قال الشيخ: جاءني منكم من قال لي متعجباً هل يحتاج تناول كثير الطعام أو تبديده لكل هذا الحديث الذي بدأ ولم ولن ينتهي؟ أليس في مصالح المسلمين ومشكلاتهم ما هو أهم للحديث فيه؟ فأول ما يقال في الإجابة عن هذا السؤال أن الحق سبحانه وتعالى قال في محكم تنزيله: «إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً» أليس وصف المسلم بأنه أخ للشيطان يستحق منا أن نقول ما قلناه ونزيد.
ثم إن دوام النعم بتقديرها حق قدرها وبشكرها، ومن أصول شكرها عدم تبديدها، أليس دوام النعمة يستحق منا أن نقف عند هذه المسألة ونزيد، لقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة الأموال» فهل في الحديث عما يبغضه الله ما تراه زائداً على الحاجة.
وأذكر في هذا الصدد مقولة لبنجامين فرانكلين: (إياك والتبذير فإن النشّ يغرق المركب الكبير)، وقد قالت العرب يوماً: «من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه».
والمسألة أننا نعيش اليوم بدعاً لم يعرفها السلف وهي ضارة ومضرة بالجسد وصحته وبالمال ووفرته والإيمان وسلامته، فلم يمر يوم يهدر فيه كثير من الطعام والملايين جوعى، وقد يكون الجوعى من ذوي القربى أو من الجوار، ولم يمر يوم يصبح فيه تسوق الطعام متعة بحد ذاته بغض النظر عن الحاجة حتى إن ما يرمى مما يفسد وينتهي تاريخ صلاحيته يزيد على ما يؤكل ويستفاد منه، ولم يمر يوم يدفع فيه المرء ثمن تخمة مزعجة واهلاك للصحة والرزق والمال كهذه الأيام.
وأسوأ ما شاع من عرف اليوم أن الرجل إذا أراد أن يكرم ضيوفه أطعمهم وزاد في إصراره عليهم في الدعوة إلى أكل ما لا يستطيعه الضيف، وبعض الناس يصلون في إصرارهم إلى حد مزعج ويكون مؤذياً»، إنني أفهم أن في الولائم فسحة لإكرام الضيوف، ولكن إكرام الضيف شيء وعلفه حتى الاختناق شيء آخر، ولنذكر مرة أخرى قول الصدّيق حبيب رسول الله: «إني لأبغض أهل بيت ينفقون رزق أيام في يوم واحد»، وقد قال الامام علي كرم الله وجهه: «الأكل نصفه يقيت ونصفه يميت»، وقال ابن القلاف:
لا بارك الله في الطعام إذا
كان هلاك النفوس في المعد
وقد سمعت يوماً مثلاً هندياً يقول: «النهمون يحفرون قبورهم بأسنانهم».
دعيت مرة يا أحبابي إلى وليمة أنا وضيفان اثنان، فكان أول ما أساء فيه صاحب الوليمة أنه طلب طعاماً يكفي لعشرين شخصاً، فلما أكلنا وحمدنا الله على رزقه بدأ المضيف بإصراره على كل منا أن يأكل لقمة من هذه ولقمة من تلك، وهو يتلفظ بعبارات لم أعرف لها أصلاً مثل «الأكل على قدر المحبة» و«السفرة تحاسب من قام عنها ولم يشبع» وأعتقد أن القول الأخير يجب تعديله إلى السفرة تحاسب من قام عنها وهو يتنفس».
قلت لمضيفي بعد إصرار أخرجني عن صبري: «يا أخي نحن في زمان انتشرت فيه الأمراض وقلت فيه الحركة وكل منا يحمل معه مرضاً أو استعداداً له، وإكرام الضيف يجب أن يقف عند حدود الدعوة للوليمة دون إصرار على أكل المزيد، ضحك مضيفي وقال: أنه في وليمة أقامها في بيته دعا عماً له وأصر عليه بتناول المزيد، فلما جاء الشاي قال له عمه: «صب لي كأساً منه»، فملأ مضيفي الكأس، فقال له عمه: «زد» فزاد قليلاً ثم قال له عمه: «زد» فقال المضيف لعمه: «لا مكان لزيادة»، فأجاب العم ضاحكا: «وهكذا معدتي التي ملأتها وملأتها دون أن تسأل عن سعتها وما تستطيعه».
وأقص عليكم قصة أخرى جرت معي يوماً عندما دعيت وزوجتي إلى وليمة أقارب وذوي أرحام، فلما انتهينا من الطعام وزعت علينا قوائم الطعام لاختيار الحلويات أو الفواكه، فقلت يومها لمضيفي: أنا وزوجتي نتشارك في نوع معين في طبق واحد، ولم أقل ما قلته رغبة مني في التوفير أو حياءً، فقد كنت فعلاً لا أقدر على أكل المزيد فأصرَّ المضيف أن يحضر لنا طبقين من النوع نفسه وقال لنا ليأكل كل منكما ما يستطيع من طبقه.
قال خليل مطران يوماً:
الجود خير وكل الخير إذا
لم يعد مغزاه أو لم ينقلب سرفاً
ماهر سقا أميني