منذ صغرها وهي تحلم بأن يكون لها أولاد وبنات لتهتم بهم تماماً كما تهتم بلعبتها التي أحضرها لها خالها عندما جاء من السفر. كانت «س» إنسانة بسيطة فقد تربت في بيئة ريفية تحترم الأب والأخ والأم والزوج، وقد نشأت على هذه التربية رغم تركها للريف وذهابها إلى المدينة، حيث التحقت هناك بالجامعة وتخصصت في اللغة العربية، بعد تخرجها بسنة ونصف، أخبرتها صديقة لها تعمل في دولة خليجية بأنه بإمكانها أن تجد لها عملاً في إحدى المدارس.

حيث إن تخصصها مطلوب في المدارس الحكومية والخاصة، وافقت «س» على ذلك بعد أن استأذنت والدها ووالدتها وفعلاً تم لها ما أرادت حيث تمكنت صديقتها من أن تجد لها عملاً في مدرسة خاصة، ورغم خبرتها المتواضعة في مجال التدريس حيث لم تعمل في هذا المجال إلا عاماً واحداً بعد تخرجها، إلا أنها تمكنت من أن تثبت جدارتها وتحقق إنجازات طيبة، مما دفع مدير المدرسة لآن يقدم لها في نهاية العام الدراسي هدية تقديراً منه على جهودها وإخلاصها في العمل.

في بداية العام الدراسي الجديد فوجئت «س» بأحد زملائها يفاتحها بحبه لها قائلاً بأنه يريد أن يتقدم لطلب يدها، كان الموقف مفاجئاً والطلب كذلك، وبعد مشاورات ومناقشات مع أهلها وزميلاتها في العمل وافقت على ذلك، انتقلت «س» للعيش مع زوجها «ر»، كان «ر» شخصاً ودوداً فقد كانت معاملته لزوجته معاملة فيها الكثير من الاحترام والود، بعد سنتين من الزواج أنجبت «س» بنتاً فرح بها «ر» فرحاً كبيراً وبعد فترة أنجبت «س» ثانية، وبنتاً ثالثة، أثار إنجاب «س» للبنات حفيظة «ر» الذي طالبها بإنجاب ولد ذكر، فهو يريد ولداً يرثه خاصة وأن والده ترك له ثروة كبيرة لكن «س» أفهمته بأن الأمر ليس في يدها بل في يد الله سبحانه وتعالى.

إلا أن «ر» لم يقتنع وأخيراً قرر الزواج من سيدة أخرى حتى تنجب له ولداً ذكراً، وفعلاً لم يمض على زواجه أكثر من سنة من السيدة الثانية حتى رزق بولد، فرح «ر» فرحاً عظيماً، وكرس كل حياته لابنه ناسياً كلياً بناته الثلاث وزوجته حتى لم يعد يعرف في أي مرحلة دراسية هن، «أحست «س» بأن مسؤولية البنات أصبحت مسؤوليتها هي، وأن عليها أن تكد وتتعب حتى توفر لهن حياة كريمة.

مرت السنون طويلة وقاسية عليها وكبرت البنات ودخلن الجامعة، نفس الجامعة التي تخرجت فيها هي، وبعد ان تخرجن عدن إلى أمهن حيث وجدت كل واحدة منهن وظيفة، فقد عملت الأولى مدرسة لغة انجليزية في حين عملت الثانية محاسبة في أحد البنوك أما الثالثة فقد تخصصت في مجال الصحافة.

كانت العلاقة بين (ر) وزوجته الأولى وبناته شبه مقطوعة فقد كانت زوجته الثانية تحتم عليه ان يذهب إليهن أو ان يلتقي بهن في الوقت نفسه كبر ابنه من زوجته الثانية وتخرج من الثانوية العامة وذهب إلى كاليفورنيا حيث التحق بإحدى الجامعات هناك كانت حياة الابن كلها عرف ومجون فقد كانت كل الأموال التي يأخذها (ر) نظير عمله مدرساً كان يحولها إليها لذا كانت العلاقة بين (ر) وابنه علاقة مالية فقط.

(ر) يستقيل من المدرسة

في أحد الأيام قالت الزوجة الثانية لـ (ر) بأنها تشعر بملل كبير وانها ترغب في ان يكون لها عمل تكسب منه المال، وينقذها من وحدتها والملل الذي تعيش فيه ولان (ر) يكبر زوجته الثانية بنحو عشرين عاماً فقد كان يحاول دائماً ارضاء وتنفيذ رغباتها وإلا فإنها ستحيل البيت إلى نكد وصراخ، ومشكلات.

بعد تفكير استقر الرأي على ان تفتح زوجة (ر) بوتيكاً للأزياء النسائية، وفعلا تم لها ذلك حيث بدأ المحل يعمل بشكل جيد ولان البوتيك كان بحاجة إلى موديلات جديدة باستمرار فقد تطلب هذا الأمر ان يستقيل (ر) من وظيفته في المدرسة ويتفرغ للسفر لإحضار الموديلات الجديدة. في الوقت الذي كانت فيه زوجته تهتم بالمحل.

حقق المحل نجاحاً كبيراً وبدأ (ر) يتوسع في التجارة ولكونه انفق كل مستحقاته في شراء البضاعة الأولى للمحل فقد اضطر ان يستدين من البنك بضمان المحل، بدأ الحظ يبتسم لـ (ر) ولزوجته الثانية وأخذت تجارتهم تزدهر مما دفع ابنهم في كاليفورنيا ان يقترح عليهم ان يشتري شقة هناك باسمه، خاصة انه تزوج فتاة أميركية وحصل على الإقامة الدائمة.

وافقت الأم على ذلك وفعلا تم شراء الشقة على أمل ان تكون هذه الشقة للعائلة عندما يذهبون إلى أميركا لقضاء اجازة الصيف هناك في هذه الاثناء ووسط انشغال (ر) بحياته وتجارته الجديدة نسي ان له زوجة سابقة وبنات ثلاثا ولم يتذكر الا ابنه في كاليفورنيا وزوجته الثانية ومحله التجاري واسفاره الكثيرة والمبالغ الكبيرة التي يضعها في البنوك.

استمرت الأيام وردية مع (ر) حتى حدث ما لم يكن في الحسبان ففي احد الأيام بينما كان عائداً من السفر وقع له حادث سيارة أقعده في المستشفى كان الحادث قد أصاب ساقه اليسرى وقد حاول الأطباء علاجها إلا ان ذلك لم يكن ممكناً فقد قرروا بترها حتى لا يصاب الجسم كله بالغرغرينه.

رفض (ر) هذه الفكرة جملة وتفصيلاً وقرر السفر إلى الخارج للعلاج، دخل (ر) أحد مستشفيات لندن حيث قرر الأطباء في الخارج ما كان الأطباء قد قرروه هنا، وأخيراً تم بتر ساقه.

كان لهذا الحادث اثر نفسي سيئ على (ر) حيث لازم البيت ولم يعد قادراً على ان يخرج إلى الشارع ومما زاد من تعبه النفسي انه لم يجد احداً يسأل عنه ويواسيه فابنه في كاليفورنيا لم يأت لزيارته رغم علمه بما لحق به اما زوجته فقد كان كل همها هو تأمين البضاعة للبوتيك خاصة وان استيراد تلك البضاعة ومسؤولية متابعتها أصبحت مسؤوليتها هي، بعد مضي نحو عام على الحادث أصيب البوتيك بكساد تجاري، فلم تعد فيه بضاعة جديدة، وأصبح الإقبال عليه شبه معدوم، لذا قررت الزوجة الثانية (ر) أن تبيع البوتيك بأي سعر، وذلك لأن الاستمرار فيه يزيد الوضع خسارة.

عندما أخبرت زوجها بذلك عارض الفكرة، فالبوتيك رغم دخله القليل إلا أنه الشيء الوحيد الباقي له، لكن الزوجة أصرّت على رأيها وقامت من دون علم زوجها بالإعلان في الصحف عن بيع البضاعة التي في البوتيك بالجملة.

عندما عرف (ر) ما فعلته زوجته ساءت حالته النفسية والصحية، مما أدى إلى دخوله إلى المستشفى في هذه الأثناء أخبرته زوجته بأنها لا تستطيع العيش في هذه الظروف وان حالتها النفسية أصبحت سيئة جداً وتريد السفر إلى ابنها في الولايات المتحدة الأميركية، طلب (ر) من زوجته عدم السفر لأنه بحاجة إليها لكنها رفضت طلبه قائلة له بأنها لا تريد أن تعمل خادمة عنده وانه عندما تزوجها أخذها زوجة وليس ممرضة.

السفر إلى كاليفورنيا

عادت الزوجة من المستشفى إلى البيت وبدأت في حزم حقائبها ثم ذهبت إلى حيث حجزت تذكرة سفرها إلى كاليفورنيا لكنها قبل أن تذهب لم تنس أن تزور المستشفى لتخبر (ر) بأنها مسافرة وانها تركت له مبلغاً من المال في حسابه.

تركت الزوجة الثانية وراءها كل شيء: البوتيك والعمل وذكرياتها وحتى زوجها (ر) وذهبت تغسل على رمال كاليفورنيا كل الماضي لتبدأ حياتها هناك من جديد.

في هذا الوقت بدأ المستشفى الخاص الذي كان يرقد فيه (ر) يطالب بالفواتير، وعندما سدد (ر) الفواتير المستحقة عليه لم يبق معه في حسابه إلا مبلغ متواضع، ولكي لا يضيع هذا المبلغ اضطر أن يترك المستشفى ويعود إلى شقته، عندما رجع إلى شقته وجدها خاوية من كل شيء إلا من قطع مبعثرة هنا وهناك، دخل إلى غرف الشقة وأخذ ينادي على زوجته ويقول لها إنني عدت أين أنت، لكن لم يكن يسمعه ولا يجيبه ولا يتحدث معه إلا الصمت، فما كان منه إلا أن رمى جسمه المنهك على كرسي ووضع رأسه بين يديه وأخذ في البكاء، عندها تذكر زوجته السابقة وتمنى لو أنها تتصل به أو تسأل عنه، ثم تذكر بناته الثلاث وتمنى لو أنه يرى احداهن، فهو بحاجة إليهن جميعاً، استمر (ر) يقاوم الوحدة في الوقت الذي بدأ المرض يشتد عليه بشكل كبير، حاول أن يتصل ببعض الأصدقاء الذين كان يتعامل معهم عندما كان يدير التجارة فكان بعضهم يجيب وبعضهم لا، حاول (ر) أن يجد عملاً في كافتيريا، حيث عمل على الصندوق فوجد ذلك عملاً مناسباً له وخروجاً من الوحدة التي يعيش فيها، وفي يوم لم يكن يعمل له أي حساب جاءه بواب العمارة يطلب منه أجرة الشقة، وعندما سمع (ر) بالمبلغ المطلوب منه كاد أن يقع على وجهه فهو لا يملك منه شيئاً ذهب (ر) إلى صاحب العمارة يحاول استعطافه، لكن صاحب العمارة أمهله شهرين، فإما أن يدفع أو أن يترك الشقة.

