ورد في حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة ولهما يومان يلعبون فيهما فقال : ما هذان اليومان ؟ قالوا : كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر.
إن الاحتفال بالأعياد من الأمور الفطرية التي أجمعت عليها البشرية على اختلاف الأديان والأجناس والبلدان، فلا توجد أمة ولا جماعة ولا دين بلا عيد. والأمة الإسلامية التي شرفت برسالة الإسلام أمة تسمو أهدافها وغاياتها فهي الأمة الوسط التي تتمتع بوضوح الرؤية وسلامة الوسيلة وإنسانية الهدف.
ومن هذه الوسطية الراشدة كان احتفال الأمة بعيدها بحيث تأخذ فيه حظها من مباهج الحياة وزينتها وتلهو اللهو الذي يمتع النفس في ظلال الفضائل.
فالعيد في منهج الإسلام بهجة وفرحة وسرور وشكر لله تعالى على التوفيق لأداء فريضة الصيام أو الحج، وواجب المسلمين في هذا اليوم التزاور والتراحم بينهم وبين بعضهم البعض ومراعاة الآداب التي وضعتها الشريعة الإسلامية للاحتفال بالعيد ومراعاة حرمات الله تعالى.
فلا يجوز أن يكون يوم العيد يوم حزن أو همّ بالبكاء والندب على الراحلين، وإنما يكون يوم بهجة وسرور، وإن الأعياد لم تشرع لتكون مناسبات فارغة المحتوى والمضمون من الدلالات الأخلاقية والإنسانية لتكون موسما للمباراة في مظاهر السفه والترف وإنفاق المال في غير موضعه والخروج على كل معقول ومقبول من سلوكيات الإسلام وآدابه وجمالياته المعنوية والحسية من مساعدة للمحتاجين وبر للوالدين وصلة للأرحام، وزوال الحقد والضغينة من القلوب ويعلو التآخي والتعارف والعطاء والجود والتراحم والتعاطف.
ومن المعاني الإنسانية ذات الأبعاد السامية في السلوك الإنساني أن الله شرع زكاة الفطر بين يدي عيد الفطر تؤدى قبل يوم العيد أو صبيحته، لتكون عونا للفقير كي يشارك بقية أفراد المجتمع في الإحساس بمعنى العيد، فلا يشعر بحرمان الحاجة وقلة ذات اليد في ذلك اليوم الذي تغمر البهجة والسرور فيه قلوب الأغنياء، ولذلك يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ » أغنوهم عن السؤال في ذلك اليوم ».
ويرتبط يوم الأضحى بدلالات ذات أثر بعيد في حياة المسلمين، لأنها ترتبط بأحداث التضحية العظمى التي استعد للقيام بها أبو الأنبياء إبراهيم ـ عليه السلام ـ وتتمثل في رؤيا رآها في منامه أن يذبح ابنه الغلام الحليم إسماعيل، ولا مناص من استسلام الأب والابن لما أمر به ربنا سبحانه وتعالى، فالأب يقول ممتحنا ابنه « فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ». أدرك الابن أن هذه الرؤيا لا تحتمل المراجعة أو التأويل، لأن رؤيا الأنبياء حق.
إن هذا الموقف يمثل قمة البلاء، كما يمثل في الوقت نفسه عظمة الصدق وروعة الصبر، يؤكد ذلك قوله تعالى : « إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم » فكانت سنة الأضحية في الإسلام، ويجب علينا أن نتوقف أمام هذه السنة ـ سنة الأضحية ـ فقد شرع الإسلام أن تقسّم الأضحية إلى ثلاثة أقسام : قسم لصاحب الأضحية وأولاده وقسم للفقراء وقسم للأحباء والأصدقاء، ومعنى ذلك أن الإسلام يسوى بين طبقات المجتمع بحيث لا يدع طبقة تتميز دون أخرى، لأن الطبقية ليست من الإسلام، فإذا انقسم المجتمع إلى طبقات تكون الطبقية أخطر وأضر شيء على وجود المجتمع، لأنها تعرض المجتمع لأن يفتك به الحقد والحسد.
إن الإسلام لا ينكر الدرجات وهي تميز بعض الأفراد، ولا يخلو أي مجتمع من أفراد متميزين رفعهم الإسلام درجات، لكن لم يرض أن يكونوا متكبرين أو متجبرين لقوله تعالى « ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا» فالإسلام لا يقبل الانقسام الطبقي، ولكن يقبل التميز الفردي، وفي العيد تتلاشى روح الطبقية ويتساوى الجميع.
ففي العيد يتحقق أكبر تجمع إسلامي يعلوه البشر والمسرة، وعلى ألسنتهم عبارات الذكر : تهليل وتحميد وتكبير، ويخرجون إلى الخلاء الفسيح، تجمع لا نظير له إلا في المجتمع المسلم، لا يسمو عليه إلا مجتمع الحجيج في يوم عرفة، هذا التجمع تم من أجل العبادة فهي وحدها الدافع ،ومن أجل هذا أقول : إن الجماعة في الإسلام عبادة وشعيرة.
في يوم العيد يحرص المسلم أن ينال بره كل الناس ولو بالابتسامة السمحة الصادقة والوجه الطلق، فعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: «كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا كان يوم عيد خالف الطريق» وهذا ملحظ كريم يريد به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يغمر مجتمع المدينة جو من البشر والبهاء وليشرف به كل مكان على أرض « طيبة » المباركة.
يقول الحسن البصري ـ رحمه الله ـ « كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد، وكل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو عيد ». وبالله التوفيق.