استيقظ العراق والعالم فجر أول أيام عيد الأضحى أمس، على تنفيذ حكم الإعدام شنقاً حتى الموت بحق الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، الذي استقبل الموت برباطة جأش وهتاف للأمة العربية وفلسطين منهيا بذلك مسيرة حافلة بالاحداث استمرت 35 عاما.
وزاد من مفاجأة الاعدام عرض لقطات تلفزيونية للحظات الشنق وعرض للجثمان بعد تنفيذ الاعدام. وبعد غموض استمر حتى ساعة متأخرة الليلة الماضية اتضح ان القوات الاميركية والحكومة العراقية قررتا تسليم الجثمان لعشيرة صدام لدفنه في مسقط رأسه بلدة العوجة في محافظة تكريت اليوم.
وانقسمت ردود فعل العراقيين بين مؤيد ومعارض، فيما تباينت ردود الفعل العربية والدولية بين الاستهجان والاسف والترحيب، وصدر ابرز موقف عن السعودية التي استهجنت الاعدام خصوصا توقيته بأول ايام العيد، فيما رحب الرئيس الأميركي جورج بوش بالاعدام باعتباره «تحولا» في حياة العراقيين يسبق اعلان استراتيجيته الجديدة للامن في العراق، اما ايران فوصفت الاعدام «بالنصر» للعراقيين متعهدة بمنح حكومة بغداد قرضا بمليار دولار، اما إسرائيل فاعتبرت الاعدام «إحقاقاً» للعدل.
فقد تم تنفيذ الحكم بإعدام صدام (69 عاما) شنقا فجر أمس، داخل مقر الاستخبارات العسكرية في منطقة الكاظمية شمال بغداد، وقال عدد ممن حضروا الإعدام: إن صدام صعد إلى المشنقة بهدوء ممسكا بالمصحف الذي أوصى بمنحه إلى شخص يسمى بندر، وتلا الشهادة عقب مشادة كلامية مع منفذي الحكم الذين ارتدوا أقنعة سوداء لرفضه وضع الكيس الأسود على رأسه، وهو يهتف «عاشت الأمة وفلسطين عربية».
وعن اللحظات الأخيرة في حياة صدام قبل إعدامه إثر إدانته بقتل 148 قروياً في بلدة الدجيل في ثمانينات القرن الماضي بعد محاولة فاشلة لاغتياله، تناقضت رواية مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي الذي حضر اعدام الرئيس المخلوع.
فقد نقلت وكالة «فرانس برس» عن الربيعي قوله ان صدام «صعد بهدوء الى المنصة وكان قويا وشجاعا». قبل ان يقول لقناتي «العراقية» الحكومية و«العربية» الفضائية ان صدام «كان مكسوراً بشكل كبير. كان الخوف بادياً عليه إلا أنه استسلم بشكل عجيب»، وهو ما نقضه بث مشاهد الإعدام حيث بدا صدام رابط الجأش.
كما نفى الربيعي ومسؤولون آخرون بيانا أذاعه في وقت سابق التلفزيون الحكومي عن أن برزان التكريتي الأخ غير الشقيق لصدام حسين والقاضي السابق عواد البندر شنقا أيضا، وتوقع أن ينفذ حكم الإعدام بحقهما بعد انتهاء عيد الأضحى. وبعد جدل بين الحكومة وعشيرة البوناصر التي ينتمي اليها صدام اتفق الجانبان على تسليم جثمان صدام لعشيرته لدفنه في مسقط رأسه قرية العوجة بمحافظة تكريت .
وفي وقت لاحق الليلة الماضية، حسم أمر دفن الجثة مع وصول زعيم عشيرة البوناصر، التي ينتمي إليها صدام، إلى العاصمة بغداد على متن مروحية أميركية وتسلمه الجثمان والعودة به إلى قرية العوجة.
وقالت مصادر إعلامية:إن الشيخ علي ندا فاوض السلطات الأميركية على تسلم الجثمان ونقله إلى العوجة لدفنه في القرية التي عاش فيها، في حين نقلت قناة «الجزيرة» أن الجثة ستدفن بقرب جثتي عدي وقصي صدام اللذين قضيا قبل أكثر من ثلاثة أعوام.
