النشرات الطبية المرفقة مع معظم أصناف الأدوية الأجنبية هي بمثابة طلاسم لشريحة كبيرة من المجتمع وتحديدا الأمهات المسؤولات بالدرجة الأولى عن إعطاء الأدوية لفلذات أكبادهن، علما بأن ترجمة تلك النشرات أهم بكثير من ترجمة محتويات علبة الفول أو السردين المصنعة في الصين. فالشركات المصنعة للمواد الغذائية المصدرة إلى الدول العربية تحرص على تقديم ترجمة لكل المكونات الغذائية المعلبة، وهذا ما لا تفعله ولا تحرص عليه شركات الأدوية رغم أهمية الدواء وخطورته على صحة الأفراد في حالة عدم استعماله على الوجه الصحيح، لعدم قدرة معظم المرضى على قراءة الإرشادات غير المترجمة إلى العربية.
وتشير مصادر مطلعة في قطاع الصيدلة إلى أن 80 % من النشرات المرفقة مع الأدوية المتداولة في السوق المحلية والتي يزيد عددها عن 5000 صنف هي باللغة الإنجليزية لا بل وان بعض المستشفيات الخاصة تقوم بصرف أدوية بلغات جالياتها علما بأن غالبية المترددين على تلك المستشفيات هم من المواطنين والعرب المقيمين. الدكتور علي بن شكر وكيل وزارة الصحة أكد لـ «البيان» بأن قانون الصيدلة المتوقع صدوره خلال الأشهر المقبلة يتضمن بنودا تلزم الشركات الموردة للأدوية بترجمة النشرات المرفقة مع أدويتها إلى اللغة العربية بجانب اللغة الإنجليزية، فيما أكد الدكتور توفيق بن احمد خوجة مدير عام المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون أن المطلوب فقط هو تفعيل تلك القرارات.
الدكتور علي السيد مدير إدارة الصيدلة في دائرة الصحة والخدمات الطبية أكد من جانبه حق المريض في الحصول على المعلومات الكافية عن الدواء بموجب بروتوكول وثيقة حقوق المرضى وواجباتهم المطبقة في الدائرة ومن حق المريض تقديم شكوى بالطبيب المعالج في حال رفضه القيام بذلك، والى التفاصيل في سياق التحقيق التالي:
مخاطر الأدوية
نجاح سعيد ربة بيت تقول: طبعا من حق المريض أن يعرف تركيبة الأدوية التي سيتناولها والمضاعفات التي قد يتسبب بها الدواء فهناك أدوية مثلا تحتوي على نسبة كورتيزون عالية لا يوضحها الطبيب للمريض وفي حال كانت النشرة المرفقة مع الدواء باللغة الإنجليزية فمن الصعب على المريض أو الأم خاصة إذا كانت هي المسؤولة والمشرفة على إعطاء الدواء لابنها فهم محتويات ومضمون الوصفة لأن هناك مصطلحات طبية لن تجد لها معنى إلا في المعاجم الطبية ولكن لو كانت النشرة المرفقة باللغة العربية فمن السهل جدا معرفة كل ما يتعلق بالدواء.
وتطالب نجاح وزراء الصحة في الدول العربية بضرورة إصدار قوانين وتشريعات جديدة تطالب وتلزم الشركات الأجنبية المصدرة للأدوية بترجمة النشرات الطبية المرفقة مع الأدوية إلى اللغة العربية أسوة بما يحدث مع الكثير من السلع الأخرى والتي هي اقل أهمية من الدواء.
وتقول أم عبد الله «مواطنة وتعمل في إحدى الدوائر المحلية وأم لثلاثة أطفال»: موضوع ترجمة النشرة الطبية المرفقة مع الدواء إلى اللغة العربية أمر في غاية الأهمية ولا نرى سببا واحدا لعدم المطالبة بذلك. وتضيف طبعا دول الخليج بإمكانها فرض شروطها على الشركات الموردة للأدوية لأنها تشتري كميات كبيرة وعن طريق لجنة الشراء الخليجي الموحد والدول العربية بإمكانها أيضا التحرك من خلال وزراء الصحة العرب ومقاطعة الشركات التي لا تلتزم بترجمة نشراتها إلى اللغة العربية واعتقد، والكلام لأم عبدالله، أن المسألة ليست معقدة إلى هذا الحد ولكن المهم التحرك.
ويقول حسام سعيد حسن «موظف» صحيح أن من مسؤولية الطبيب كتابة الجرعة المناسبة لعمر المريض وإرشاده لكيفية استعمال الدواء ولكن هناك بعض الأمور يجب على المريض الإلمام بها خاصة فيما يتعلق بتركيبة الدواء ومضاعفاته والتداخلات التي يمكن أن يتسبب بها في حال تعاطي الشخص أدوية أخرى. الأدوية العربية غالبا ما ترفق بها نشرة في اللغتين العربية والإنجليزية ولكن هذه الأدوية للأسف لا تشكل سوى 20 % من الأدوية المتداولة في السوق المحلية، وبالتالي يجب إلزام الشركات الموردة بترجمة النشرات المرفقة ومن حقنا كعرب أن نطالب بذلك طالما أن الأمر يتعلق بالصحة العامة.
ترجمة معتمدة
الدكتور علي احمد بن شكر وكيل وزارة الصحة أكد لـ «البيان» أن قانون الصيدلة المتوقع إصداره خلال الأشهر المقبلة بعد إقراره من قبل مجلس الوزراء يتضمن بنودا تلزم الشركات الموردة للأدوية بترجمة النشرات الطبية المرفقة مع الأدوية إلى اللغة العربية بجانب اللغة الإنجليزية، كما يشترط أن تكون الترجمة مصدقة ومعتمدة من قبل جهات دولية معترف بها لضمان دقة الترجمة خاصة وان أي خطأ في الترجمة من الإنجليزية إلى العربية قد يعرض حياة المريض للخطر. وقال: إن الوزارة ستقوم بعد صدور القانون وبالتعاون والتنسيق مع إدارة الإعلام بالوزارة بمخاطبة جميع الشركات الموردة للأدوية لمباشرة ترجمة النشرات المرفقة باللغة الإنجليزية أو أية لغات أخرى إلى العربية مشيرا إلى أن هذه الإجراءات لم يكن معمولا بها من قبل بسبب غياب قانون الصيدلة الذي ينظم طبيعة عمل هذه المهنة ومتعلقاتها.
وأكد وكيل الوزارة أن الأمر قد لا يكون بتلك السهولة خاصة بالنسبة للأدوية التي تحتوي على نشرات باللغة اليابانية أو الصينية ولكنه أكد إصرار وعزم وزارة الصحة على إلزام جميع الشركات بغض النظر عن جنسياتها لترجمة النشرات الطبية المرفقة إلى اللغة العربية. وأكد الدكتور علي بن شكر عزم وزارة الصحة على الارتقاء بجميع الخدمات العلاجية في الدولة خلال الفترة المقبلة مؤكدا بأن دولة الإمارات وبمجرد إصدار القانون ستكون من أوائل الدول العربية التي ستلزم الشركات الموردة للأدوية على ترجمة النشرات المرفقة إلى اللغة العربية.
الدكتور توفيق بن احمد خوجة مدير عام المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون الخليجي أكد أن هناك قوانين وقرارات بهذا الشأن صادرة من قبل مجلس وزراء الصحة العرب ومجلس وزراء الصحة في دول مجلس التعاون ولكن هذه القرارات بحاجة إلى تفعيل. وأضاف الدكتور توفيق ان هناك بعض الملاحظات على النشرات المرفقة باللغة العربية مع بعض الأدوية ومنها قلة المعلومة وصغر حجم الكتابة وخلوها من التحذيرات وتداخل الأدوية فيما بينها والجرعات وطريقة تناول الدواء (قبل أو بعد الطعام) أو الأدوية التي تتفاعل وتتأثر مع بعض نوعيات الأطعمة، علاوة على ضعف المعلومات الخاصة بطرق تخزين الأدوية بمختلف أنواعها الحبوب والشراب والحقن ودرجات الحرارة المناسبة لحفظها وتخزينها.
تداخل الأدوية
ويقول الدكتور علي السيد مدير إدارة الصيدلة في دائرة الصحة والخدمات الطبية: معظم الشركات العربية المصنعة للأدوية غالبا ما تقوم بكتابة الأوراق التي يتم إرفاقها مع الدواء باللغتين العربية والإنجليزية وهذا بطبيعة الحال أفضل لأنه يمكن المريض أو أهله من معرفة تركيبة الدواء والمضاعفات التي قد يتسبب بها في حال تداخل الدواء مع بعض الأدوية الأخرى التي يتناولها المريض أو الحالات التي يحذر فيها استخدام الدواء، كأن يكون الشخص مثلا يعاني من بعض الأمراض المزمنة والجرعات المناسبة لعمر المريض وغيرها.
ويضيف: صحيح أن اللغة الإنجليزية هي لغة عالمية ولكن هناك شريحة كبيرة من المجتمع لا تجيد اللغة الإنجليزية وإنْ أجادتها فهناك مصطلحات طبية تحتاج إلى طبيب لترجمتها وبالتالي من الضرورة بمكان الاشتراط على الشركات المصنعة للأدوية ترجمة النشرات المرفقة مع الدواء إلى أكثر من لغة، ويهمنا طبعا في المنطقة العربية اللغة العربية. وقال ان 80% من الأدوية المتداولة في سوق الإمارات بشكل خاص ودول الخليج بشكل عام هي أدوية يتم تصنيعها في الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة وبعضها يأتي من دول آسيا ولكن هذا لا يمنع من مطالبة تلك الشركات ومن خلال الموردين المعتمدين لها في الدولة من ترجمة تلك النشرات من قبل مكاتب للترجمة معتمدة ومعترف بها من قبل الجهات الرسمية لضمان صحة ودقة الترجمة.
