الإسلام عندما يتعامل مع المرأة يقر بما لا يترك مجالاً للشك أنها تتساوى والرجل في الأوامر والتكاليف الشرعية، فالإسلام عندها يبنى على خمسة أركان كإسلام الرجل، لكن الحكمة الإلهية جعلت الحج فرضاً على كل من يستطيع أداء هذه الفريضة، وهذه الاستطاعة تتسم بالحيوية فهي عند الرجل مختلفة عن المرأة، فالمرأة مفروض عليها الحج، ولكن شريطة أن تتوافر الاستطاعة والتي تبدو عند المرأة في شقها المالي وشقها الاجتماعي، حيث إن امتلاك المرأة للمال وحده لا يكفي للحج، بل لابد من توافر شروط أخرى كالمحرم في السفر أو الصحبة المأمونة عند بعض المذاهب وشروط أخرى عديدة تنظم عملية حج المرأة، تلك الفريضة التي لا يمكن أن تتخلى عنها المرأة قويمة الإسلام

وترى د. عبلة الكحلاوي أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية: أن الحج يجب على المرأة كما يجب على الرجل إلا أن الفقهاء اختلفوا في اشتراط الزوج أو المحرم.. فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن يصحب المرأة في سفر الحج زوج أو محرم فإن لم يوجد أحدهما فلا يجب عليها الحج.. والله عز وجل يقول «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا»، وروى البخاري ومسلم أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:« لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم.. فقام رجل فقال: يا رسول الله: إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا.. فقال - صلي الله عليه وسلم- «انطلق فحج مع امرأتك». فهذا الأمر إن كان للندب إلا أنه يشير عند هذين الإمامين إلى اشتراط الزوج أو المحرم.. وكتبت امرأة إلى إبراهيم النخعي أني لم أحج حجة الإسلام وأنا موسرة ليس لي ذو محرم.. فكتب إليها إنك ممن لم يجعل الله له سبيلا واستدل هذان الإمامان أيضا بحديث: «لا تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم أو زوج» والسر في ذلك أمن الفساد.. وذهب الشافعية إلى أنه لابد أن يصحبها في السفر إلى الحج المفروض زوج أو محرم أو نسوة ثقات. بل قال بعضهم إنه يكفي أن تكون بصحبتها امرأة واحدة ثقة، وذهب المالكية إلى أنه لابد أن يصحبها زوج أو محرم أو رفقة مأمونة إلا أنه يشترط سفرها أن تكون هي أمينة في نفسها.. وبعض الفقهاء يفرقون في اشتراط ذلك بين الشابة والعجوز، فيشترطون وجود الزوج أو المحرم مع الشابة دون العجوز ولكن الجمهور أجمعوا على عدم التفريق بينهما.

وتضيف د. عبلة قائلة: والرأي الراجح أنه يصح سفر المرأة دون زوج أو محرم إذا وجدت رفقة مأمونة أو كان الطريق آمنا.. والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن عدي بن حاتم قال: «بينما أنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم-إذ أتاه رجل فشكا إليه فاقة، ثم أتاه رجل آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ (قرية قريبة من الكوفة) قال: لم أرها وقد أنبئت عنها، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم-: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، ويقوي هذا الرأي أن نساء النبي - صلي الله عليه وسلم- حججن بعد أن أذن لهن عمر في آخر حجة حجها.. وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف.. وممالا شك فيه أن العجوز الطاعنة في السن أجدر بهذا الحكم وأولى.

المعتدة بطلاق أو وفاة

وعن حكم الشرع في حج المعتدة بطلاق أو وفاة، يقول د. نبيل غنايم أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم القاهرة: إنه من شروط وجوب الحج الخاصة بالمرأة أن يكون معها زوجها أو محرم لها.. وألا تكون معتدة من طلاق أو وفاة.. لأن الله سبحانه وتعالى نهى المعتدات عن الخروج بقوله تعالى: «لاتخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن» فالحج يمكن أداؤه في وقت آخر.. أما العدة فإنها يجب قضاؤها في هذا الوقت خاصة.. فإن كان الطلاق رجعياً لا يفارقها زوجها.. لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية والأفضل أن يراجعها وإن كانت بائنا أو كانت معتدة عن وفاة فإن كان إلى منزلها أقل من مدة سفر وإلى مكة مدة سفر فإنها تعود إلى منزلها وإن كان إلى مكة أقل من مدة سفر وإلى منزلها مدة سفر مضيت إلى مكة لأنها لا تحتاج إلى المحرم في أقل من مدة السفر.

زيادة أعمال الخير

وعن حكم الشرع في المرأة الفقيرة التي تستدين لكي تؤدي فريضة الحج، يقول: د. صبحي عبد الحميد أستاذ اللغويات بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر: إن الله سبحانه وتعالى لم يفرض الحج إلا على المستطيع أو المستطيعة.. لقوله تعالى «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» والاستطاعة تعني وجود ما يكفي لنفقات الحج ذهابا وإيابا وتعني وجود ما يكفي أولاد الحاج أو الحاجة حتى يعود أو تعود من الحج.. فلا يصح أن ترهق المرأة الفقيرة نفسها بالاستدانة من أجل الحج.. والله عز وجل يقول: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها».. أما التي تقول: إنها في شوق لزيارة بيت الله الحرام، ولكنها فقيرة لا تملك نفقات الحج.. أقول لها: إنك تتوجهين إليه في كل صلاة فاستحضريه في قلبك..

