عن عياض المجاشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: قال أي المولى سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب».
هذا جزء من حديث قدسي يخبر فيه المصطفي الكريم عما علمه ربه تعالى في يوم من الأيام وقد تضمنت الفقرة ثلاث قضايا هامة هي: كل مال نحلته عبداً حلال، أي أن الله تعالى إذا منح الإنسان مالاً من كسب طيب فهو حلال له حق ملكيته والتصرف فيه بما شرع الله تعالى وليس للإنسان أن يحرم طيبات ما أحل الله أو يحل ما حرم الله فالتحليل والتحريم هما حكم الله عز وجل وقد نعي القرآن المجيد على أهل الكتاب أنهم منحوا رؤساءهم الدينيين سلطة لا تليق إلا بالله تعالى فقال: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إلا هو سبحانه عما يشركون ).
وجاء في حديث رواه الترمذي وأحمد أن عدي بن حاتم الطائي دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية الكريمة فقال عدى: «إنهم لم يعبدوهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم».
وكان العرب في الجاهلية يتبعون طريقاً عجباً في التحليل والتحريم، وفيهم نزل قوله تعالى:
(ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ).
والبحيرة هي الناقة يجدعون آذانها، والسائبة هي الناقة لا تركب ولا يجز وبرها ولا يحلب لبنها إلا لضيف، والوصيلة هي الناقة تلد لأول مرة أنثى ثم تلد في المرة الثانية أنثى فيقولون وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر فتترك للأصنام، لا يد لأحد عليها.
والحامي هو فحل الإبل إذا لقح عشراً قيل حام فاتركوه أو إذا ولد لولده قالوا حمى ظهره فلا يحملون عليه ولا يمنعونه من حمى.
قال تعالى في الحديث القدسي: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم..».
أي أن الله تعالي خلق الناس جميعاً على الفطرة النقية مستعدين لقبول الحق والالتزام به ولكن الشياطين من الإنس والجن صرفت الناس عن هذا الاستعداد الفطري فطمست معالمه وجعلت الناس يتمردون على الدين ويتحللون من القيم ويغيرون شرع الله ويعبدون غير الخالق البارئ المصور وفي ذلك يقول الله تعالي: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون).
ومعنى قوله تعالي: ( لا تبديل لخلق الله) أي لا ينبغي أن تغير تلك الفطرة أو تبديل فالأصل أن تبقى تلك الفطرة نقية طاهرة.
ووصف الحديث حال العالم قبل الإسلام فقد كان الناس في جهالة يعبدون الحجارة ويقدسون الأصنام ويحرفون الكتاب المنزل ويقولون على الله كذباً ويفترون على الأنبياء.. وصدق الله حيث يقول:
( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).
هذا وقد استثنى الحديث القدسي بقايا من أهل الكتاب ظلوا علي الحق منتظرين النبي الخاتم حتى آمنوا به وصدقوه كعبد الله بن سلام ونجاشي الحبشة وسلمان الفارسي وغيرهم من الأحبار والرهبان الذين وصفهم الله بقوله:
(وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا أمنا فاكتبنا مع الشاهدين).
رجاء علي