«راية .ح . ش» أو كما تحب أن يطلق عليها «ضحية الحوادث» تعرضت لحادث سير وهي تغادر كلية التقنية بالعين، وفيما كانت تهم بركوب التاكسي عائدة إلى بيتها شاء القدر أن تتعرض لحادث أليم لا حول لها فيه ولا قوة، وباتت بحق ضحية الحوادث.

وأترك التفاصيل هنا لراية التي تحمل قلبا كبيرا وشجاعة منقطعة النظير لا يملكها كثير من الأسوياء قائلة: أنا أختكم «ضحية الحوادث» خريجة كليات التقنية العليا بالعين، تعرضت لحادث مروري قبل خمسة أعوام، وأصبت ولله الحمد في العمود الفقري ما أدى إلى عجزي عن الحركة، ومن ذلك الحين، أصبح الكرسي المتحرك خيرَ معينٍ لي بل خيرَ صديق، لازمني في كل أوقاتي، حملني وحمل عني عجزي، ورافقني في كل حركة أقوم بها، وصاحبني حيث لم يصاحبني الناس، ورفع عني كثيرا من الحمل الذي ناءت بحمله قدماي.

بعد الحادث مباشرة لم أكن أعرف حقيقة وضعي، وكنت خائفة من السؤال عما حدث لي، بالرغم من ازدحام الأسئلة في خلَدي، إلا أنني آثرت الصمت، ثم مكثت في المستشفى أشهر عدة، عرفت خلالها مما أعاني، ولكن إيماني الراسخ بالله تعالى ولطفه ورحمته بعباده، نجاني من اليأس والحزن، وبمعية أهلي وصديقاتي وأحبتي جميعا، خطوت أشواطا في العلاج.

وتغلبت على الكثير من العقبات، وأدركت حقا أن الدافع النفسي والإيمان اليقيني، هو خير علاج للإنسان، ومن فقدهما، فقد صحته وراحته، ثم إني لم أقف عند هذا الحد، بل سافرت للخارج لتلقي العلاج الأمثل وخضعت لعمليات كثيرة ولم يجد اليأس لقلبي طريقا، وها أنا أمامكم، عدت من الغربة إلى حضن وطني الحبيب، وإلى كنف أهلي وقرب صحبتي والناس الذين لم يتخلوا يوما عني.

أمنية لم تتحقق

كانت «راية» تتمنى أن تصبح معلمة للغة الإنجليزية للمرحلة الابتدائية الدنيا، بعد أن حصلت على شهادة الدبلوم في إدارة الأعمال فقد وجدت فيها من المتعة ما يدفعها للعمل جاهدة للوصول لهذا الهدف، وكنت تمارس هذا النوع من التعليم عندما كانت تعمل مدرسة كجزء من المهام الدراسية في برنامج البكالوريوس.

وتروي «راية» تفاصيل الحادث قائلة: وبعد انتهاء اليوم الدراسي، خرجت من الكلية واستلقيت سيارة أجرة وبمجرد ركوبي لها، كان القدر يترصدني بما لم يكن في الحسبان، إذ فاجأتني سيارة أحد الأساتذة في الكلية واصطدمت بي، لأفيق من غيبوبتي وأجد أنني معاقة بشلل نصفي.

وتم علاجي على مراحل عدة، كانت الأولى داخل الدولة، وبعدها سافرت إلى المملكة المتحدة (بريطانيا) لتكملة العلاج وبعدها إلى ألمانيا، وعندما عدت للوطن كانت قدماي هي الكرسي المتحرك، وقد تكفلت الحكومة بعلاجي في الخارج، ولهم كل الشكر والامتنان، ولولا الله وفضله .

ومن ثم فضلهم، لكانت حالتي أسوأ بكثير، ثم نوقش الأمر مع مستشفى توام لأتلقى العلاج الطبيعي اللازم إلا أن علاجهم يقتصر على حصة علاجية واحدة أي ساعة واحدة مرتين في الأسبوع، ولو قارنا العلاج الذي كنت أتلقاه في الخارج وهو بمعدل خمس حصص يوميا، لوجدنا أنه غير كافٍ البتة، وكانت نتائجه رائعة جدا.