واستحضري عظمة الخلاق العليم قبل كل شيء وهناك وسائل كثيرة لتعويض الثواب كزيادة التنفل بالصلوات في الليل وزيادة التنفل بالصوم.. وزيادة أعمال البر والخير التي تقدر عليها المرأة سواء أكان ذلك مع أهلها أم مع جيرانها أم مع سائر الناس.. وإني أسأل من تريد أن تحصل على الثواب عن طريق الاستدانة هل تريد أن تحصل على ثواب الزكاة أيضا فتستدين لتؤدي الزكاة؟ إن فضل الله واسع فلم يفرض الزكاة على من لم يملك النصاب.. ولم يفرض الحج على من لم يستطع إليه سبيلاً وديننا دين السماحة والتيسير.. فالله عز وجل يقول: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر».

وعن الفرق بين الرجل والمرأة في شروط الحج، ترى د. مريم الداغستاني أستاذ الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالازهر: إن الخلاف إنما في الهيئة التي يكون عليها كل منهما أثناء الحج.. فالرجل يلتزم بالحديث الذي رواه ابن عمر في البخاري ومسلم.. «لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس «نبت أصفر طيب الرائحة ولا زعفران ولا الخفين إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين».

أما المرأة فلها أن تلبس جميع ذلك ولا يحرم عليها إلا الثوب الذي مسه الطيب والنقاب والقفازان ويستحب للرجل أن يرفع صوته بالتلبية أما المرأة فيكره شرعاً أن ترفع صوتها بالتلبية وإنما يباح لها أن تسمع نفسها أو من يليها ولا تتجاوز ذلك.

مخالطة الرجال

وتشير د. الداغستاني إلى أن المرأة الحائض والنفساء لا يجوز لها أن تطوف بالبيت لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال لعائشة رضي الله عنها حين حاضت: «أفعلي ما يفعله الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت»، ولا مانع للمرأة أن تتناول أقراصا تمنع دورتها الشهرية أثناء أدائها لفريضة الحج حتى لا يفوتها أي ركن من أركانه بشرط ألا يؤذيها ذلك من الناحية الصحية والبدنية.

وتضيف: على المرأة ألا تزاحم الرجال أثناء الطواف حول الكعبة بقدر الإمكان، ولقد ثبت أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم- طفن مع الرجال دون مخالطتهن فكن يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن معهم متنحيات عنهم.. ويجوز للمرأة أن تسعى بين الصفا والمروة وهي حائض لأن هذا نسك غير متعلق بالبيت فلا تشترط له الطهارة. والمرأة تمشي مشيتها العادية بين الصفا والمروة بينما يسرع ويهرول الرجل أثناء السعي والطواف، وكذلك يجوز للمرأة الحائض والنفساء الوقوف بعرفة لأن حديث الوقوف مطلق من شرط الطهارة لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم-:«من وقف بعرفة فقد تم حجه» أما عن رمي جمرة العقبة فيجوز للمرأة المريضة أو الكبيرة في السن أو الحامل أن توكل عنها من يرمي الجمرات لعدم مزاحمة الرجال لها.

وتقول د. ملكة يوسف دراز أستاذة الشريعة الإسلامية بالجامعات المصرية: إن فريضة الحج أحد أركان الإسلام الخمسة التي حددها رسول الله صلي الله عليه وسلم، والإسلام هنا بأركانه الخمسة لا يختلف عند الرجال عن النساء ولكن هناك شرط أساسي للاستطاعة في أداء هذه الفريضة، هذه الاستطاعة التي تختلف من الرجل إلى المرأة، فالمرأة مثلاً لا يحق لها أن تذهب بمفردها لأداء فريضة الحج بل لابد لها من محرم عند بعض المذاهب أو صحبة مأمونة عند المذاهب الأخرى، كذلك لا يحق لها الطواف في حالة الحيض، وربما يمنعها حملها من القيام بأداء هذه الفريضة لو كان في ذلك خطورة بالغة عليها وعلى جنينها، ومن ثم لابد من الانتظار حتى الولادة، وهنا تكون المرأة مالكة للاستطاعة حال توافر هذه الشروط المتعددة.

وتوضح د. دراز أن المرأة لكي يكون حجها سليماً ومبروراً لابد لها أن تسلك في أيام حجها نفس السلوك والأخلاقيات التي يجب على الرجل سلكها من حسن القول والفعل، والابتعاد عن كل ما يغضب الله تعالى، بل يجب أن تجعل من هذه الرحلة الإيمانية بداية حياة جديدة لها تبتعد عن القيل والقال وسوء الأعمال، وتحرص دائما أن تراعي الله في كل حركاتها وسكناتها، لأن الحج المبرور لابد وان يكون سببا في صلاح صاحبه عقب العودة من هذه الأراضي المقدسة، التي يصفو فيها خلد الإنسان ويسعى إلى كل سبل الصلاح والفلاح.

وتضيف د. ملك: فالحج ينبغي أن يكون تدريباً للمسلمة على تطبيع سلوكياتها مع أوامر الله ونواهيه بعد العودة من الحج، وختام أداء شعائره بحيث تكون أعمال الإنسان خالصة لوجه الله تعالى ولا يفعل إلا طيباً، ولا يتحدث إلا الحق ولا غير الحق، ويحرص على التحلي بمكارم الأخلاق حتى تكون علاقته بغيره علاقة مستديمة، وحتى تحقق المرأة الساعية إلى أداء هذه الفريضة الغرض الإلهي منها، تلك الفريضة التي جعلها رسول الله صلي الله عليه وسلم من أفضل الأعمال حينما سئل عن أفضل الأعمال، أجاب صلى الله عليه وسلم: «إيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله ثم حج مبرور».

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية