لقد تم اكتمال التشريع الرباني في خطبة الوداع بعدما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على مسامع الحاضرين من الحجيج خطبة عرفة المشهورة في حجة الوداع فوضع عليه السلام لهم جميع الأسس والمبادئ التي يجب أن تسير عليها هذه الأمة لتحقق السعادة والرخاء للبشر، فقد جاء الكمال لهذا الدين من عند الله تعالى، وهذا الكمال كان في الأمور الأًصلية والثوابت منه.
أما ما يخص الأمور الفرعية المتغيرة فهي متجددة باختلاف الزمان والمكان، ولا تخرج في إطار التشريع الأصولي لهذا الدين « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» (المائدة/3) هذا الكمال جاء بعد أن أرست السفينة وحط أهلها الرحال على بر الأمان لا يخشون على أمتعتهم الأمواج العاتية التي تطمس الحقائق عن أعين الناس، فكان هذا التشريع عاماً لجميع البشرية المسلمين.
وأهل الكتاب وغيرهم، فاكتملت حقوق النساء والرجال والأطفال في العبادات وسائر المعاملات في اليسر والعسر في البر والبحر، في الحضر والسفر في المأكل والمشرب في الحضر والسفر... أحكام السلم والحرب وأهل البغي والعدوان والمعاملات السياسية بين الحاكم والمحكوم، بين السيد والمسود، هذا التشريع لا ريب أنه رسم الطريق أمامنا نحن المسلمين وأمام البشرية جمعاء.
فعمل على محاربة الظلم ونصرة المظلوم وإحقاق الحق وإعانة أصحابه عليه، التعاون على البر والتقوى والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان « وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ » (المائدة 2). هذا التكامل لا يقبل التحريف ولا التبديل ونعني في ذلك أي الثوابت دون المتغيرات التي تتبدل بحسب اختلال الزمان والمكان. الأصول دون الفروع، فلا يمكن لأحد أن يحلل ما حرّم الله أو يحرم ما أحلّ الله تعالى، فلا زيادة ولا نقصان على الفروض كالصلاة والزكاة والصوم...
إن الرسالة الخالدة جاءت لتنير لنا طريق الهداية وتبعدنا عن طريق الغواية على مر العصور الماضية والحاضرة والمستقبلية، لأن الكتاب الحكيم جاء إلى الناس لكي « يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» ) المائدة16)، ولأن تمام هذه النعمة تعني أيضاً أنها صالحة لكل زمان ومكان وتواكب متطلبات أي حضارة سواء أكانت القديمة أو الحديثة، فعندما «نظر الرسول صلى الله عليه وسلم» إلى الألوف المؤلفة وهي تلبي وتهرب إلى طاعة الله تعالى في أحسن وأروع وأطهر بقعة على الأرض، وفي يوم عظيم من أيام الحج الأعظم فشرح صدره انقيادا للحق، واهتداء إلى الإسلام.
وعزم أن يغرس في قلوبهم لباب الدين الحنيف، وأن ينتهز هذا التجمع الكريم ليقول كلمات تبدد آخر ما أبقت الجاهلية من مخلفات في النفوس، وتؤكد ما يحرص الإسلام على إشاعته من آداب وعلائق وأحكام التي تسعد البشرية جمعا»، فأصبحت مصادر التشريع الإسلامي عند المسلمين تعتمد اعتماداً كلياً على أصول ثابتة، هما الكتاب العزيز وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه والصحيحة، وبعد ذلك الإجماع والقياس وهما من اجتهاد المجتهدين الراسخين في العلم الذين يستنبطون الأحكام الشريعة من الأدلة التفصيلية النقلية منها والعقلية.
هذا الكمال جاء مفصلاً وكاملاً في بعض الأمور وفي البعض الآخر يحتاج إلى رؤية وفكر، ومن الأمور القطعية الأحكام الاعتقادية، كأركان الإيمان ثابتة لا تحريف فيها ولا تبديل ولا إخلاف لوعد الله في عباده. وكل ما انبثق من المسائل الكلامية وغيرها التي أدت إلى تفريق الأمة ليس له أصل في التشريع الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي