عندما جاء من بلاده كان محملاً بالآمال العريضة كي يصبح ثرياً، وكان وضع خطة محكمة من أجل هذا الهدف، فطوال سنين دراسته في كلية التجارة قسم محاسبة، عرف كيفية تكوين الفلوس، وعندما بدأ يعمل ويكسب عرف كم هي جميلة وغالية على النفس، وكان (س) يعرف أن عمله محاسباً لن يجعله ثرياً كما يريد، فهو في نهاية الأمر موظف في إحدى الشركات وراتبه محدود مهما بلغ حجمه ومهما استطاع أن يدخر فلن يستطيع أن يدخر مبلغاً كبيراً يجعله من أصحاب الملايين.
بداية المشروع
بدأ (س) يخطط لإنشاء مشروع يكون عائده بالكامل له هو وحده، وبذلك يمكنه فقط أن يحقق آماله كي يصبح غنياً، لذا عندما كان يعود من عمله كل يوم ويضع رأسه على الوسادة، يبدأ في حساب ما لديه من فلوس وكم سيأخذ إذا استقال من الشركة وكم سيحتاج إلى المشروع؟.. الخ، ولأن (س) غير متزوج ولا يقيم مع أسرته هنا فقد كانت كل أفكاره تدور في رأسه ولا تخرج لأي شخص وتعود على الحرص والحيطة في كل شيء، وهو يؤمن إيماناً كاملاً بأن السر إذا خرج من فم شخص سيعرف ألف شخص به، لذا أبقى أفكاره حول مشروعه سراً حتى يحققها بنفسه، وفي نهاية الأسبوع ذهب (س) إلى فندق درجة ثالثة وأخذ معه آلة حاسبة وبعض الأوراق والأقلام وبدأ يضع التفاصيل النهائية لمشروعه.
وبعد أن أعد كل شيء وجد بأن عليه كي ينفذ المشروع أن يمتلك مبلغاً كبيراً من المال، وعندما قارن المبلغ المطلوب والمبلغ الذي معه وجد بأن الفرق بينهما كبير، لذا عدل عن رأيه وبدأ يفكر في مشروع اخر، وهكذا اهتدى إلى فكرة جيدة وهي أن يفتح مكتباً للمحاسبة ويعرض خدماته على الشركات المختلفة، وعندها سيجد أن المكتب يُدر عليه مبالغ كبيرة، وبعد ذلك يمكنه أن ينفذ المشروع الضخم الذي في رأسه والذي سيجعله مليونيراً.
وعندما قام بدراسة (جدوى المشروع) وجد أنه ممكن، خاصة وأن مكتب المحاسبة لن يحتاج مبالغ كبيرة لتأسيسه، وأن المبلغ الذي معه والمبلغ الذي سيأخذه من الشركة بعد استقالته منها سيكون كافياً تقريباً لتأسيس مكتب للمحاسبة.
في أحد الأيام ذهب (س) إلى مدير الشركة وقدم له استقالته وعندما عرف المدير بنية (س) فتح مكتب للمحاسبة قال إن عليك أن تفتح مكتباً محترماً فالمظاهر مهمة جداً هذه الأيام، لذا عليك أن تختار مكتباً فخماً وفي مكان راقٍ، وفي عمارة راقية، وأن تؤثثه بأغلى الأثاث وأن يكون لديك سيارة حديثة وماركة معروفة، فكل هذه المظاهر مهمة جداً حتى يثق بك بعض مديري الشركات ويعطوك عملاً تبدأ به في مكتبك. ثم إن الحفلات وتقديم الهدايا بمناسبة ومن دون مناسبة ستجلب لك الكثير من صفقات العمل، فإياك أن تبخل بالعطاء وإلا فإنك لن تأخذ شيئاً ثم وقع المدير كتاب الاستقالة متمنياً ل(س) كل التوفيق، لكن (س) أصيب بصدمة مما قاله المدير، فكيف يأتي بكل هذه الأموال من أجل مكتب فخم في مكان راقٍ وسيارة حديثة وأثاث غالٍ، لذا تمنى لو أنه لم يقدم استقالته، لكن ما دام الأمر قد تم فلا مجال للتراجع.
صديق يحل أزمته
عاد (س) إلى بيته مغموماً فلا هو بقي في وظيفته ولا هو قادر على عمل المشروع بالمواصفات التي قال عنها المدير، وبينما هو غارق في أفكاره جاءه صديق تعرف عليه أثناء عمله في الشركة، وعندما وجد (أ) (س) في وضع نفسي غير جيد سأله عن السبب، وهنا اضطر (س) لإخباره بما حصل له، فقال له (أ) الأمر في غاية السهولة يمكنك أن تأخذ قرضاً من البنك وتبدأ مشروعك وأنت واثق من النجاح، إلا أن (س) أخبره بأنه لا يفكر في الحصول على قرض من البنك، وذلك لأن فوائد البنك عالية وستأخذ مبلغاً كبيراً من رأس المال، فقال له (أ) إذاً استلف من صديق، فرد عليه (س) ان المبلغ كبير ولا أحد يمكن أن يسلفه إياه، وهنا ظهرت في رأس (أ) فكرة رائعة وهي أن يقوم بإقناع بعض الأصدقاء الذين يعرفهم بعمل جمعية بمبلغ كبير على أن يتسلم (س) أول دفعة ثم يقوم بعد ذلك بسداد كل شهر المبلغ الذي عليه، وهكذا يكون لديه مبلغ كبير يبدأ به مشروعه وفي الوقت ذاته لا يلتزم بمبلغ كبير للبنك. شكر (س) صديقه (أ) على هذه الفكرة الرائعة وطالبه بالقيام بتنفيذها فوراً حتى يستطيع أن يبدأ في تنفيذ مشروعه. بعد أقل من أسبوع كان (أ) قد اتصل بجميع الأشخاص الذين يعرفهم وطلب منهم أن يأتوا إلى أحد الفنادق لدعوتهم إلى طعام العشاء.
حضر المدعوون وكان معظمهم لا يعرفون (س) الذي حضر هو الآخر. وكان هدف (أ) من وراء هذه الدعوة أن يعرف أصدقاءه على (س) كي يقبلوا مشاركته بالجمعية ولكي يثق الجميع بـ (س) وقال (أ) بأنه هو الذي سيتسلم المبالغ المالية منهم وذلك لأنهم يعرفونه وكي يحفظوا حقوقهم فإن (س) سيقوم بكتابة شيكات تصل إلى (24) شيكاً حتى تنتهي الجمعية وسيأخذ كل واحد منهم شيكاً مستحق الدفع أول كل شهر وأضاف (أ) بأنه في حالة رجوع أي شيك من شيكات (س) فإنه هو الذي سيقوم بتسديد المبلغ. وافق الحضور على ذلك وقام (س) بكتابة (24) شيكاً أعطى كل واحد من الحضور شيكاً باسمه وهكذا بدأ (أ) يجمع المبالغ المالية من أعضاء الجمعية ليقدم لصديقه في نهاية المطاف مبلغاً كبيراً يبدأ به مشروعه، عاد (س) إلى بيته فرحاً بهذا الإنجاز مقدراً لصديقه (أ) وقفته معه ومساعدته له في مشروعه.
أفكار لم تتحقق
في اليوم الثاني اتصل (أ) بصديقه (س) طالباً منه أن يبحث عن مكان جيد ليكون مكتباً للمحاسبة في حين ذهب (أ) ليبحث عن أثاث أنيق يناسب المكتب، بعد يومين من البحث المضني تمكن (س) من إيجاد شقة في مكان راق وبسعر معقول فاتصل بصديقه (أ) ليطلعه على الأمر حيث تواعدا أن يلتقيا في المساء في أحد المقاهي، في الموعد المحدد جاء الرجلان وبدآ يرسمان طريقة عملهما حيث طلب (س) من صديقه (أ) أن يترك العمل وأن يعمل معه فأخبره (أ) بأنه ترك العمل في الشركة التي يعمل فيها منذ ثلاثة أشهر وأنه الآن بدون عمل فاتفقا على أن يعملا معاً في المكتب على الرغم من أن (أ) لا يعرف شيئاً عن أمور المحاسبة إنما كان الاتفاق أن يكون منصبه إدارياً. قبل أن تنتهي الجلسة طلب (أ) من (س) أن يعطيه مبلغاً من المال ليدفع ثمن الأثاث، فقال له (س) ادفع من فلوس الجمعية التي معك، فقال له (أ) هذه الفلوس بكاملها محجوزة لطلبات المكتب ولدفع فواتير الكهرباء والكمبيوتر ولدفع أول ستة أشهر من الإيجار، عندها ذهب (س) إلى البنك وسحب مبلغاً من المال وأعطاه لـ (أ) وقبل أن ينصرفا اتفقا على أن يلتقيا في صباح اليوم الثاني في الشقة التي ستكون مكتباً للمحاسبة حيث سيكون (س) في الانتظار هناك حتى يأتي (أ) بالأثاث.
في اليوم المقرر ذهب (س) باكراً إلى مكتبه الموعود ورغم أن الشقة كانت خالية من الأثاث إلا أنها كانت مملوءة بالأمل، في أن تصبح في القريب العاجل مكتباً يرتاده مدراء الشركات الكبرى ويصبح اسم المكتب على كل لسان، فجأة انتبه (س) إلى ساعته فوجدها تشير إلى العاشرة صباحاً فقام بالاتصال على هاتف (أ) النقال ليعرف إذا تأخر فوجد الهاتف لا يرد فعرف أن صديقه مشغول في الإشراف على تحميل الأثاث ومحاسبة العمال وغير ذلك فاطمأن إلى أن الأثاث سيأتي قريباً، وفي هذه الأثناء بدأ يفكر كم يعطي صديقه مرتباً فوجد بأنه مهما أعطاه من مال فإنه يستحق الأكثر فهو الذي أنقذه من مشكلة الفلوس التي كان سيدفعها للمكتب وهو الذي رتب الجمعية مع أناس هو (أي س) لا يعرفهم، انتصف النهار ولم يأت (أ) ومع أن هاتفه (يرن) إلا أن أحداً لم يجب وهنا بدأ الخوف يتسرب إلى نفس (س) فقد يكون مكروهاً وقع لصديقه (أ)، انتظر حتى الساعة الثالثة بعد الظهر فما كان منه إلا أن ذهب إلى المستشفيات يسأل عنه لكنه لم يجده هناك فحمد الله على سلامة صديقه.
عند ذلك توجه إلى حيث يسكن مع بعض العزاب فأخبروه بأنه لم يعد من الأمس، حتى أن ملابسه وحقيبة سفره غير موجودة، وقعت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس (س) فهل يعقل أن يكون صديقه أخذ كل هذه الأموال وتركه في ورطة ليس لها أولاً ولا آخراً، فكر (س) في الموقف الذي سيصل إليه لو أن هذا الأمر حصل، فما كان منه إلا أن أصيب بدوران أقعده على الأرض.
الهروب
حاول من كانوا في الشقة إسعاف (س) فأخبرهم وهو لا يكاد ينطق بالكلام عن مخاوفه، وهنا قام أحدهم ليبحث عن جواز سفر (أ) فهو يعرف أين يضعه وبعد البحث قال للجميع إن جواز سفر (أ) غير موجود وهذا يعني أن الرجل سافر ومعه كل الأموال المتحصلة من الجمعية اضافة إلى المبلغ الذي أخذه من أجل دفع ثمن الأثاث، حاول الرجال إنقاذ (س) الذي تردت حالته إلى أسوأ ما يكون لكنهم لم يتمكنوا، فما كان منهم إلا أن اتصلوا بالشرطة التي جاءت ومعها سيارة إسعاف، تم نقل (س) إلى المستشفى بين الحياة والموت، وبدأت الشرطة تأخذ أقوال الرجال الذين كانوا مع (أ) ثم الاتصال بالمطارات فعرفت الشرطة من خلال (منفستو) (manafesto) المسافرين بأن (أ) غادر البلاد منذ أكثر من خمس ساعات وأنه لم يتوجه إلى موطنه وإنما توجه إلى إحدى الدول الأوروبية الشرقية، ويبدو أنه قام بذلك لإخفاء طريق هروبه، حتى لا تتبعه الشرطة الدولية في موطنه، ومن تلك الدولة قد يسافر إلى دولة أخرى، وهكذا، فالمبلغ الذي معه كبير ويستحق المجازفة، على الجانب الآخر أفاق (س) من غيبوبته فعرف ما حدث وكيف أن صديقه (أ) هرب بكل شيء بعد خروجه إلى المستشفى، بدأ (س) يفكر كيف سيسدد المبلغ الذي كتب به (24) شيكاً لأفراد الجمعية وهو مبلغ كبير كما أنه الآن بدون عمل وحتى المبلغ الذي كان معه في البنك أخذ منه (أ) جزءاً ليدفع ثمن الأثاث كما قال.
بداية الأزمة
بعد أيام استحق دفع الشيكات، وبدأ أفراد الجمعية يطالبون (س) بدفع المبالغ المستحقة عليه، فما كان منه إلا أن قام بسحب كل ما تبقى من رصيده من البنك وأعطى بعض الأشخاص جزءًا من أموالهم على أمل أن يمهلوه حتى يتدبر الامر، قام (س) ببيع سيارته وبيع أثاث بيته وحتى ساعته وجزء من ملابسه إلا أن ذلك لم يكن ليغطي إلا قدراً يسيراً من الشيكات الـ (24) وأخيراً تقدم أصحاب الشيكات إلى الشرطة مطالبين بحقوقهم، وقف (س) يحكي لضابط الشرطة ما حل به، فقال له الضابط رغم تعاطفي معك إلا أن هؤلاء الأشخاص يجب أن يأخذوا حقوقهم وذلك بموجب (الشيكات) التي معهم، فطلب (س) من الضابط أن يمهله أسبوعاً واحداً فقط، ورأفة بحال (س) وافق الضابط على ذلك، وقبل أن ينتهي الأسبوع اتصل (س) بأصحاب الشيكات وطلب منهم أن يأتوا الساعة التاسعة مساءً إلى سكنه.
حيث سيأخذون فلوسهم، في الموعد المحدد ذهب الجميع إلى شقة (س) وكلهم أمل في أن تنتهي هذه المشكلة على خير، عند الساعة التاسعة قرع أحدهم جرس الباب إلا أن أحداً لم يفتح فقرع الجرس مرة ثانية وثالثة، لكن لا يجيب وهنا أحسوا بأن في الأمر خدعة لكنهم فضلوا أن ينتظروا بعض الوقت على باب الشقة فلعل ظروفا ما أخرت مقدم (س) أصبحت الساعة تشير إلى العاشرة ولم يأت الرجل وهنا حاول أحدهم من غضبه أن يكسر باب الشقة لكنه ما كاد يضع يده على أكر الباب حتى انفتح أمامه فقد كان باب شقة (س) مفتوحاً، دخل الرجال بحذر وهم ينادون على (س)، بحثوا في الغرف وأخيراً اتجهوا إلى غرفة النوم حيث وجدوه نائماً في سريره، عندما حاولوا إيقاذه وجدوه ميتاً، وهنا قاموا بالاتصال بالشرطة التي جاءت وبدأت التحقيق، حيث تبين أن (س) انتحر بأخذ كمية كبيرة من حبوب (..) كما وجدت الشرطة بجانب سريره رسالة تقول لأصحاب الديون: أرجوكم سامحوني فقد خدعني (أ) كما خدعكم.
سُجلت القضية على أنها انتحار بواسطة حبوب (..) وبقي (س) في المستشفى ينتظر من يدفنه في حين ذهب أصحاب الديون وهم يتجرعون الألم على أموال ضاعت وعلى رجل فقد شبابه ودينه لأنه وثق بصديق له هو غير أهل للثقة.
اعداد : أحمد سلمان
