إسدال العام 2006 لستارته تربويا وإطلالة آخر يقتضيان قراءة موضوعية نقف بها على ما حصدناه في سنة انقضت وتطلعات أخرى، نرصد أحداثاً تأتي في طليعة قضاياها أن المؤسسات التعليمية لا يمكنها أن تتحرك بشكل عشوائي دون رؤية واضحة المعالم، فإذا كان حديثنا قد كثر عن المشكلات المزمنة، إلا أننا تناسينا قضية «الرؤية» الموجهة لحركة النظام التعليمي، حيث اقتصر الكلام على جانب واحد من العملة تمثل في وفاة الرؤية السابقة 2020 بالسكتة الدماغية، ونسينا الحديث عن الاستراتيجية الجديدة وملامحها ووسائل إطلاقها.
وكذلك طرح بعض القضايا على المجتمع التربوي واتخاذ قرارات مهمة بطريقة فجائية اقرب للصدمة بعد حسمها خلف الأبواب المغلقة في مكاتب المسؤولين من باب ذر الرماد في العيون، فيما أوحى لنا واقع الحال في السنة المنقضية أن هناك دراسات أجريت لنظام امتحانات الثانوية القديم لتقييمه وتمخضت عنه تغذية راجعة تؤكد الحاجة لتغيير النظام المطبق وتعديله وتطويره، ما أثار جدلا ميدانيا وعلامات استفهام حول آلية اتخاذ القرارات في المؤسسة الرسمية.
فيما يتعلق بالمشروعات التطويرية التي من المؤكد أنها تصنع الحدث التربوي وإحلال الجديد محل القديم، ما يدعونا للتساؤل: هل يكفي الوقت طال أم قصر لتطوير نظامنا التعليمي الذي يقاوم جهود العلاج ولا يستسلم لها بشكل سريع إذا كانت المنطلقات واستراتيجيات التطوير خاطئة؟
علينا في المرحلة المقبلة أن نرتقي بالتعليم للأهداف المأمولة، ونعيد رسم خارطته وفتح قنواته بما يخدم المخرجات التي ينشدها المجتمع، نريد أن يذهب صغارنا إلى مدارسهم بكامل إرادتهم ورغبتهم، نريد مدارس جاذبة تغذي متطلبات المتعلمين الروحية والنفسية والعلمية والثقافية بمناهج متحركة لا جامدة تواكب العصر وتنظر تجليات المستقبل.
يقول احمد هندام منسق اللغة العربية بتعليمية دبي: لما كان التعليم قضية كل بيت وحلم كل أسرة ومرآة المستقبل لأي مجتمع، فإن صدى أي قرار أو تغيير يتصل بالتعليم يكون مدويا بالغ التأثير.
وحينما تسلم معالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم سدة الوزارة أبدى نشاطاً وطموحا غير مسبوقين وتصدى لقرارات جريئة مؤثرة، كان من أهمها ـ التقويم المستمر للثانوية العامة ـ ، معلناً أن هدفه ينحصر في أمرين: أولهما ـ نزع فتيل الرهبة والقلق والتوتر عن قلوب الأبناء والآباء.
وثانيهما ـ الوصول إلى درجة عالية من الجودة في المنتج التعليمي تتوافق والمستويات العالمية، مستطردا: ما أعظم هذه الأهداف، وما أحوجنا إليها! متسائلاً: هل تحققت هذه الأهداف ميدانيا ؟، مجيباً أنها تجلت في استغاثة الطلاب وأولياء الأمور، لافتاً إلى أن مسؤولاً كبيراً في إحدى المناطق التعليمية قال له إن ابنته لم تنم منذ شهرين مستريحة هادئة إلا بعد أن نقلتها إلى مدرسة خاصة، لقد كانوا يعدون عليهم الأنفاس ويلوحون لهم بالكارت الأحمر على الدوام.
اسألوا بائعي التقارير!
وأضاف هندام من الطبيعي أن المسؤول الكبير يدافع عن المشروع ويشرف على تطبيقه بكل جدية، وليس هذا غريبا، فهناك فصام بين الواقع والمأمول في كثير من مناحي حياتنا.
هذا عن الهدف الأول، أما عن الجودة فاسألوا المكتبات وبائعي التقارير والشبكة العنكبوتية. عفواً ثم معذرة، فإننا لم نصرح بذلك لنطالب بإلغاء المشروع، ولكن لنقول حبذا لو كانت الظروف أكثر ملاءمة لمنهاج جديد مصمم لهذا الأسلوب من التقييم، معلم مدرب على مهارة التقويم الجديد ليؤدي هذا العمل بلباقة ومهارة ومرونة دونما تكلف أو تشنج أو ضعف، وطالب يؤدي هذه المهارات بتلقائية باعتبارها سلوكا تعليميا يوميا اعتياديا.