مرت الأيام ثقيلة على الرجل وفي إحدى المرات بينما كان يفتح باب الشقة وقع على وجهه فسال الدم منه وبدأ يصرخ حتى جاء بعض الجيران وحملوه إلى المستشفى، عندما أفاق أخذ يبكي على ما وصلت إليه حالته خاصة أنه حاول أن يتصل بزوجته وابنه في كاليفورنيا لكن أحداً لم يجب، وأخيراً أمسك بالهاتف وطلب المدرسة التي تعمل فيها زوجته الأولى (س) وطلب محادثتها، بعد دقائق جاءت (س) لترد على المتصل، حاول (ر) أن يسلم عليها بود لكن ذلك لم يكن ممكناً فقد كانت جبال من الجليد قد تشكلت وبدأت تحول بينها وبينه، أخبرها بأنه في المستشفى وأن حالته سيئة للغاية وأنه يريد أن يرى بناته.

في البداية حاولت أن تقنعه أن يعود عن فكرته لأن بناته نسينه كما نسيهم هو. لكن (س) وعدته بأنها ستخبر بناته برغبته بعد أن سمعت قصته وهو مملوء بالدموع.

في المساء جلست (س) مع بناتها وبدأت تتحدث معهن عن بر الوالدين وعن التسامح وأخيراً أخبرتهن بأن والدهن في المستشفى ويريد أن يراهن فقلن بصوت واحد بأن ذلك غير ممكن وأنهن لن يذهبن إليه.

انتظر (ر) يوماً ويومين وثلاثة لكن أحداً لم يأت فعاود الاتصال مرة ثانية فأخبرته (س) بأنها أبلغت بناته برغبته إلا أنهن رفضن رؤيته أحس (ر) بأنه يقتل كل يوم وطلب من (س) أن تضغط عليهن فهو يعرف مدى تأثيرها العاطفي عليهن في المساء طلبت (س) من بناتها أن يذهبن إلى أبيهن في المستشفى، وعندما حاولن أن يرفضن ذلك أصدرت أوامرها لهن، وأصبح الموضوع خارج النقاش.

في اليوم الثاني كانت البنات الثلاث يقفن عند سرير والدهن واختلطت مشاعر الحزن والألم والشفقة بعضها ببعض وأخيراً غادرن المستشفى على أمل أن يرينه مرة ثانية.

كان لتلك الزيارة أثر طيب في نفس (ر) وأحس بأنه عاد إلى الحياة من جديد لذا تحامل على نفسه وترك المستشفى إلى شقته بعد يومين كانت بناته الثلاث قد وصلن إلى الشقة ليتفقدن أحوال أبيهن، ومن خلال حديثه عرفن بأنه مهدد بالطرد من صاحب البناية لأن ليس معه ما يدفعه للشقة.

هنا طلبن منه أن يأت للعيش معهن إذا وافقت أمهن، تجمع البنات حول سرير أمهن وطلبن منها أن توافق على أن يأتي (ر) للعيش معهن لكن (س) رفضت ذلك رفضاً قاطعاً.

وهنا أخبرنها بأن حالته الصحية سيئة للغاية وأنه قد يموت في أي وقت، أحست (س) بالشفقة عليه، وأخيراً سمحت له بأن يأتي بشرط أن تكون له غرفته الخاصة وألا يكلمها نهائياً.

جاء (ر) إلى حيث زوجته الأولى وبناته ولأول مرة يشعر بأنه حي وأنه إنسان له قيمته، خلال وجوده في البيت كان (ر) يلاقي كل رعاية وحنان من بناته وعوضنه عن ساقه التي فقدها في الحادث أما (س) فقد رفضت الحديث معه، رغم إشفاقها عليه.

في أحد الأيام كان (ر) ذاهباً إلى الحمام ولم تكن واحدة من بناته في البيت ليساعدنه على ذلك فتعثر ووقع، كانت (س) هي الوحيدة التي رأته فما كان منها إلا أن اندفعت نحوه للمساعدة على النهوض، أمسك يدها وقبلها وقال لها سامحيني فلم ترد عليه بلسانها لكنها ردت عليه بدموع عينيها وكأنها تقول له لقد سامحتك.

إعداد: أحمد سلطان