تحتاج نظم التقويم إلى إعادة النظر في نظامنا التعليمي، ولعل من أبرزها امتحان (الثانوية العامة) الذي لا يعلم احد ما هي فوائده التربوية والاجتماعية والاقتصادية، ورغم سلبياته الكثيرة إلا أنه يطبق في كل سنة بـ (حذافيره) وكأنه نظام مقدس لا يخرج عن كونه مرحلة يتم من خلالها تقويم الطالب وليس (محنته) لاسيما أن قياس مستواه لا يتم بالطريقة نفسها التي يقاس بها خلال سنواته الدراسية.

والسؤال: إذا ألغيت الثانوية العامة فما هو البديل؟ والإجابة تكون بسؤال آخر مفاده: لماذا الثانوية بصورتها (العامة) التي تشترط أن يجلس الطلبة في ساعة واحدة لتقاس مستوياتهم؟ ولماذا لا تقدم هذه الامتحانات مثل أي امتحان في أي سنة، ويحصل الطالب على درجاته من خلال تحصيله طوال السنة وليس فترة الامتحان فقط؟

ورب قائل يقول إن بعض المدارس أو المعلمين قد يتساهلون في إعطاء المعدلات لإثبات تميزهم أو تميز مدارسهم، وهذا القول يتناقض مع مكانة الرسالة التي يؤديها المعلم، والتي يفترض فيه الأمانة والدقة خاصة وإننا نأتمنه على أبنائنا في تحصيل العلم، فكيف ننزع منه هذه الثقة في آخر سنة من دراستهم، وحتى لو حدث شيء تؤدي إليه الثانوية العامة فسيزول بإلغائها.

رؤية جديدة لتطوير النظام التعليمي يطرحها الدكتور سعيد عبدالله حارب مستشار مدير جامعة الإمارات في كتابه (مستقبل التعليم وتعليم المستقبل) الصادر عن المجمع الثقافي في أبوظبي، مشيرا في صفحاته إلى اقتراح آخر للثانوية العامة من خلال قياس معدلات الطالب أثناء سنوات المرحلة الثانوية جميعها - ثلاث سنوات.

- ويقدم الطالب الامتحان في السنة الأخيرة مثل أي سنة، على أن تجمع درجات السنوات الثلاث ويستخرج منها معدل الثانوية العامة. واعتبر حارب ذلك دافعا للطلبة للاجتهاد خلال سنوات المرحلة بكاملها وليس خلال شهر امتحان الثانوية العامة، مشدداً على أن إلغاء هذا الامتحان جزء من إعادة النظر في نظامنا التعليمي بما يتلاءم مع تطوير العملية التعليمية برمتها.

مسؤولية تربوية

رؤى الدكتور حارب لأكثر من سبعة وعشرين عاماً في التعليم العالي بتجاربه وندواته ومحاضراته تشير إلى أن نظامنا التعليمي يواجه اليوم تحديات تختلف عما كانت عليه قبل سنوات مضت، لذا فان المسؤولية التربوية تجاه الأجيال تحتم علينا أن نفكر جميعا في تطوير نظامنا التعليمي بفلسفته وأهدافه، وان يكون هذا التطوير بمشاركة الأطراف التي تهمها العملية التعليمية كونها مسؤولية مجتمعية.

كما أن من يعمل في ميدان ما تغيب عنه بعض الرؤى خارج ميدانه بل ويدافع البعض عن الواقع باعتباره أفضل الموجود، ولذا فان المشاركة في معالجة هذه القضية تحتاج إلى تضافر الجميع من داخل الميدان وخارجه، مقترحا إعادة النظر في نظامنا التعليمي، متسائلا قبل الإشارة إلى بعض الأفكار في هذا الصدد: هل يحتاج الطالب إلى تلقي ما يتلقاه في العملية التعليمية؟، لافتا إلى أن هناك وسائل مساندة خارج المؤسسة التعليمية يمكنها القيام بجزء من هذا الدور.

ومن بين الأسئلة كذلك: هل المتعلم في حاجة إلى قضاء الوقت والزمن والفترة الدراسية المطبقة منذ سنوات؟ وألا يمكن إعادة النظر في هذه الفترة، وما هو المطلوب لتخريج إنسان متعلم، هل التثقيف، أم إكساب المهنة، أم التخصص، أم تكوين الشخصية الإنسانية، أم هذه الأشياء جميعها، أم بعضها؟

وهل لدينا من الإمكانات ما يمكننا تلبية متطلبات العملية التعليمية بمستوى متقدم؟، مرتئيا أن الإجابة عن هذه التساؤلات يمكن ان تضعنا على مدخل الطريق وليس أوله.

متطلبات التطور

الكتاب تطرق إلى واقع التوجيه في التعليم العربي الذي تلفه مشكلات ومعوقات تقعده عن القيام بدوره كما يرى الدكتور حارب ويحتاج معها إلى إعادة النظر وتحديد الوسائل التي تنهض به وتعينه على ذلك، إذ إن عملية اختيار الموجهين التربويين تعتمد بصورة كبيرة على المؤهل الدراسي والخبرة بصورة تكاد تكون كلية، حيث إن من تتوفر فيه هذه الشروط يرشح للقيام بدور الموجه التربوي، ومع أهمية هذين العنصرين، إلا أن ذلك وحده لا يكفي، فمع تسليمنا بأهمية المؤهل الذي يشترط أحيانا أن يكون بدرجة (بكالوريوس) أو (ماجستير)،.

إلا أن الخبرة يشترط فيها شروطا قد لا تتفق مع متطلبات التطور السريع الذي تشهد العملية التعليمية كأن تكون مدة الخبرة عشر سنوات إذ إن الخبرة قد لا تكون ذات تأثير ايجابي بل قد تشكل ظاهرة سلبية، فالخبرة الطويلة ليست - دائما - دليل جودة وحسن أداء، إذ إن العملية التربوية المعاصرة دائمة التطور والتغير لاسيما مع المستجدات الحديثة التي طرأت عليها ودخولها عصر التقنيات الحديثة، فقد يأتي مرشح للتوجيه التربوي بخبرة طويلة، إلا أن هذه الخبرة قد تجاوزها الزمن ولم تعد مهيأة للقيام بدورها في ظل المتغيرات الحديثة.

كما أن طول الفترة يفقد التوجيه التربوي ( الدماء ) الجديدة التي تأتي وهي متسلحة بالحماس والهمة العالية، كما تأتي كذلك وهي تأخذ بالوسائل التربوية الحديثة، ففي الولايات المتحدة الأميركية يقتصر المرشحون للتوجيه التربوي على خبرة قصيرة لا تتجاوز 4- 6 سنوات.

إن إضافة عملية التطوير المستمر للتوجيه التربوي تشكل جزءا مكملا له، إذ من خلال التطوير نستطيع أن نتقدم بالتوجيه ونضيف إليه في كل يوم جديدا، والواقع ان التوجيه التربوي في نظم التعليم العربية لم يأخذ حظه من برامج التطوير التي تشهدها المؤسسات التربوية.

ويرى مستشار مدير جامعة الإمارات أن النشاط المدرسي يأخذ جانبا مهما من العملية التربوية التي أصبحت عملية شمولية تكاملية، فلم تعد هذه العملية مقتصرة على المنهاج الدراسي أو على الجهد الذي يبذله المعلم أو على الوسائل المساندة للعملية التعليمية وحدها بل لم تعد العملية التعليمية حصرا على أروقة المدارس والجامعات فقد تجاوزت ذلك إلى مشاركة المؤسسات التربوية الأخرى من بيت وناد ووسيلة إعلام ومؤسسة اجتماعية تثقيفية. ومن هنا يجب النظر إلى النشاط التربوي في ضوء هذه الشمولية باعتباره أحد لبناتها إن لم يكن جزءا مهما في تأسيسها.

ولمكانة المعلم يرى الدكتور حارب ضرورة تحسين وضعه الوظيفي، فالمعلم في مجتمعاتنا يعيش أوضاعا وظيفية لا تتلاءم ورسالته السامية، ولا تتناسب مع الدور الذي يؤديه خاصة عند مقارنة هذا الدور بأدوار أخرى ربما لا ترقى إلى المكانة التي يحتلها التعليم من تأثير في المجتمعات، فتدني المستوى المادي الذي يتلقاه المعلم يؤثر بالشك في عطائه وإنتاجيته، وقبل ذلك في رؤية المجتمع لهذه المكانة خاصة في مجتمعات الوفرة المادية كمجتمعاتنا الخليجية.

إن من غير المتصوران المعلم هو صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب حاجة، إذ إن كفاية المعلم من احتياجاته المادية تدفعه إلى تطوير أدائه وتنعكس تلك الكفاية المادية على الكفاية العملية للمعلم، ومقارنة بسيطة يمكن إجراؤها بين ما يتلقاه المعلم بدوره ورسالته، وما يتلقاه شخص آخر تجعل الفارق بينهما شاسعا لاسيما إذا ترافق ذلك مع بعض مظاهر الحياة كالمنزل والسيارة والخدمات الأخرى.

عرض وتقديم: يحيى عطية