اتجهت بوصلة الاستراتيجية الجديدة في العراق، التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج بوش فجر أمس، نحو إيران وسوريا، بعد تعهده الصارم بوقف ما وصفه بتدخلاتهما في الشأن العراقي، مسقطاً توصيات لجنة «بيكر ـ هاملتون»، فضلاً عن تذكيره بالحشود البحرية في الخليج ونشر صواريخ دفاعية لـ «طمأنة الحلفاء». وتبدأ اليوم وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس بجولة في المنطقة لبناء الدعم الاقليمي لخطة بوش الجديدة. وفي نفس ساعة إعلان الاستراتيجية اقتحمت القوات الأميركية القنصلية الإيرانية في كردستان العراق واعتقلت خمسة من موظفيها ثم نقلتهم إلى بغداد بعد تشاحن مع القوات الكردية، كما شنت غارات على أحياء في مدينة الصدر.

وفي إستراتيجيته التي نالت تأييد بريطانيا واليابان واستراليا وتنديد طهران وانتقاد موسكو، أمر بوش بإرسال أكثر من 20 ألف جندي أميركي إضافي لقمع المتمردين جميعاً، وهو ما اعترض عليه خصومه الديمقراطيون وتوعدوه بحملة مضادة.

وقال بوش: إن«النجاح في العراق، يتطلب الدفاع عن وحدة أراضيه وسلامتها وإحلال الاستقرار في المنطقة في مواجهة تحدي التطرف. وهذا يبدأ بالاهتمام بسوريا وإيران. هذان النظامان يسمحان للإرهابيين والمتمردين باستخدام أراضي بلديهما لدخول العراق والخروج منه. إيران تقدم مساعدة مادية للهجمات على القوات الأميركية. سنوقف الهجمات على قواتنا وسنوقف تدفق الدعم من إيران وسوريا وسنكشف الشبكات التي تقدم الأسلحة المتطورة وتدرب أعداءنا في العراق، وندمرها».

وأضاف:«وسنتخذ أيضا خطوات أخرى لتعزيز الأمن في العراق وحماية المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. أمرت أخيرا بنشر مجموعة ضاربة إضافية من حاملات الطائرات في المنطقة. سنوسع تقاسم المعلومات الاستخباراتية وسننشر أنظمة صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ لطمأنة حلفائنا وأصدقائنا. سنعمل مع حكومتي تركيا والعراق لمساعدتهما على حل مشكلاتهما على طول الحدود بينهما. وسنعمل مع آخرين لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية ومن الهيمنة على المنطقة».

وفيما بدا تطبيقاً فورياً لما ورد في الاستراتيجية الأميركية، اقتحمت قوات من الجيش الأميركي تساندها مروحيات في الساعة الرابعة من فجر أمس (بالتوقيت المحلي) مبنى القنصلية الإيرانية في مدينة أربيل، مركز إقليم كردستان العراق، واعتقلت خمسة موظفين، واستولت على وثائق وأجهزة حاسوب، قبل أن تغادر المكان الذي فتشته بدقة، فيما فرضت السلطات الكردية طوقاً أمنياً على كل المنافذ المؤدية للمبنى.

وقال مصدر قريب من حكومة كردستان إنه لم يكن لديها أي معلومات مسبقة عن الهجوم. وأضاف المصدر ان قوات خاصة تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني طوقت القوة الأميركية لمنعها من شن المزيد من الغارات على قنصليات دول أخرى.

وفي طهران ردت القيادة الإيرانية باستدعاء دبلوماسيين يمثلون المصالح الأميركية من أجل تقديم احتجاجها. وندد الناطق باسم الخارجية الإيرانية محمد علي حسيني بالهجوم ووصفه بأنه مناف للأعراف الدبلوماسية. كما أكد القبض على الموظفين الخمسة ولكنه لم يعط مزيداً من المعلومات بشأن مكانهم أو احتمال نقلهم خارج أربيل.

وذكرت قناة «العالم» الفضائية الناطقة باللغة العربية، أن موظفي القنصلية نقلوا إلى بغداد رغم أن قوات تابعة لرئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني حاولت منع نقلهم.

وقال حسيني لوكالة أنباء الطلبة الإيرانية الرسمية «إسنا» إن كل الاتهامات الأميركية التي تزعم تدخل إيران في شؤون العراق كانت مجرد مبرر لإخفاء فشل الولايات المتحدة في العراق. وذكرت وكالة «مهر» الإيرانية للأنباء أن مجلس الشورى الإسلامي ندد بعملية الخطف، مؤكداً أن هذه الخطوة تنافي كل الأعراف والمواثيق الدولية.

وفي وقت لاحق نفى ناطق باسم البنتاغون ان يكون المبنى الذي دهمته القوات الأميركية ليل الأربعاء الخميس في أربيل بكردستان العراق، هو مبنى القنصلية الإيرانية.

