الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام وأكرمنا بخير نبي لخير أمة وأتم نعمته علينا بأن أعطانا القدرة على أداء فريضة الحج وهي الركن الخامس والأخير من أركان الإسلام بعد أن رفع سيدنا إبراهيم قواعد البيت الحرام فأمره الله سبحانه وتعالى بأن يؤذن في الناس بالحج فقال تعالى «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق» سورة النساء.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه «الحجاج والعمار وفد الله، ان دعوه أجابهم وان استغفروه غفر لهم».
فالحج فريضة من الفرائض التي فرضها الله علينا ومن أدى هذه الفريضة ولم يرفث ولم يفسق وسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه يرجع من الحج وليس عليه ذنب ويكون نقياً من الذنوب والآثام لأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وماذا يريد المسلم بعد هذا الجزاء، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
فإن كان المسلم يؤدي الفرائض التي فرضها الله عليه فإن أداء هذه الفرائض يغسل المسلم من خطاياه، ولكن تبقى كبائر الذنوب، وحين يؤدي المسلم فريضة الحج فإن الله سبحانه وتعالى يغفر للمسلم جميع ذنوبه الصغيرة منها والكبيرة ويصير المسلم طاهراً من الذنوب والخطايا التي ارتكبها في حياته.
وإذا أدى المسلم فريضة الحج وأتم المناسك، فعليه أن يحافظ على الحج وعلى هذه الفريضة التي أداها لأنه لا يعلم إن كان في العمر بقية لأداء الحج مرة أخرى أم لا، فهذه النعمة العظيمة التي منحها الله عز وجل للمسلم يجب عليه أن يغتنمها ولا يفرط فيها، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذبنه».
«المقصود أن يغير المسلم من سلوكه وتعامله مع الآخرين إلى الأفضل والأحسن».
فإذا كان الله عز وجل قد أنعم على المسلم بهذا العطاء الذي ليس له جزاء إلا الجنة، فما هو واجب المسلم في الحفاظ على هذا الفوز العظيم الذي منحه الله عز وجل للمسلم بعد أداء فريضة الحج؟
فإذا رجع المسلم إلى وطنه بعد أداء هذه الفريضة كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ولم يرتكب أي إثم وأتم شعائر الحج وتضرع إلى ربه ودعاه وطلب عفو ربه ورضاه وعاد إلى وطنه فإن على المسلم أن يحافظ على هذه الفريضة، وذلك بأن يتغير في سلوكه وتعاملاته التي كان يتعامل بها قبل الحج إن كانت غير مقبولة وأن يتذكر دائما أنه رجع من حجه وليس عليه ذنوب، وإن هذا الفضل من الله وهذه الهبة يجب المحافظة عليها فلا يضيع هذا الجزاء العظيم بارتكاب ذنوب أخرى في حياته بعد الحج وأن يبدأ مرحلة جديدة في حياته يكون أساسها عمل الخيرات والمعاملة الطيبة مع الناس وأن يحافظ بقدر استطاعته على حجه، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
وليعلم الحاج أن الذي أدرك أداء هذه الفريضة وفاز بعفو ربه وغفرانه يكون من الذين انعم الله عليهم فيجب علينا أن نحافظ على حجتنا ونتذكر دائماً أن الآجال والأعمار بيد الله سبحانه وتعالى ولا يعلم أحد منا متى يأتيه أجله ويفارق هذه الدنيا ويقابل خالق الموت والحياة ويتذكر أيضاً أن الدنيا دار الفناء والآخرة دار البقاء ولا ينفع الإنسان إلا عمله الصالح فالمال لا ينفع والأبناء لن ينفعوا في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
قال تعالى: «يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل أمريء منهم يومئذ شأن يغنيه» (سورة عبس). فلن ينفعك أيها المسلم إلا عملك الذي قدمته في الدنيا فلا تغرك الدنيا مرة أخرى بزينتها وكن حريصاً على رضاء الله عز وجل ولا تفرض فيما حصلت عليه من عفو ربك بعد أدائك فريضة الحج.
فالحج رحلة يرجع منها المسلم وقد ألقى عن كاهله أوزاره وتطهرت صحائف أعماله وأصبحت بيضاء وخالية من الذنوب والمعاصي فالواجب عليك أيها المسلم أن تبقى عليها بيضاء ولا ترتكب من الأخطاء والذنوب ما يلوث ويعكر صفو صحائف أعمالك.
وجاهد نفسك من أجل أن تحافظ على حجك الذي أديته ولا تنشغل بهموم الدنيا مرة أخرى وتنسى حقوق الله عز وجل وهذا يتطلب منك الحرص والعزم على إرضاء الله عز وجل وأداء أوامره والابتعاد عن نواهيه.
ولكن أخي ـ أختي المسلمة: ليس معنى كلامي هذا أن يعود المسلم من الحج ويلزم المسجد أو البيت ولا يخرج منه طوال اليوم والليل ويترك عمله ومصدر رزقه الذي يعيش منه هو وأسرته. ليس هذا هو المقصود وإنما المقصود أن يغير المسلم من سلوكه وتعامله مع الآخرين للأفضل والأحسن، فإن كان في سلوكه قبل الحج شيء غير صحيح وغير مستقيم فيجب عليه أن يغير هذا السلوك بعد الحج.
فيبتعد المسلم عن كل الأمور والمعاملات التي من شأنها أن يحمل المسلم بسببها إثما أو ذنبا جديدا سواء كانت معاملات مالية أو علاقات شخصية وعلى المسلم بعد الحج أن يتحرى الحلال في كل شيء في ملبسه ومأكله وأن يحرص أن يكون الحلال هو طريقه في كل شيء في حياته وأن يبتعد عن الحرام ويطلب دائماً الحلال في كل أمر من أمور الحياة الدنيا.
بالإضافة إلى ذلك على المسلم بعد رجوعه من الحج أن يزيد من عمل الخير وأن يكون عفو ربه وغفرانه لجميع ذنوبه دافعا له لفعل المزيد من الخيرات فلا يركن المسلم ويقول ان الله غفر لي ذنبي وهذا يكفيني، بل يجب عليه أن يشكر ربه على هذا الفضل، وشكر الله يكون بالتقرب إليه بالطاعات وعمل الخيرات وترك المنكرات.
فعليك أيها الحاج بعد عودتك من هذه الرحلة العظيمة إلى بيت الله أن تكثر من فعل الخير وتتقرب إلى الله عز وجل وتبدأ بالمعاملة الحسنة مع غيرك لأن الدين المعاملة وهذه المعاملة الحسنة تبدأ بها من البيت الذي تعيش فيه فالعشرة بالمعروف بين الزوجين والتسامح والعفو والإخلاص في العمل هو أساس الأسوة الإسلامية.
وكذلك يبدأ المسلم بمن حوله من الأهل فيعمل على صلة الأرحام ويحافظ عليها وكذلك الجيران فيحسن معاملة الجار وعدم إيذائه بالقول أو الفعل وكذلك كل من يتعامل معهم، ويبتعد عن الغرور والكبرياء والرياء ويكون عمله خالصاً لله تعالى.
تقبل الله منا ومنكم الحج وغفر لنا ولكم انه سميع قريب مجيب الدعاء.
رايه المحرزي
الواعظة بوزارة الأوقاف
