تعرف عليها عندما كان في الثانوية العامة، فقد صادف أن جاء والدها الموظف الحكومي إلى الحي الذي يسكن فيه (ج) واستأجر شقة هناك ولأن (س) كانت لا تزال غريبة في المنطقة فقد تقدم (ج) إلى مساعدتها مبدياً شهامة غير عادية، ومما زاد العلاقة قوة بين (ج) و(س) أن أسرتيهما بدأتا في التزاور حتى نشأت بين العائلتين صداقة كبيرة.

الطريق إلى الجامعة

كانت (س) هي الأخرى في الثانوية العامة شأنها شأن جارها (ج) لذا عندما أنهيا دراستهما الثانوية انتقل الاثنان إلى الجامعة نفسها، بل في التخصص نفسه، ربطت بين (ج) و(س) صداقة كبيرة تحولت مع مرور الأيام إلى حب جارف، لذا ما كادا أن ينهيا الجامعة ويحصلا على عمل حتى تقدم (ج) طالباً يد (س) وفعلاً تمت الموافقة وارتبط الاثنان معاً برباط الزواج، ورغم أن الاثنين يعملان إلا أن تكاليف الحياة كانت أكبر من دخلهما، لذا قرر (ج) التوجه إلى صديقه الذي يعمل في إحدى الدول الخليجية بخطاب يطلب منه الحصول على عمل، عندما تسلم الصديق الرسالة لم يخيب ظن صديقه وفعلاً تمكن من الحصول له على عمل.

وبعد نحو شهرين كان (ج) وزوجته (س) في ربوع جديدة، بعد زواج استمر أكثر من ثلاث سنوات بدأ (ج) و(س) رحلة إلى الأطباء بحثاً عن السبب الذي جعلهما لم ينجبا حتى الآن، لكن كل التقارير كانت تؤكد أنهما سليمان من الناحية الجسدية وأن المسألة مسألة وقت ليس إلا. كان (ج) قانعاً بقسمته ونصيبه وكذلك كانت (س). إلا أن أهل (ج) كانوا يلحون عليه بالزواج من امرأة أخرى حتى تنجب له ذرية تحافظ على اسمه واسم أسرته.

إلا أن (ج) كان يرفض أي فكرة للزواج فهو يحب زوجته كثيراً ولا يريد أن يعكر عليها أو عليه صفو هذا الحب الكبير الذي يحبه لها، ثم إن الأمر ليس في يدها فقد أكد الأطباء أنها سليمة من الناحية الجسدية وأنها يمكن أن تُنجب بدون أية مشاكل.

في إحدى إجازات الصيف عاد (ج) و(س) إلى بلدهما وهناك تحولت (س) إلى حقل تجارب للأطباء والمنجمين وقارئات الفناجين وضاربات الودع حتى أنها أصيبت بحالة من الاكتئاب جعلتها تلازم الفراش عدة أيام لذا قرر زوجها أن يقطع إجازته وأن يعود بها إلى مقر عمله.

السفر إلى أوروبا

بينما كان (ج) يتصفح أحد المواقع على الانترنت وجد بأن هناك عيادة في لندن تعلن أنها تغلبت على مسألة العقم عند الزوجين وهنا بدأ (ج) وزوجته يعدان العدة للسفر إلى تلك العيادة وبعد أن استفسرا عن المبلغ اللازم للعلاج وجداه مبلغاً كبيراً وأخيراً استقر رأيهما على أن تبيع (س) ما لديها من ذهب ويقوم (ج) باقتراض مبلغ من البنك من أجل السفر إلى الخارج.

وانتظر الزوجان الإجازة الصيفية حيث ذهبا إلى لندن وهناك تبين أن الزوجين سليمان، وليس هناك ما يعيق الإنجاب، وبعد فحوص وتحليلات وصور أشعة وغيرها أكد الأطباء أنه لا يوجد عيب فيهما، وأنهما سليمان تماماً.

عاد الزوجان من لندن وقررا أن لا يذهبا إلى طبيب وأن يعتمدا على الله سبحانه وتعالى فإن كان في حظهما أن ينجبا سينجبا، وإن كان لا فالأمر متروك إلى الله عز وجل وهذه النتيجة أراحتهما معاً، لذا بدا كل واحد منهما يهتم بشريكه أكثر من الأول حيث أخذ كل واحد يعوض ما لديه من عطف فيقدمه إلى الطرف الآخر.

استمرت حياة الزوجين سعيدة وهانئة حتى جاءت أم (ج) لتزوره لكن (ج) عرف فيما بعد أن سبب الزيارة ليست الزيارة بحد ذاتها، ولكن لأن أمه كانت تحمل له دواء من عشبة اسمها (رجل الحمامة) مضافاً إليه بعض التوابل وأن هذه العشبة ستساعده في إنجاب عشرات الأطفال، ورغم أن (ج) لم يكن يقتنع بهذا الدواء إلا أنه اضطر أن يتناوله هو وزوجته إرضاء لأمه، وفي نفس الوقت لعل وعسى يكون الأمر فيه خيراً.