إن أجواء الشتلات والبذور لابد لها من عوامل متكاملة كي تنبت وتترعرع وتثمر وأهمها: التربة والماء والمناخ والتوقيت، مشيراً إلى أن الميدان التربوي كله قد وضع في أتون التغيير السريع أو بالأحرى «ميكروويف الثانوية الجديدة» يلهث لاستيعاب التجربة، فالرائحة تنبعث.
ولكن القلب والعمق مازالا نيئين، آملاً أن تنجح الإدارة التربوية التي تعمل في همة ودأب في استيعاب الآثار الجانبية لتعاطي المشروع في الفصل الدراسي الأول، وعلينا ألا ننتظر حتى العام المقبل، وليكن العلاج لهذه الآثار خلال الفصل الدراسي الثاني ـ إن شاء الله ـ وعلينا ألا ننسى الأهداف العليا للمشروع وان نمسك بطرفي المعادلة الصعبة، تخفيف الأعباء ودفع القلق والتوتر + الجودة = ثانوية عامة عالمية.
أجواء ضبابية
جعفر الفردان مدير مدرسة السعيدية للتعليم الأساسي في دبي يرى انه في الوقت الذي تنطلق فيه المدرسة الإماراتية نحو فضاء أرحب صوب مدرسة المستقبل التي حملت مفهوم (مجتمع التعلم) وفي الوقت الذي تطالب وزارة التربية والتعليم بوضوح رؤى المدارس وتوجهاتها نحو قيادة الجيل المقبل والتعرف على إمكانات الإدارات المدرسية في رسم سياسة المستقبل التعليمي .
وفي الوقت الذي تفكر فيه في منح المدرسة استقلاليتها كاملة من حيث اختيار كوادرها التعليمية والإدارية بل وحتى اختيار مناهجها وطلابها نجدها تمارس أجواء ضبابية، فلا توجهات واضحة ولا خطة مكتوبة ولا رؤية بعيدة المدى يستطيع المتابع والمتعامل أن يستقرئ ويستشرف المستقبل، مشيرا إلى أن التخطيط هو أساس العمل والتنظيم وهو مطلب رئيسي للحكم عل آفاق المؤسسة.
ولفت الفردان إلى أن رؤية 2020 تقبر وتوأد على الرغم من استنفادها لمبالغ كثيرة واشتمالها على العديد من الإيجابيات التي تدعو للانطلاق نحو المستقبل بطريق واضح، معتقداً أن بقاء الرؤية ومحاولة التعديل والتطوير عليها بما يواكب مستجدات التعليم أمر في غاية الأهمية، مضيفا:
نعم هناك محاولات تطويرية لوزارة التربية في عهدها الجديد فيما يختص مثلا بامتحانات الثانوية العامة وإن تعجل القائمون على أمرها بعض الشيء أصاب المجتمع المدرسي بالكثير من الارتباك والفوضى وجعل الطلبة وأولياء أمورهم في (حيص بيص) لا يعرفون ماذا يفعلون تجاه مستقبل أبنائهم، لهذا علت الأصوات مطالبة بإلغاء النظام الجديد.
ولكنها تبقى في إطار محاولات التجديد والتطوير الذي تنشده الوزارة، كما أن استقلالية المدارس من خلال الميزانيات الخاصة دفعت المدارس قدما لتحقيق رؤاها التطويرية وإعانتها في الكثير من المشكلات التي تعترض طريقها، وإعانتها على تبني مشاريع وبرامج وأنشطة لا صفية مرافقة للمنهاج المدرسي ومحفزة للطلاب، منمية لقدراتهم العقلية والتحصيلية.
السلم التنظيمي
ولفت مدير السعيدية إلى أن الأمر الذي تفكر به جديا وزارة التربية بتقليص دور المناطق وانعكاسه يشكل عبئا اكبر على الإدارات المدرسية، مرتئيا أنها غير مؤهلة في فترتها الحالية لتلقي المزيد من الأعباء لاسيما والسلم التنظيمي داخل المدرسة الإماراتية لا يتناسب مع الآفاق والطموحات التي يتطلبها العمل ولا يتناسب مطلقا مع تجليات الحكومة الإلكترونية، مشددا على أن عدم وضوح الرؤية بالنسبة لمخرجات التعليم وأهداف المتعلمين والى أين نريد الذهاب في ظل مناهج لاتسمن ولا تغني من جوع لا تقدم ما يؤسس ثقافة عامة .
ولا خاصة، ولم تعد أجيال المرحلة التأسيسية قادرة على مواصلة مشوار التعليم لضعف مخرجات المرحلة المذكورة وبالتالي يتم ترحيل المشكلة لما بعد الثانوية العامة، إذن إعادة النظر في مناهج وطرق وأدوات ووسائل تعليم المرحلة التأسيسية أمر واجب وضروري إذا ما أردنا الارتقاء بالتعليم للأهداف المنشودة للمرحلة المقبلة التي ننشد فيها مدرسة المستقبل.
