتظاهرون الطرق الرئيسية بما فيها تلك المؤدية إلى مرفأ بيروت ومطار بيروت الدولي.

وطاف على دراجات بخارية منظمون من حزب الله يغطون وجوههم بأقنعة سوداء ويضعون أجهزة لاسلكي على أفواههم. وأطلق جنود من الجيش اللبناني النار في الهواء لتفريق حشود كانت تلقي بالحجارة في شوارع بيروت وعلى طريق سريع إلى الشمال. وشلت الحياة اليومية في العاصمة ومناطق لبنانية عدة.

واقفل المتظاهرون الطريق إلى مطار بيروت بالإطارات المحترقة والحطام والحواجز. وعلقت عدة شركات طيران عربية وأجنبية رحلاتها إلى بيروت، بعدما أقفلت تظاهرات المعارضة الطرق المؤدية إلى المطار. ولم تعلن شركة الطيران الوطنية وهي شركة طيران الشرق الأوسط عن خططها. وظل المطار مفتوحاً رغم الاحتجاج لكن مصادر المطار قالت انه لم يحضر سوى عدد قليل من العمالة وان الركاب لم يتمكنوا من الوصول إليه.

وأقفلت معظم المحال التجارية والمدارس والمكاتب في بيروت لكن كان من الصعب معرفة ما إذا كان الإقفال بسبب تأييد الإضراب أو لعدم التمكن من الوصول إلى أماكن العمل.

وانتقدت شخصيات مؤيدة للحكومة التظاهرات، وقال جعجع لقناة «الجزيرة» الفضائية إن «ما يحصل ثورة ومحاولة انقلاب. ما يحصل هو ابعد ما يكون عن الوسائل الديمقراطية. هذا إرهاب مباشر لشل البلاد»، متهما قوى الأمن بالتراخي في التصدي لهذه التظاهرات. وبعد ان اكدت المعارضة ان الاضراب سيستمر اياماً قال مصدر رفيع في المعارضة إنها ستوقف الاحتجاجات على الفور. وأضاف المصدر «ستدعو المعارضة لوقف الاحتجاجات»، مضيفاً انها ستصدر بياناً عقب اجتماع لقادتها.

وقبل ذلك حذر السنيورة في بيان عبر التلفزيون مساء أمس المعارضة من أن مسؤوليته الوطنية وواجبات الجيش لا تسمح بـ «التساهل أو المساومة» في السلم الأهلي واحترام القانون. وقال السنيورة إن الإضراب تحول إلى «ممارسات وتحرشات تجاوزت كل الحدود».

واعتبر أن «الاحتجاج عن طريق الشغب والتهديد بمواصلة التصعيد هو اعتداء على امن المواطنين وهو ينذر بمخاطر كبيرة ليست خافية على احد». وقال السنيورة «نؤكد أن عقولنا منفتحة وأيدينا مفتوحة للحوار مع شركاء الوطن».وقال «لن نتأخر عن الإصغاء للرأي الآخر لإنهاء الأزمة الخطيرة التي تعصف بلبنان منذ شهرين».

ودعا إلى «معالجة سريعة تنقل الخلاف من الشارع إلى المجلس النيابي بدعوة النواب إلى ممارسة كامل دورهم من اجل إنقاذ لبنان لنختار العيش المشترك والسلم الأهلي فلا نسلك طرقا تفاقم احتمالات توسل العنف والإرهاب». وقال «سنقف معا بوجه الفتنة وسنظل سويا من اجل لبنان».

وقال وزير الاتصالات مروان حمادة المحسوب على الأكثرية الحاكمة إن «كل الطرق من لبنان إلى العالم خصوصاً إلى باريس مفتوحة أمامنا» في إشارة إلى المؤتمر الدولي المزمع عقده غدا في باريس لدعم لبنان مالياً تحت عنوان «باريس 3».

وقال مسؤولون إن السنيورة الذي كان من المقرر أن يغادر إلى باريس أمس يتابع الأحداث من مكتبه في وسط بيروت». لكن المسؤولين لم يعلنوا ما إذا كان سيسافر أم لا أو كيف. عربيا، طالب الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى كل الأطراف السياسية اللبنانية بتحمل مسؤولياتها الوطنية، والعمل على منع الانزلاق نحو المواجهة التي ستكون لها أضرار بالغة على لبنان.

وحذر موسى في بيان صدر أمس عن جامعة الدول العربية من خطورة المرحلة التي يمر بها لبنان، داعيا جميع الأطراف إلى التوقف عن أعمال التصعيد حتى يمكن التوصل إلى حل للخروج من المأزق الحالي.

بيروت-علي بردى والوكلات