وقال الناطق باسم البنتاغون بريان ويتمان «يمكنني ان اؤكد لكم استناداً إلى

قواتنا هناك ان المبنى (المستهدف) ليس مبنى قنصلية أو مبنى حكومياً». وأضاف ويتمان انه لا يعرف جنسية الأشخاص الستة الذين اعتقلوا خلال المداهمة لكنه قال انه «يشتبه ان لهم علاقات وثيقة بالأنشطة التي تستهدف العراق وقوات التحالف».

وعقب ذلك بساعات، وبعد قليل من الغارة الأميركية، قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، التي تصل إلى المنطقة اليوم للتسويق لاستراتيجية بوش ان الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي في حال عملت طهران على تخريب جهود واشنطن الجديدة من أجل استقرار العراق.

وقالت رايس ان واشنطن مصممة على إفشال ما وصفته بأنه «اعتداء إقليمي» تنفذه إيران، ورفضت التعليق على عملية أربيل.

كذلك رفضت رايس في ثلاثة لقاءات تلفزيونية صباح أمس، استبعاد تحرك عسكري أميركي ضد إيران، وقالت عبر محطة «فوكس نيوز» الأميركية، «لا أريد إطلاق تخمينات بشأن ما يمكن للولايات المتحدة القيام به، لكنكم سترون ان الولايات المتحدة لن تبقى مكتوفة الأيدي وتترك هذه الأنشطة تستمر».

ومع ذلك أشارت رايس إلى انها مستعدة للاجتماع «في أي زمان ومكان» مع قادة إيران إذا علقت الجمهورية الإسلامية تخصيب اليورانيوم، وقالت «أكرر اليوم عرضاً قدمته عدة مرات. إذا علقت إيران تخصيب اليورانيوم وهو مطلب دولي وليس أميركياً فحسب فان الولايات المتحدة مستعدة لتغيير سياسة استمرت 27 عاماً وسأجتمع مع نظيري الإيراني في أي زمان ومكان».

من جانبه، قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أمس، ان أحداً لا يمكنه ان يتكهن بالمدة اللازمة لبقاء القوات الأميركية في العراق. ورداً على سؤال في مؤتمر صحافي مشترك مع رايس حول مدة مهمة العشرين ألف جندي الإضافيين الذين سيتم إرسالهم إلى العراق، قال ان الأمر يتعلق بشكل أساسي بدرجة تعاون قوات الأمن العراقية. وأعلن غيتس انه أوصى بزيادة عدد سلاحي البر ومشاة البحرية«المارينز» 92 ألفاً خلال السنوات الخمس المقبلة.

وقال «أعلن الرئيس جورج بوش الليلة (قبل) الماضية انه سيعزز جيشنا ليقود الحرب الطويلة على الإرهاب عبر إعطاء الإذن بزيادة تعداد سلاحي البر والمارينز». وأضاف «إنني أوصي بزيادة 92 ألف عنصر في السلاحين خلال السنوات الخمس المقبلة:65 ألف جندي و27 ألف عنصر في مشاة البحرية».

وفور الإعلان عن الاستراتيجية، سارع ممثلو الحزب الديمقراطي الأميركي، الذي يهيمن على غالبية مقاعد مجلسي الشيوخ والنواب في «الكونغرس»، إلى رفضها، وقالوا إن بوش «اختار الاتجاه الخاطئ»، معلنين عزمهم على شن حملة تحظى حتى بدعم خصومهم الجمهوريين ضد إرسال أكثر من 20 ألف جندي جديد إلى العراق.

ووصف السناتور جوزيف بايدن رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي أمس الاستراتيجية الجديدة بشأن العراق التي أعلنها بوش بأنها«خطأ مأساوي». أما السناتور الجمهوري تشاك هاغل فلعتبر الخطة بأنها«أسوأ خطأ في السياسة الخارجية» للولايات المتحدة منذ حرب فيتنام.

وفي ردود الفعل العراقية، كان لافتاً الانقسام في رؤية العرب السنة لهذه الاستراتيجية ، بين مرحب بجانب منها، وبين رافض لها برمتها، بينما اعتبرتها حكومة نوري المالكي «جيدة وقابلة للتطوير».

وفي إطار ردود الفعل الخارجية لإستراتيجية بوش الجديدة، وبعد التنديد الإيراني والردود الصينية والفرنسية الحذرة، رحبت كل من بريطانيا واستراليا واليابان بها، في حين قال رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي قسطنطين كوساتشوف ان هذه الاستراتيجية موجهة نحو تثبيت الأخطاء التي ارتكبت سابقاً، وليس تصحيحها.

ومن جانبها حذرت المفوضية الأوروبية الولايات المتحدة من الاعتماد على زيادة القوة العسكرية فحسب لوضع حد للعنف في العراق. وقالت المفوضية الأوروبية وهي الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي إن هناك حاجة إلى «توجه أكثر شمولاً» لتحقيق السلام في البلاد. وقال الناطق باسم المفوضية يوهانس لايتنبيرجر للصحافيين إن تحقيق الاستقرار في العراق يتطلب العمل على الصعيد الأمني وأيضاً على الصعيد السياسي والاقتصادي والتنموي.