فالتطوير بحسب رأيه يجب أن يكون جوهريا لا شكليا، ولابد أن نعيد رسم خارطة التعليم مجددا بتشعيب التعليم وفتح قنوات تعليمية تخدم المخرجات التي ينشدها المجتمع لا تخدم فقط متطلبات الجامعات، آملاً أن يذهب أطفالنا لمدارسهم بكامل رغبتهم وإرادتهم لا بالإجبار والإلحاح.
ويريد مدارس جاذبة على مستوى المضمون تغذي متطلبات الطلبة الروحية والنفسية والعلمية والثقافية، طامحا في مناهج متحركة لا جامدة تواكب متطلبات العصر وتنظر لتجليات المستقبل ما يعكس الإسهام في الارتقاء بالتعليم وتطويره.
مجالس التعليم
ويطمح الدكتور حسين المطوع ـ خبير تربوي في أن يكون هناك تنسيق بين مجالس التعليم في مختلف إمارات الدولة وصولا لتشكيل مجلس أعلى للتعليم يرسم السياسة العامة لاستراتيجية تعليمية طموحة عبر سياسة واضحة المعالم والأهداف والرؤى تتناسب مع ما تشهده الدولة من نمو اقتصادي لافت بحيث يلبي التعليم طموحات المجتمع وحاجة سوق العمل، آملا كذلك في إطلاق يد المدارس نحو مزيد من الصلاحيات بحيث تشكل كل مدرسة مجلسا لإدارتها للتنسيق والتشاور ومساعدة مدير المدرسة للقيام بمهامه.
وتساءل الدكتور المطوع: ما البديل للخطط والاستراتيجيات السابقة التي صرفت عليها مبالغ طائلة ولم تعد بالنفع على الميدان التربوي، مطالبا بوضع أهداف عليا قومية واضحة المعالم نحدد بها ما نعوزه وطنياً وانتمائياً وكيف تكون مخرجاتنا التربوية بمشاركة مجتمعية واسعة.
ويرى محمد حسنين مدير مدرسة الكمال الخاصة في الشارقة أن الحدث الذي طغى على الساحة التربوية في 2006 وجعل الناس تنسى الأحداث الأخرى سواء الإيجابية أو السلبية نظام امتحانات الثانوية العامة الجديد الذي يصعب على أي إنسان يعمل بالمجال التربوي الحكم عليه لعدم التقديم الجيد له وافتقاره إلى الإعداد سواء على صعيد المدارس.
أو المجتمع، ما يؤكد عدم تهيئة المعلمين والطلبة ومعهما إدارات المدارس لمناخه وأجوائه، كما أن المسؤولين في التربية لم تكن الصورة لديهم كاملة يمكن نقلها بوضوح إلى الميدان التربوي، وعكسه ذلك اللقاءات التي تمت مع الطلبة وأولياء أمورهم، حيث لم يستطع القائمون على أمر هذه اللقاءات توصيل أفكارهم.
وإن كانت ايجابية وبالتالي يصعب الحكم على هذا النظام بأنه غير صحيح بطريقة صحيحة، آملا في 2007 الإعداد الجيد لأي مشروع بأسلوب علمي وتجربته وتقييمه وعدم الخجل من الاعتراف بفشله بعد تجربته، معتبرا ذلك افضل بكثير من تعميمه دون دراسة أو تجربة.
وتأمل عائشة رضا البيرق مديرة مدرسة أم الفضل بنت حمزة للتعليم الأساسي في2007 أن نرى مدارسنا قائمة على مبادئ الشفافية والعدالة والمساءلة، مدارس متحركة ذات انجازات متميزة، تنافس نفسها والآخرين، مرتئية أن ذلك لن يتحقق إلا بوضع استراتيجية ذات محاور قابلة للقياس والتطبيق، وإعادة هيكلة الإدارات التي تشرف على مدارس القطاع الحكومي العام من أجل مخرجات تعليمية مؤهلة ومتميزة، ومواكبة لمسيرة التنمية مع المحافظة على الهوية الأصيلة للمجتمع، ووضع اللوائح والنظم والتعامل معها بشفافية.
ووضع خطة تنفيذية لتنمية الموارد البشرية في المدارس لاسيما المعلم لكي يتعاطى ايجابيا مع المناهج الجديدة مع الاهتمام بمكافأة وتقدير جهود وانجازات الموارد البشرية، ووضع نظام لقياس الأداء المؤسسي كونه يوفر البيانات والمعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات بشأن عمليات التطوير والتحسين والتحفيز لتحقيق أهداف الوطن المستقبلية.
تحقيق: يحيى عطية