استمر الزوجان يأخذان العلاج شهراً كاملاً أصيبا خلاله بحموضة في معدتيهما وآلام في الأمعاء ومع ذلك أصرت الأم على أن يكملا العلاج لأن فيه الشفاء، كما قال لها أحد الرجال المبروكين الذي أعد الدواء.

بعد مرور أكثر من سنة على تناول دواء (رجل الحمامة) لم ينجب الزوجان وأصبح حالهما يقول «رضينا من الغنيمة بالإياب» فقد كفاهما ما لقيا من ألم وأوجاع نتيجة لذلك، ولهذا قدر (ج) و (س) عدم تناول أية دواء مهما كانت الدوافع أو المغريات.

مرور السنين

مرت السنين وفات على زواج (س) و (ج) أكثر من اثني عشر عاماً دون أن ينجبا لذا ترسخت في أذهانهما أن يعيشا بدون ذرية ومع أن بعض الأصدقاء أشار عليهما أن ينفصلا لأن كل واحد في هذه الحالة قد ينجب بعد أن يتزوج من زوج آخر إلا أنهما رفضا الفكرة جملة وتفصيلاً.

في أحد الأيام بينما كان (ج) يسير مع صديق له قادته قدماه إلى محل للعطارة كان الصديق يريد أن يشتري بعض الأعشاب التي تعود أن يغليها ويشرب ماءها وفي محل العطارة لاحظ (ج) أشياء غريبة فقد وجد لافتة صغيرة مفروشة في أحد الأكياس المملوءة بالأعشاب مكتوب عليها عشب ضد الصفراء، وعشب آخر ضد التهاب السحايا وعشب ثالث ضد الايدز حتى انه وجد عشباً مكتوب عليه ضد السرطان فتعجب (ج) من كل هذه الأعشاب وبدأ الحديث مع العطار قائلاً له كيف تجرؤ على خداع الناس بكل هذه السهولة وتقول إن هذا العشب ضد الايدز فالولايات المتحدة والدول الأوروبية المتقدمة لها أكثر من عشرين عاماً تجري تجارب على أدوية للايدز ولكنها لم تتوصل إلى علاج له حتى الآن، وأنت بكل هذه البساطة تقول إن هذه الأعشاب ضد الإيدز وضد السرطان ثم أي سرطان تعني فهل يعقل أن العشب (لو افترضنا جدلاً) الذي يعالج سرطان البروستات هو نفسه الذي يعالج سرطان الدم (اللوكيميا).

وهنا نظر صاحب المحل إلى (ج) استهزاء وقال له أنت لا تعرف شيئاً ثم تركه وانصرف ليجلب لصديقه العشب الذي تعود أن يأخذه منه، وقبل أن يخرج (ج) وصديقه من محل العطارة والأعشاب عرف صاحب المحل بأن (ج) لا ينجب وانه منذ سنوات يبحث عن دواء كي يساعده على الإنجاب إلا أنه لم يجده.

وهنا هز العطار (صاحب المحل) رأسه قائلاً لدي الدواء ولكن ثمنه مرتفع جداً فهل أنت على استعداد لدفع الثمن؟

قال له (ج) مستفسراً كم المبلغ فذكر له العطار مبلغاً كبيراً يقدر براتب (ج) لأكثر من سنة ونصف السنة فرد عليه (ج) بأنه لا يستطيع أن يوفر هذا المبلغ الكبير إضافة إلى ذلك فإنه غير مقتنع بكل هذه الأعشاب التي تعالج كل الأمراض في العالم حتى المستعصية منها.

في طريق عودته إلى بيته بدأ (ج) يفكر بالأمر فلو كان متأكداً بأن الدواء سيجلب له الذرية فهو على استعداد لأن يستدين من البنك مرة أخرى ويدفع للعطار كل ما طلبه لكنه غير متأكد ويخشى أن تذهب أمواله سدى ويضيع الأمل من جديد.

استمر (ج) لأكثر من أسبوعين يفكر في الدواء وفي المبلغ الذي سيدفعه وأخيراً قرر أن يخوض المغامرة لعل وعسى أن تتحقق أحلامه.

أخبر (ج) زوجته بكل ما دار بينه وبين العطار صاحب المحل فأبدت الزوجة خيفة من ذلك فالمبلغ كبير فقال لها (ج) لكن الهدف أكبر فأنا أتشوق بل أحترق من أجل طفل من صلبي أضمه إلى صدري وهنا اغرورقت عيناها بالدموع وقالت له افعل ما تراه مناسباً أملاً في أن يرزقنا الله الذرية الصالحة لتقر بها أعيننا.

