وصل التوتر المتصاعد بين حركتي «فتح» و«حماس» الى حافة فتنة دموية ووضع الأصابع على الزناد، في ظل تحدي «حماس» توجه الرئيس محمود عباس لحل «القوة التنفيذية» التابعة لها، بحشد 7 أجنحة عسكرية لفصائل فلسطينية أطلقت تحذيرا شديد اللهجة من عواقب المساس بهذه القوة.

وهو ما قوبل بحشود ضخمة ل«فتح» في غزة لمناسبة انطلاقتها ال42 توعد خلالها القيادي البارز في الحركة محمد دحلان حركة حماس برد الصاع صاعين واستهداف قادة الحركة حال الاعتداء على اي من كوادر «فتح». وفي استعراض واضح للقوة في صراعها المفتوح مع «حماس»، حشدت «فتح» الآلاف من عناصرها في قطاع غزة، للاحتفال بالذكرى الثانية والأربعين لانطلاقة الثورة الفلسطينية (ذكرى تأسيسها).

وفي هذا المهرجان الجماهيري الحاشد الذي اقيم في ملعب اليرموك في مدينة غزة، ردد انصار الحركة عباراتها وشعاراتها المعهودة، اضافة الى هتافات تمجد الرئيس الراحل ياسر عرفات وخلفه محمود عباس (ابومازن). وكان اللافت في الاحتفال تسابق مسؤولي الحركة في اطلاق تصريحات تحمل«لغة تحد» واضحة. فالناطق باسم «فتح» ماهر مقداد قال«والله لو نزلت فوق رؤوسنا الصواعق وليس المطر لن ننسحب من هذا المكان» في اشارة الى قطاع غزة.

وتابع ان« الجماهير التي احتشدت بكثافة أرادت ان توصل رسالة الى الجميع مفادها ان حركة فتح بخير وانها الاقدر على قيادة الشعب الفلسطيني الى بر الامان وانها رسالة الى الظلاميين - حسب وصفه - الذين يقومون باطلاق الرصاص على كوادر فتح وقتل ابنائها وكوادرها».

وكان الاحتفال ايضا فرصة لظهور الوجه الفتحاوي القوي المناوئ لحركة« حماس» محمد دحلان ،الذي استغل المناسبة ليرسل اشارات واضحة للحركة الاسلامية من خلال تهديد صريح« اذا اعتدي على فتحاوي واحد سنرد الصاع صاعين واذا اعتقد قادة حماس انهما في منأى عن قواتنا فهم مخطئون».

وأضاف دحلان «سنرفض أسلوبهم الذي يقتلنا بالمساء ويجلس معنا بالصباح، وتحيا (فتح) والموت للقتلة»، داعيا «أبناء وكوادر (فتح) إلى ان يعودوا الى أماكنهم الجغرافية وستصلهم كل التعليمات التي سيسيرون على دربها» مشددا على أن «جميع الفتحاويين يقفون خلف الرئيس أبو مازن ويقولون له سر على درب خلاص شعبنا من الفئة الضالة التي تبطش بأبناء شعبنا الفلسطيني».

وخاطب كتائب «شهداء الأقصى» التابعة لحركة «فتح» وكل التشكيلات العسكرية للحركة قائلا «واجبكم منذ هذه الليلة ان تبقى أصابعكم وأيديكم على الزناد ليس من اجل الاعتداء ولكن حتى لا يتكرر ما تكرر في الماضي».

وتابع «إن هذه الجموع الفتحاوية جاءت لترد على القتلة الذين استباحوا الدم الفلسطيني حيث كانت القوات الاسرائيلية تقتحم رام الله وكانت قوة الخزي والعار تقتحم بيت الشهيد محمد غريب لتقتله عمدا».وبعدما فرغ دحلان من خطابه تعرض لكسر في أضلاعه نتيجة تزاحم الجماهير حول القيادات الفتحاوية، فيما أشار مصدر طبي فلسطيني أن دحلان أصيب بكسر في قدمه نتيجة سقوطه بعد تدافع الجماهير للخروج من ملعب اليرموك الذي أقيم به الاحتفال.

تزامن ذلك مع مخاوف حقيقية لدى الحركة الاقدم على الساحة الفلسطينية، تصل الى حد المس بوجودها، فقد قال الناطق باسم«فتح» د.جمال نزال امس لاذاعة«صوت فلسطين»،« إن الاقتتال الداخلي، يدمر الأهداف التي تسعى الحركة لتحقيقها وفي طليعتها التعجيل بإقامة دولة فلسطينية، التي تخشى بعض الدول ذات النفوذ الإقليمي من قيامها».

وتابع بتوضيح اكثر«أن هناك مخططاً إقليمياً لهدم فرص تحول السلطة الوطنية الفلسطينية إلى دولة مستقلة»، معتبراً أن«انتهاء الحرب اللبنانية الإسرائيلية قد تسبب بتكاثف الجهود الدولية لإحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو الأمر الذي تتحرز منه دول عربية وإسلامية لا تقيم علاقات جيدة مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وتعتبر أجهزة الأمن الفلسطينية هدفاً مشروعاً للهجمات، كونها الساهرة على حلم الاستقلال الفلسطيني».

وفي اشارة واضحة لحركة «حماس»،قال نزال إن« تياراً تكفيرياً في الوسط الفلسطيني، يسعى منذ شهور لدفع الحكومة لتفجير الوضع الأمني، بغية تحقيق ثلاثة أهداف هي: تعطيل الانتخابات بقوة السلاح، وتبديد التوجه الدولي لتحقيق تقدم سلمي على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، وكذلك تعطيل أي حل للوضع الفلسطيني، بما يعارض مصالح دول إقليمية تخاف من إمكانيات السلام الفلسطيني الإسرائيلي على مصالحها».

ولم تتوان المحافل الاسرائيلية عن الدس عبر صحيفة«يديعوت أحرونوت» التي ضاعفت من مخاوف «فتح» عندما ذكرت امس ان«حركة حماس اتخذت قرارا بتصفية كل قادة فتح، ولا سيما جماعة محمد دحلان و أنها لن تتخلى عن الحكومة». وتابعت « ان كل من يقف في طريق حماس سيتضرر»، مشيرة الى أن« مصادر في حركة فتح قالت إن يونس الاسطل احد كبار مسؤولي حماس في خانيونس، اصدر فتوى تبيح قتل رجال الأمن الوقائي وتقضي بأن الحرب ضد رجال الأمن الوقائي ليست فتنة».

وازاء هذه المخاوف، كشفت مصادر فلسطينية مطلعة -وفق ما بثه المركز الفلسطينى للاعلام- عن جهود حثيثة يقوم بها ابومازن لادخال «قوات بدر» الموجودة فى الاردن الى قطاع غزة لتعزيز قوته فى القطاع أمام حركة حماس». وأشارت المصادر الى أن «اتصالات تجريها العديد من الدول العربية بناء على طلب من مؤسسة الرئاسة الفلسطينية مع الحكومة الاسرائيلية من أجل الاسراع بذلك».

«حماس» من جهتها ردت على استعراض «فتح» للقوة في ملعب اليرموك، باستعراض للقوة لكن من نوع آخر، اذ جمعت 6 أجنحة لفصائل فلسطينية للرد على قرار ابومازن باعتبار «القوة التنفيذية» خارجةعن القانون وضرورة حلها ما لم تدمج في الأجهزة الأمنية.

وحذرت الفصائل السبعة في مؤتمر صحافي مشترك عقدته في مدينة غزة من أنها«لن تسمح لأحد بالتطاول أو الاعتداء على أعضاء القوة التنفيذية أو المس بها». وحملت الفصائل «ابومازن ومحمد دحلان مسؤولية التداعيات التي قد تنتج عن قرار اعتبار القوة التنفيذية خارجة عن القانون».

وضمت الفصائل السبعة: كتائب عز الدين القسام التابعة لحماس، وألوية الناصر صلاح الدين، وكتائب شهداء الاقصى- المجلس العسكري، وكتائب الشهيد أحمد أبو الريش- سيف الاسلام، ومقاتلي فتح- كتائب التوحيد، والجبهة الشعبية -القيادة العامة، وكتائب الشهيد خالد عكر. وكان رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية رفض امس حل «القوة التنفيذية» ، مؤكدا انها تستمد شرعيتها من وزارة الداخلية.

وازاء حالة التجاذب هذه ورغبة الطرفين في الوصول الى آخر الطريق، قال ابومازن «لن اتراجع ابدا عن موقفي الداعي الى اجراء انتخابات نيابية ورئاسية مبكرة»، كما نقل عنه عيسى قراقع المسؤول في «فتح» عن مدينة بيت لحم اثناء اجتماع في المدينة امس. وتابع ابومازن« هذا المشروع ليس تكتيكا. لقد سدت كل السبل المؤدية الى تشكيل حكومة وحدة وطنية وليس هناك من خيار آخر الا هذه الانتخابات».

لكن ابومازن ترك الباب ايضا مفتوحا لتسوية بعيداً عن صناديق الاقتراع ،«اذ وافق على استئناف الحوار الوطني بين حركتي فتح وحماس»، مثلما أكد إبراهيم أبو النجا رئيس لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والاسلامية، الذي اوضح «أن الرئيس عباس أبدى ترحيبا ولم يعارض بالمطلق هذه المبادرة لاستئناف الحوار. وحدد ممثله لمتابعة الحوار بين حركتي فتح وحماس والفصائل والكتل البرلمانية الأخرى».