«إن الوطن أم حنون تعطي من أجل إسعاد أبنائها وبناتها من دون مقابل» هذه المقولة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، هي مرتكزه في التعامل مع وطنه دولة الإمارات، منطلقاً من حب هذا الوطن وإيمانه بمستقبله، مستلهماً في ذلك توجيهات المغفور له بإذن الله تعالى صانع اتحاد دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي سار على نهجه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، ومقتدياً بخطى باني دبي المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي رباه على حب هذا الوطن والبذل في سبيل عزته.
فبعد أن تصدى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لتحديات الأمن الداخلي بحكم موقعه رئيساً للشرطة والأمن العام، كان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، حيث أصدر المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم وكان وقتذاك رئيس الوزراء للدولة الوليدة، قراراً بتعيين أخيه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزيراً للدفاع فكان أصغر وزراء الدفاع في العالم سناً، ومنحه رتبة لواء في تلك الفترة.
وهكذا وجد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نفسه في مواجهة تحديات لا تقل أهمية، متمثلة في مسؤوليات الدفاع عن هذا الوطن، وبناء الدولة الفتية عسكرياً، لتقف على قدميها بقوة وثقة قادرة على حماية أرضها وإثبات وجودها في مصاف الدول المسلحة بالقوة والسيادة، وكانت أولى الخطوات بالطبع توحيد القوات المسلحة للإمارات تحت قيادة واحدة وعلم واحد وهدف واحد، لتقوم بواجبها في حفظ أمن واستقرار الإمارات وحماية أراضيها.
ومنذ ذلك التاريخ طرأ تغيير كبير عليها من حيث العدد والسلاح والتدريب والإدارة، وأصبح لتلك القوة في تلك الفترة قادة من أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة.
بعد مرور هذا الزمن من عمر اتحاد دولة الإمارات العربية، وبناء قواتها المسلحة الموحدة تحت قيادة واحدة وراية واحدة، استطاع أبناء الإمارات في القوات المسلحة أن يظهروا قدرة عالية على استيعاب الأسلحة الحديثة والمتطورة بكل ما فيها من برامج إلكترونية متقدمة ومعقدة.
هذا ما ورد في حديث صحافي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي أشاد بقدرات القوات المسلحة وتمكنها من تنفيذ كل المهام التي يأمر بها القائد الأعلى صاحب السمو رئيس الدولة، فبعد سنوات من البناء والتدريب والتزود بمنظومات السلاح المناسب، باتت القوات المسلحة لدولة الإمارات درعاً قوية للوطن وأنموذجاً للكفاءة والاقتدار.
وأثبتت التجربة قدرة المواطن على اكتساب أحدث العلوم، والتعامل مع أعقد التقنيات وأكثرها تطوراً، كما قامت القوات المسلحة بأدوار عديدة عسكرية وإنسانية، مثل المشاركة في تحرير الكويت والدفاع عنها، وحفظ السلام في لبنان والصومال وكوسوفو، وتقديم الخدمات الطبية في العراق وغيره، وبطبيعة الحال يظل دورها الرئيسي هو الحفاظ على السيادة والاستقلال، وردع كل من لديه نوايا عدوانية، وصيانة المكتسبات الوطنية.
وهذا كله من العناصر الرئيسية في توطيد الأمن والاستقرار، وترسيخ ثقة المواطن والوطن بالحاضر والمستقبل، وتعزيز الثقة بالدولة وسياساتها ومكانتها الإقليمية والدولية.
وبناء القوات المسلحة في أية دولة لا يأتي من فراغ، بل من أجل دور يناط بها، وهذا الدور ينبثق من إدراك القيادة ورؤيتها، وهنا تتجلى النظرة الواعية لواجبات القوات المسلحة في دولة الإمارات ومسؤولياتها في فهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي يقول:
« إن أي بلد أو شعب لا يمكنه حماية حدود دولته واستقلالها وسيادتها ومكتسباتها الوطنية والحضارية دون درع تقي هذه المقومات والمنجزات وتحافظ على سلامتها، وهذه الدرع الواقية هي بالطبع جيش قوي عدة وتدريباً وعتاداً يتحمل هذه المسؤولية الوطنية والأخلاقية، ولبناء وتشكيل هذا الجيش لا بد من اتباع عدد من الخطوات التي تؤدي إلى تحقيق الهدف.
والتي من أهمها بناء الإنسان المتعلم الواعي المؤمن بانتمائه الوطني والديني والإنساني، فإذا لم يعتمد الجيش ويقوم على سواعد أبناء الوطن فلا مستقبل ولا قوة له، والخطوة الثانية هي تشكيل قيادة عسكرية ذات مهارات وقدرات عسكرية نظرية وعملية عالية، لتتمكن من قيادة وتوجيه وتعبئة وتدريب أفراد القوات المسلحة وإصدار الأوامر واتخاذ القرار اللازم في الوقت المناسب، هذا إضافة إلى توفير كافة أنواع العتاد والأسلحة اللازمة لهذه القوات، لإعداد نفسها واستكمال جهوزيتها وبناء ذاتها، وقواتنا المسلحة في دولة الإمارات مرت بكل هذه المراحل التأسيسية حتى وصلت إلى هذا المستوى الرفيع من الإعداد والتجهيز والتدريب».
الدور الإقليمي
دولة الإمارات العربية المتحدة عضو في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبالتالي فإن القوات المسلحة في دولة الإمارات ودول مجلس التعاون كلها لا تنفصل عملياً عن هموم دول المجلس وتطلعات أبنائها. يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في هذا الصدد:
«إن قواتنا المسلحة تشكل جانباً أساسياً من قوة درع الجزيرة التي أنشئت بقرار من قادة وزعماء دول مجلس التعاون الخليجي، وكل ما يتخذه القادة والزعماء من قرارات بشأن تطوير وتوسيع قوة درع الجزيرة، فقواتنا المسلحة جاهزة لتنفيذ كل الأوامر والقرارات الصادرة لها عن قيادتنا من أجل المصالح العليا لدول وشعوب المجلس والأمة العربية والسلام».
ويرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم:
«إن التعاون والتنسيق الدفاعي والأمني قائم بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية قبل تشكيل مجلس دفاعي مشترك، وهذا القرار الذي اتخذته قمة مسقط إنما جاء لوضع هذا التنسيق والتعاون في إطار منظم ومدروس حتى نرتفع بمستوى التعاون إلى أقصى درجاته وتحقيق الأهداف المرسومة من قبل قادة وزعماء دول المجلس والتي تصب في قناة تحقيق هدف التكامل بين دوله وشعوبه على كل صعيد وفي كل الميادين».
ويرى سموه أن توحيد القوات المسلحة في دول مجلس التعاون يظل هدفاً مأمولاً، ويقول: «إن هذا الهدف أمنية لن تتحقق في وقت قريب لأسباب موضوعية عديدة، لكن ذلك لا يعني أن عملية التعاون والتنسيق غير قائمة، بالعكس، هي قائمة وفعالة، وأثبتت فعاليتها في تحرير الكويت، وفي التحسب لاحتمالات تعرض الكويت لعدوان في العام 2003 فضلاً عن الإجراءات المتصلة بتبادل المعلومات وتوحيد المصطلحات والأنظمة وغيرها، المهم أن دول المجلس متضامنة تضامناً كاملاً في رد أي عدوان خارجي تتعرض له أية دولة».
وفي حديث صحافي آخر عن إمكانية تأسيس قوة خليجية مشتركة، يقول سموه:
«إن إنشاء هذه القوة ليس بالأمر المستحيل، وحرب تحرير الكويت التي شاركت بها وحدات وقطاعات فاعلة من جيوش دول المجلس أثبتت أن اتخاذ القرار المصيري لا يحتاج إلى دراسات ولجان ومؤتمرات، والأحداث عندما تفرض نفسها تتخذ القرارات الحاسمة بما يتناسب وحجم هذه الأحداث، فالسرعة في اتخاذ القرار والحسم وتكنولوجيا العصر التي تتمثل في الاتصالات والمواصلات وطرق الإمداد كلها عناصر مهمة وأساسية لتوحيد الجهد والعمل المشترك وتنفيذه على أرض الواقع وفي الميدان، فحرب تحرير الكويت كانت تجربة أولى لدول المجلس.