وقال الدكتور علي السيد: إن الطبيب يقوم بكتابة الوصفة الطبية للمريض بعد التقصي والتحقق من الأمراض والأدوية الأخرى التي يتناولها المريض حتى يتسنى له كتابة الأدوية والجرعات المناسبة له، كما أن الصيدلي يقوم بكتابة الجرعات الموصى بها من قبل الطبيب على علبة الدواء ويقوم بتوضيح كل الأمور المتعلقة بمواعيد تناول الدواء سواء كان مثلا قبل الآكل أو بعده والوقت الذي ينبغي أن يأخذ فيه الدواء، خاصة وان هناك مضادات حيوية تؤخذ ثلاث مرات باليوم أي بمعنى كل ثماني ساعات ومضادات أخرى تؤخذ مرتين كل 12 ساعة وهكذا.
حق المريض
ويقول الدكتور علي السيد: من حق المريض الاستفسار عن كل المعلومات المتعلقة بالدواء والمضاعفات التي قد يتسبب بها، مشيرا إلى أن دائرة الصحة والخدمات الطبية وقعت مؤخرا وثيقة حقوق المرضى وواجباتهم والتي تعطي المريض الحق في الاستفسار عن كل ما يتعلق بمرضه والأدوية التي سيتناولها والمضاعفات وغيرها، وفي حال رفض الطبيب ذلك؛ بإمكان المريض تقديم شكوى بالطبيب إلى لجنة المضاعفات والوفيات التي تقوم بالنظر في الشكاوى التي تقدم لها على القطاعين العام والخاص.
وأشار مدير إدارة الصيدلة إلى أن الدائرة لم يسبق لها مطالبة الشركات الأجنبية بضرورة ترجمة النشرات الطبية المرفقة مع الأدوية إلى اللغة العربية ولكن لا يوجد هناك تحرك خليجي ولا حتى عربي على هذا الموضوع ومطالبة للشركات المصدرة للأدوية بضرورة ترجمة النشرات المرفقة مع كل صنف من أصناف الأدوية إلى اللغة العربية، واعتقد ان على دول الخليج ومن خلال لجنة الشراء الخليجي الموحد للأدوية إلزام الشركات التي تتعامل معها من ترجمة تلك النشرات إلى اللغة العربية طالما أن هناك فائدة تعود جراء ذلك على المواطنين والمقيمين.
سلاح ذو حدين
الدكتور احمد علي عبد اللطيف مستشار منظمة الصحة العالمية في القاهرة أكد بدوره حق المريض في معرفة كل الأمور المتعلقة بالدواء الذي سيتناوله، ليس بالضرورة عن طريق ترجمة النشرات المرفقة مع الدواء إلى اللغة العربية وإنما يجب أن يتم ذلك من خلال العلاقة التي تربط الطبيب المعالج مع المريض، وتقع على الطبيب مسؤولية تعريف المريض بدواعي استعمال الدواء ومكوناته والمضاعفات التي قد يتسبب بها بموجب البروتوكولات العالمية المتعلقة بحقوق وواجبات المرضى والتي هي في رأيي أهم بكثير من ترجمة النشرة المرفقة مع الدواء إلى اللغة العربية.
ويضيف ان قرار الطبيب يعتبر قرارا طبيا لأنه يقوم بدراسة الحالة البيولوجية والفيزيولوجية للمريض وبالتالي النشرة الطبية تكون عامة وهناك تخوفات دائما من النشرات التي يتم إرفاقها مع الدواء من تحول المريض إلى طبيب بمعنى أن المريض بعد قراءة النشرة قد يتوقف عن تناول الدواء خاصة إذا وجد أن هذا الدواء يسبب بعض الأعراض أو المضاعفات، وقد يقوم بتغيير أو شراء دواء آخر وفقا لفهمه للنشرة ودون استشارة الطبيب وهذا سيكون له نتائج عكسية على صحة وسلامة المريض.
بعض الأدوية مثلا تسبب العقم في حال استخدامها لفترة طويلة ومثل هذه الأدوية توصف من قبل الأطباء لفترات محدودة لأن قرار استخدام الدواء هو قرار فني للطبيب ولكن في حال اكتشف المريض من خلال النشرة أن هذا الدواء له أعراض ومضاعفات تصل إلى العقم فقد يتوقف من تلقاء ذاته عن تناول الدواء، وهذا مكمن الخطر كما يقول.
تحقيق: عماد عبد الحميد
