قال الشيخ: روي أن عالماً جليلاً من بلاد الشام أمضى خمسة عشر عاماً من حياته في دولة خليجية في وظيفة تتصل بتحقيق المخطوطات وإصدار الكتب المختصة في العلوم الشرعية، وقد كان يتقاضى راتباً عالياً مع سكن مثالي وسيارة فاخرة، وفي صيف عام من الأعوام وبينما كان في بلده في إجازة سنوية إلتقى بشيخه الذي سأله بعد كلام الحب والألفة: كم كتاباً ألف النبي عليه الصلاة والسلام في حياته؟ فأجابه عالمنا مستغرباً: لم يؤلف كتاباً واحداً، فقال له الشيخ: فما الذي استطاع أن يفعله؟ قال له شيخنا: صنع أمة. فأجابه شيخه: فانظر ما أنت فاعله.
يقول العالم إن هذا السؤال من شيخه جعله يلغي عقده مع المؤسسة التي كان يعمل فيها ويبقى في بلده مشتغلاً بالدعوة إلى الله في صفوف الشباب، مع تخليه عن كل المزايا التي كان يتمتع بها في وظيفته السابقة ومع ضيق وحدود العيش اللذين أقبل عليهما في بلده.
ومما لا شك فيه أن ما قام به هذا الرجل يعبر عن إيمان وإخلاص عظيمين قد لا يتمتع بهما أكثرنا، فجزاه الله عن الأمة وشبابها كل خير، ولكنني أسوق هذه القصة اليوم لأتأمل وإياكم في وجوه أخرى لها أرى أن من الحكمة أن نقف عندها.
قديماً كان يقال: لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا تأخذوا العلم من صحفي، ومعناه أن القرآن العظيم لا يؤخذ عن المصحف وتفاسيره المكتوبة لأن للقرآن طريقة في التلاوة والترتيل والتجويد وإتقان مخارج الحروف لا تؤخذ إلا عن الرجال المتقنين، كما أن لفهم معاني القرآن وإتقان العلوم الشرعية من حديث وفقه وسيرة وتراجم وغيرها مداخل لا يعلمها ويحسن الدخول فيها إلا الرجال ممن وهبوا أنفسهم وحياتهم للعلم والدرس فأفاض الله عليهم من فيوضات رحمته وفتوحاته ما لا يتيسر لطالب علم من كتاب.
وإن تأملنا اليوم في مئات آلاف عناوين الكتب المنشورة عن الإسلام وعلومه، وفي قلة وندرة الرجال المهديين حقاً لوصلنا إلى حقيقة صافعة، هي عدم جدوى ونجوع كل الجهود المبذولة في تسطير ملايين الصفحات أو معظمها، فنحن في عصر لم يكن العلم سهل المنال وضئيل الكلفة في عصر آخر مثله مع زهد غريب وإدبار عجيب من قبل الأكثرية عن الحدود الدنيا من المعلوم من الدين بالضرورة.
معارض الكتب تغص بأعداد مذهلة من عناوين الكتب القديمة والمعاصرة، والمكتبات العامة تقدم الكتاب مجاناً لكل من يطلبه، والقنوات التلفزيونية المختصة وغير المختصة لا تخلو من برامج تقدم ألوان العلوم والمعارف الشرعية، وتكفي نقرة على مفاتيح الكمبيوتر لتبحر في بحور الانترنت وما فيها من مواقع إسلامية فيها للدعوة والوعظ والقرآن وعلومه والحديث وفنون وزنه والعلوم الشرعية بمختلف تخصصاتها.
وإنني والله أرى أن هذه الحال حجة علينا لا لنا، فلا عذر اليوم لجاهل أو مدع بأنه لم يبّلغ الأمانة، وقد كان السابقون يبذلون الغالي والرخيص من الجهد والعمر والمال لينالوا حظاً من العلم يقل بأضعاف مضاعفة عن المتاح اليوم في كل بيت، فما السر إذن في هذا التهتك الذي أصاب الأمة لما عزفت عن منبع العلم وأصوله.
إن ما قدمته وتقدمه وسائل الاتصال الحديثة من معارف لا متناهية -وتثير الضحك أحياناً من لا تناهيها فهذا قرص مدمج يحتوي على عشرة آلاف حديث وهذا موقع على الانترنت يقدم علوم الأقدمين والمتأخرين مما استغرق من واضعيه أعمارهم- لا يساوي في الدعوة إلى الله وهداية الناس التتلمذ على يد عالم قد لا يقدم لمريده كماً عجيباً من المعارف يصعب الإحاطة بنسبة ضئيلة منه، ولكنه يصلح القلب ويزكي النفس ويقدم من العلم ما يكفي لعيشه هنية وميتة سوية.
ومع احترامنا لجهود من خاض بحور العلم وكتب في فروعه المختصة، وهي جهود مشكورة لا يمكن أن ينال منها نائل، نقول إن مهمة الأنبياء والرسل وورثتهم من العلماء كما ذكر في القرآن الكريم تعليم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس، وهي مهام لا تكفي فيها دراسة الكتب والخوض في المصنفات، بل لا بد من خروج العلماء إلى الناس وإقبال الناس على العلماء، ليأخذوا عنهم العلم ومعه التربية التي تسمو بها الأرواح وتزهد فيها النفوس بمتاع الدنيا وتطمح إلى الفوز في الدارين والله أعلم.
«لفهم معاني القرآن واتقان العلوم الشرعية مداخل لا يعلمها إلا الرجال من وهبوا أنفسهم وحياتهم للعلم»
ماهر سقا أميني