وأوضحت المصادر أن أبناء قرية العوجة انتظروا عودة الجثمان في الجامع الكبير للقرية، وأنه يتوقع أن تشيع جنازته اليوم. وأكدت محامية في فريق الدفاع عن صدام تسليم الجثمان.
وعرضت قناة «بلادي» الفضائية العراقية التابعة لحزب الدعوة الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء آخر 70 ثانية من حياة صدام ثم عرضت صورا لجثته التي ظهرت مغطاة بكفن ابيض وممددة على سرير، وظهر فيها الجانب الايسر من وجهه.
وتفاوتت مواقف العراقيين السنة والشيعة من اعدام صدام، بين الفرح بهذه النهاية التي اسدلت الستار على حقبة من الحكم دامت نحو 35 عاماً بما رافقها من معطيات وحروب، وبين رافض رأى فيما حصل انتقاما لا مبرر له ومن شأنه ان يؤجج روح الثأر ويصعد من وتائر العنف.
وفي ردود الافعال على تنفيذ الاعدام أشارت المملكة العربية السعودية إلى شعور «بالاستغراب والاستهجان» إزاء تنفيذ حكم الإعدام في أول أيام عيد الأضحى.
وحسب ما أفادت وكالة الأنباء السعودية «ساد شعور بالاستغراب والاستهجان أن يأتي تنفيذ الحكم في الشهور الحرم وفي أول أيام عيد الأضحى المبارك الذي تتجسد فيه وحدة المسلمين»، وأضافت أنه «كان من المتوقع لدى كثير من المتابعين والمراقبين أن تستغرق محاكمة رئيس سابق حكم العراق لعقود من الزمن وقتاً أطول ومداولات مفصلة وإجراءات قانونية محكمة ودقيقة وبعيدة عن التسييس».
وكتبت الوكالة أن فترة عيد الأضحى هي فترة «يسود (فيها) التقارب (بين المسلمين) وملايين الحجاج منهم تلتقي على صعيد مبارك واحد تبحث عما يوحدها لا عما يذكرها بما يفرقها».
وأعربت الحكومة المصرية عن «الأسف». ورأت وزارة الخارجية المصرية في تنفيذ الحكم في أول أيام عيد الأضحى عدم «مراعاة لمشاعر المسلمين».أما الحكومة الأردنية فأعربت عن أملها بألا تكون هناك «تداعيات سلبية» جراء تنفيذ حكم الإعدام.
ونقلت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية عن الناطق الرسمي باسم الحكومة ناصر جودة قوله «نأمل بألا تكون هناك تداعيات سلبية من شأنها أن تؤثر على وحدة وتماسك الشعب العراقي». وجدد دعوة الحكومة الأردنية إلى العراقيين إلى «نبذ العنف والتطلع إلى المستقبل بما يكفل النجاح في تحقيق مصالحة وطنية حقيقية بين كافة مكونات الشعب العراقي».
في واشنطن قال الرئيس الاميركي جورج بوش من مزرعته في كروفورد في ولاية تكساس ان «اعدام صدام يشكل نهاية سنة صعبة للشعب العراقي ولقواتنا». لكنه اشار ان الإعدام «لن ينهي دوامة العنف في العراق».
ورحب نائب وزير الخارجية الإيراني حميد رضا آصفي باعدام صدام معتبرا انه «نصر للعراقيين». واعلن وزير الاقتصاد والمالية الإيراني داوود دانش جعفري، عن ان بلاده ستمنح العراق قرضا بقيمة مليار دولار لإعادة الإعمار. وقال مسؤول إسرائيلي كبير لوكالة «فرانس برس» تعقيبا على إعدام الرئيس العراقي انه تم «إحقاق العدل» برأي إسرائيل.
وقال هذا المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه «نتحدث عن رجل عرض الشرق الأوسط للدم والنار عدة مرات واستخدم أسلحة كيماوية ضد شعبه ومسؤول عن موت آلاف الأشخاص». من جهته، قال نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز ان «صدام سبب لنفسه خسارته هذه. انه رجل سبب الكثير من الشر لشعبه وهدد إسرائيل كثيرا».
