تتكون الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية من هيئتين، هما: هيئة الفتوى والتي تُعنى أساسا بإصدار الفتاوى، وتقوم بالناحية النظرية، وهيئة التدقيق الشرعي التي تُعنى أساسا بالناحية العملية من خلال متابعة تنفيذ فتاوى هيئة الفتوى ولا تستغني إحداهما عن الأخرى لأن دور هيئات الفتوى في معظم المصارف الإسلامية لا يتعدى دور الإفتاء النظري إلى القيام بالرقابة الفعلية على أعمال المصارف، ولكن هل طبقت الفتوى كما صدرت من الهيئة؟ وهل يُعرض على الهيئة كل ما يقوم به المصرف؟ لذا فنحن بحاجة إلى هيئة التدقيق التي تقوم بمتابعة تنفيذ الفتاوى وعرض جميع أعمال المصرف على هيئة الفتوى.

ومع تطور ونمو المصارف الإسلامية وتزايد أعمالها وتشعب أنشطتها المصرفية والاستثمارية، أصبح من غير اليسير على هيئات الفتوى - والتي غالبا ما تكون غير متفرغة - أن تطلع على جميع الأعمال والنشاطات، وتقوم بنفسها بمتابعة مجريات التنفيذ ومدى التزام إدارة المصرف بتوجيهاتها وقراراتها، لذلك كله لابد من وجود هيئة التدقيق الشرعي ومع وجود الهيئتين لا بد من وجود هيئة عليا تكون بمنزلة المحكمة العليا لجميع هيئات الفتاوى في البنوك الإسلامية والهيئة العليا للرقابة على مستوى المصارف الإسلامية كافة وهيئة الفتوى على مستوى كل مصرف على حدة.

وتقوم بالناحية النظرية وإيجاد البدائل الشرعية والحلول العملية لمشاكل المصارف الإسلامية وهيئة التدقيق الشرعي على مستوى كل مصرف وتقوم بالناحية العملية، أي التأكد من التزام إدارة المصرف بالحدود المرسومة لها من الناحية الشرعية والتزامها بتوجيهات هيئة الفتوى والفتوى الصادرة منها، وهناك ثلاثة أنواع من الرقابة يحسن أن نوجز هنا وظائف كل منها:

الرقابة الوقائية

أمام المصارف الإسلامية مسئولية كبيرة في تقديم نموذج إسلامي للعمل المصرفي كبديل للمعاملات المصرفية التقليدية، وهذا يلقى عِبْئا كبيرا على كاهل هيئة الفتوى في تأصيل القواعد الشرعية النظرية والتطبيقات العملية المنسجمة مع الأسس والقواعد النظرية، ومراعاة الجوانب الشرعية في عقد التأسيس واللوائح والنظام الأساسي وإشرافها على إعداد وصياغة نماذج العقود، والخدمات المصرفية، والاتفاقيات مع الآخرين، ومناقشة المشروعات ودراسات الجدوى من وجهة النظر الشرعية.

ومن أمثلة هذه النماذج عقود فتح الحسابات الائتمانية، مثل الودائع بأنواعها ونماذج تقديم الخدمات المصرفية، مثل شراء وبيع العملات، الاعتماد المستندي ونماذج الصيغ الاستثمارية المختلفة، مثل البيوع بأنواعها، المضاربة، المشاركة، الاستصناع وسياسات وإجراءات الحسابات الختامية، مثل الإيرادات، المصروفات.

حساب الأرباح والخسائر وإيجاد المزيد من الصيغ الشرعية المناسبة للمصرف الإسلامي لمواكبة التطور في الأساليب والخدمات المصرفية والمراجعة الشرعية لكل ما يُقترح من أساليب استثمار جديدة ووضع القواعد اللازمة لضبط التعامل مع البنوك غير الإسلامية وإعداد دليل عملي شرعي، وهو: دليل الإجراءات الذي يشمل مختلف عمليات المصرف.

الرقابة العلاجية

أثناء سير المصرف في أعماله المصرفية والاستثمارية قد يقع في أخطاء شرعية، أو قد يتعرض لبعض المسائل وبعض الإشكالات التي تحتاج إلى رأي شرعي، وهنا يبرز دور الهيئة في ضبط وتصحيح خط سير المصرف وتقويم اعوجاجه، وتقديم الرأي الشرعي للمسائل والمشكلات.

ويمكن أن نلخص دور الهيئة أثناء التنفيذ في مجموعة نقاط، من أبرزها إبداء الرأي الشرعي فيما يُحال إليها من معاملات المصرف والمراجعة الشرعية لجميع مراحل تنفيذ العملية الاستثمارية وإبداء الملاحظات ومتابعة تصحيحها أولا بأول واشتراط موافقة الهيئة على إتمام المشروعات الاستثمارية قبل اتخاذ الخطوة النهائية في التنفيذ.

الرقابة التكميلية

في نهاية كل عام لا بد لهيئة الفتوى من تقييم عمل المصرف من الناحية الشرعية، لأن أساس قيام المصرف هو تطبيق قواعد العمل المصرفي الإسلامي، وهذا الأمر يتطلب من الهيئة المراجعة المستمرة لأعمال المصرف، وتتم هذه المراجعة من خلال وسائل عديدة منها مراجعة ملفات العمليات الاستثمارية بعد التنفيذ والاطلاع على الميزانية العامة وتقرير مراقب الحسابات ومراجعة تقارير الجهات الرقابية الخارجية كالبنك المركزي مثلا، وفي ضوء هذه المراجعة تقدم الهيئة تقريرا دوريا تبدي فيه رأيها في المعاملات التي أجراها المصرف ومدى التزامه بالفتاوى الصادرة عن الهيئة والتوجيهات والإرشادات .

أهمية الرقابة الشرعية

تبدو أهمية الرقابة في تأكيد الإحاطة بقواعد المعاملات الإسلامية لدى جميع العاملين في المصارف الإسلامية لان العمليات المصرفية في الاستثمار والتمويل بالذات تحتاج إلى رأي من هيئة الفتوى، نظرا لتميز هذه العمليات بالتغير وعدم التكرار مع كل حالة أو عملية أو مشروع يموله المصرف، ومن ثم فالعاملون في النشاط الاستثماري يجب أن يكونوا على اتصال مستمر مع الرقابة الشرعية، لأنهم دائما بحاجة إلى الفتيا في نوازل وواقعات تواجههم أثناء عملهم كما يُعطي وجود الرقابة ارتياحا لدى جمهور المتعاملين مع المصرف.

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن أحكام الشريعة الإسلامية هي الحاكمة المهيمنة على معاملات المصارف الإسلامية وليس العكس، فليس من عمل هيئة الرقابة او التدقيق أن تطوع وتكيف أحكام الشريعة لتوافق وتعطي الضوء الأخضر لما عليه العمل المصرفي طاهرة وخبيثة، صحيحة وسقيمة، إنما عملها تطويع الأعمال المصرفية لتساير أحكام الشريعة الإسلامية.

أحمد عبد المجيد