في صباح اليوم التالي كان (ج) يجلس أمام العطار يقص له قصته مع الأدوية والأطباء كما قص عليه رحلته مع الاستلاف والاستدانة من البنوك وقال له أنا لا أملك إلا جزءاً يسيراً من المال ولكني سأضطر للاستدانة من البنك فأرجوك ألا تغشني فأنا إنسان رضيت بما قسمه الله لي فإن كان دواؤك فيه الخير ومجرباً فلا بأس وإن كان لا فلا تضيعني لأنني لن أستطيع أن أتحمل الصدمة من جديد.

هنا ضغط العطار على يد (ج) مؤكداً له بأنه بعد تسعة أشهر فقط سيكون لديه طفلاً من زوجته اطمأن (ج) قليلاً إلى كلام الرجل فقد رآه واثقاً من نفسه وأخيراً اتفقا على أن يلتقيا بعد ثلاثة أيام يكون فيها العطار قد جهز له الدواء ويكون (ج) قد أحضر المبلغ من البنك.

في مساء اليوم الثالث كان «ج» يقف أمام العطار الذي استقبله بكل ترحاب وأجلسه إلى جانبه وبعد أن شربا القهوة قال العطار هل أحضرت المبلغ؟ فرد «ج» نعم، فقال له العطار هذا هو دواؤك خذه وانصرف، نظر «ج» إلى الدواء فوجده زجاجة من العسل فقال للعطار ماذا أرى إنها زجاجة صغيرة من العسل فهل يعقل أن يكون ثمنها هذا المبلغ؟ فقال العطار معك حق أن ما في هذه الزجاجة من عسل لا يزيد على «250» غراماً، لكنه عسل صاف، والأهم من ذلك المواد المضافة إلى العسل، قال «ج» وما هي هذه المواد فقال العطار إن فيها سم أفعى كوبرا إضافة إلى جزء من ذيلها وسحقه وإضافته إلى العسل. عندما سمع «ج» ما قاله العطار فغر فاه قائلاً تريدني أن آكل عسلاً فيه سم؟

فقال العطار هذا العسل ليس لك وحدك بل لك ولزوجتك أيضاً فعليها هي الأخرى أن تأخذ مثلك ملعقة كل صباح قبل تناول أي شيء، أحجم «ج» عن تناول الزجاج خوفاً من حياته وعلى حياة زوجته وعلى فلوسه التي قد تضيع بلا فائدة، وأخيراً دفع المبلغ إلى العطار وأخذ منه زجاجة العسل المسموم وانصرف عائداً إلى بيته.

الزوجة في العناية المركزة

انتظرت «س» الصباح بفارغ الصبر، وما كادت تصلي هي وزوجها الفجر حتى ذهبت إلى زجاجة العسل وتناولت منها ملعقة كبيرة، أما زوجها فقد ذهب إلى المطبخ ليعد لنفسه فنجاناً من القهوة، وقبل أن يتناول «ج» قهوته سمع صراخاً صادراً من غرفة نوم زوجته فتوجه في الحال إلى هناك، حيث وجد زوجته بين الحياة والموت وقد ازرق وجهها وجحظت عيناها ولم تعد قادرة على الكلام حتى قام «ج» بالاتصال بالمستشفى حيث بعثت له سيارة إسعاف وعلى الفور تم إدخال «س» إلى غرفة العناية المركزة وبدأ الأطباء يسابقون الزمن أملاً في إنقاذ حياتها في هذا الوقت كان إدارة المستشفى قد اتصلت بالشرطة لتبلغ عن الحادث، حيث بدأ التحقيق مع الزوج الذي روى للضابط كل ما دار بينه وبين العطار.

وقال له بأن زوجته أخذت ملعقة من العسل بناء على وصفة العطار، تم التحفظ على الزوج حتى الصباح، حيث ذهب أحد الضباط إلى محل العطارة وهناك تم إلقاء القبض على العطار الذي لم ينكر أنه هو الذي قام بصنع هذه الوصفة، حيث قال بأنه سمعها وشاهدها في التلفزيون في أحد البرامج الوثائقية التي كانت تتحدث عن الشعوب الإفريقية وأنكر العطار نيته بأنه كان يريد قتل «ج» أو زوجته ولكنه كان يريد كما قال أن يستفيد من المال وأن يساعد «ج» على الإنجاب.

بعد هذا الاعتراف تم إطلاق سراح «ج» الذي طالب الشرطة بأن تعيد الأموال التي دفعها إلى العطار، لكن العطار رفض إعادة الأموال قائلاً بأن هذه الأموال أصبحت من حقه وهو على استعداد لتحمل أي عقوبة عدا عن إعادة هذا المبلغ الكبير الذي حصل عليه. تم إغلاق محل العطار بالشمع الأحمر، وتم التحفّظ عليه أربعة أيام على ذمة التحقيق. أما «س» فقد تعافت وكُتب لها عمر جديد وخرجت من المستشفى وهي تقول لزوجها كيف يقبل أناس أن يستغلوا العواطف الإنسانية وحاجة زوجين إلى طفل بهذه الطريقة المأساوية؟

إعداد: أحمد سلطان