واستطاعت خلال أيام أن توحد جهودها بالتشاور، وتوحدت القوات في الميدان، وعملت تحت قيادة واحدة، وكانت تجربة نادرة وناجحة بكل المقاييس، وهذا طبعاً يرجع إلى وجود عوامل كثيرة ساعدت في توحيد الجهود والجيوش، أهمها الشعور بالمصير الواحد لكل دول وشعوب المجلس، والتاريخ المشترك وصلات الدم، والقربى، ووحدة العادات والتقاليد». وحول إمكانية إنشاء صناعات حربية خليجية مشتركة يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم:
«إن الصناعات الحربية أو إنشاء هيئة تصنيع خاصة بدول المجلس قد يكون ضرورياً ومفيداً في وقت ما.. وهذا الأمر يقرره قادة وزعماء دول المجلس في ضوء المصالح العليا لشعوبهم ودولهم، وحسب ما تمليه الظروف وما تتطلبه احتياجات المرحلة التي تمر بها، ودول المجلس تنتهج سياسة تنويع مصادر السلاح لتزويد جيوشها، فنحن كقيادات سياسية عسكرية نختار نوع ومصدر السلاح حسبما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا لدولنا.
وحسب احتياجات قواتنا وملائمتها لبيئتنا وطبيعة بلادنا، فسياسة تنويع مصادر السلاح أثبتت نجاحها وحكمتها، لئلا تقع دول المجلس تحت طائلة المزاجية السياسية لدول مصادر السلاح، فبالحكمة والتأني والدراسة استطاعت القيادات السياسية في دول المجلس أن تزود جيوش دولها بالأسلحة اللازمة، وحافظت بهذه السياسة الحكيمة على استقلالية قرارها السياسي، وصانت سيادتها واستقلالها الوطني من أي تأثيرات خارجية».
البعد العربي والدولي
صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يعتز بانتمائه إلى الأمة العربية اعتزازه بانتمائه إلى وطنه الإمارات، وذلك في إطار تمسك سموه بدينه الإسلامي الحنيف، وهو بوصفه فارساً وقائداً كبيراً ورئيسا لمجلس الوزراء ووزيرا للدفاع يوجه القوات المسلحة لدولة الإمارات إلى ما فيه خير وطنها وأمتها ودينها، فضلاً عن إيمان سموه بما للقوات المسلحة من دور إنساني وعسكري ذي بعد دولي حين يتطلب الأمر ذلك، وفي هذا الإطار يقول سموه:
«إن دولة الإمارات جزء لا يتجزأ من وطنها العربي الكبير، وشعبنا أيضاً جزء مهم من شعبه العربي، وأمتنا العربية هي جزء أساسي في منظومة الأمم التي ترتبط فيما بينها بعوامل إنسانية تفرض على كل الدول والشعوب العمل والتعاون في كل مجالات الحياة ليسود السلام وتنتشر المحبة والتعايش بين الأمم، بغض النظر عن انتماءاتها الدينية والعرقية والجغرافية.
فالإنسان هو الإنسان أينما يعيش وأينما يولد، والله تعالى كرم هذا الإنسان وجعله أرقى وأفضل المخلوقات على الإطلاق، ومن هذا المفهوم الإنساني ومفهوم ديننا الإسلامي الحنيف تنطلق دولة الإمارات نحو مساعدة الآخرين في شتى أنحاء الأرض، وقواتنا المسلحة الباسلة هي مؤسسة وطنية عربية واجبها الإنساني والأخلاقي يحتم عليها المساهمة في كل ما من شأنه ترسيخ ونشر السلام.
ونزع فتيل الحروب والأزمات، ومساعدة الدول والشعوب التي تحتاج لكل أنواع المساعدة، وقواتنا المسلحة أسهمت بفضل توجيهات قيادتنا العليا بالتعاون مع قوات أخرى في العديد من المناطق العالمية كأفغانستان والبوسنة والهرسك وكوسوفو ولبنان وغيرها من المناطق الساخنة، وهذا غالباً ما يأتي في إطار جهود الأمم المتحدة لحماية السلام والاستقرار العالمي».
إعداد: خالد اللوباني