ومن هذا الموقف شعرت حقيقةً بضرورة وجود مراكز للعلاج الطبيعي للمعاقين لأنني من خلال تجربتي وسفري للعلاج وجدت أن الدولة تتكبد أموال باهظة لعلاج مرضاها في الخارج، فلو توفرت هذه الأدوات هنا، وأنماط العلاج المختلف لكان أفضل للدولة وللمرضى حتى لا يعاني المريض من جراء سفره والانتقال عبر البلاد والبحار بحثا عن العلاج.

صعوبات ولكن

وتشير «راية» إلى الصعوبات التي واجهتها قائلة: بطبيعتي كامرأة، أحب الخروج أوقات الفراغ، بصحبة أهلي أو مع السائقة الخاصة بي، وأذهب لقضاء حوائجي أو زيارة صديقاتي وعندما أواجه صعوبة في تخطي السلالم، تطلب السائقة من المارة أن يقوموا بمساعدتي لحمل الكرسي فأواجه لحظتها سهاما من النظرات التي تشق الفؤاد.

وكثيرا من همسات الشفقة والأسى، ولكنني أحاول كثيرا أن أتجاهلها ولا ألقي لها بالا، وكنت كلما وجدت هذه النظرة أو اسمع هذا الهمس أتناساه بالنظر لأهلي وأحبابي، الذين تشع أعينهم بالأمل والفرحة بقربي، وتستمر حكاية الأمل التي لا تنتهي بذاتي.

لا أخفي عليكم إحساسي بالضيق والحزن الذي أكتمه بصدري وقد يصل بي إلى البكاء لوحدي في بعض الليالي الموحشات، ولكن هناك أشياء تصدر عن ابن آدم لا يكون له فيها سلطان، فهذا البكاء وذاك الضجر والإرهاق الذي أشعر به، ليس باستطاعتي التحكم به، فما أنا إلا كتلة من المشاعر والأحاسيس، إن شعرت ببعض الألم أجد متنفسي في البكاء والشكوى لرب واحد علام بما في الصدور.

فأدعوه سبحانه أن يثبتني على إيماني وطاعته وألاّ أقنط من رحمته يوما فأكون من الخاسرات، وهذا الدعاء والأمل بالله تعالى، يمنحني دفعة جديدة من الأمل الذي يمدني بأسباب الراحة والاطمئنان، ويدفعني للمثابرة والعمل وألا أركن لليأس والإحباط وعندي يقين بأن الإحباط شعور لا ينتاب إلا الذين تخلوا عن إيمانهم بقدرة الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي يطرده من قلبي نهائيا، فلا مجال للإحباط أو التراجع بإذن الله.

وتتمنى «راية» أن تذلل الصعوبات، التي تعاني منها ويعاني منها الكثيرون ممن هم على شاكلتها. وتتمثل في غياب التجهيزات التي تتوافق وحالتهم الصحية في الدوائر والهيئات الحكومية والمدارس والجامعات غير المجهزة لعبور أو استخدام ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولهذا السبب لم تتمكن من إكمال دراستها في الكلية بعد عودتها من رحلة العلاج، ووجود السلالم والعتبات التي تشكل عائقا بالنسبة لهم ولا يستطيع الكرسي المتحرك تخطيها، بالإضافة إلى مواقف السيارات التي خصصت مؤخرا لذوي الاحتياجات الخاصة مؤخرا وان كانت الخطوة جيدة إلا أنها غير مدروسة بالشكل الصحيح كون المواقف ضيقه والحركة فيها صعبة.

الاعتماد على الذات

ولراية أمنية تود تحقيقها والكلام هنا لراية: أتمنى أن أعتمد على نفسي اعتمادا كليا ولا أتعب غيري معي، بيد أني لم أشعر بتغير الحياة علي إلا أنني كنت أمشي على قدمي، وأصبحت أستخدم الكرسي المتحرك، وهناك كلمة أود أن أوجهها لبعض الأسر التي ترى في المعاق قدم سعد لهم وفاتحة للرزق.

وبعضهم من يرى المعاق شؤما يفضل التخلص منه، ومنهم من يرى في المعاق ذلك العاجز الذي لا يستطيع القيام بنفسه وتجوز له الصدقات وأموال الزكاة، هذه النظرة الضيقة تحدو بالمعاق لأن يعيش في أفق ضيق جدا، بين أربعة جدران مكتف اليدين يستحيل عليه أن يلتقي بحياته النابضة التي تنتظره خارج المنزل، أحب أن أقول لهم، إن هذه كلها أوهام لا علاقة لها بالواقع.

العين ـ سليم المستكا