كان معروفاً وسط زملائه بالاستقامة والصلاح فقد كان إنساناً متديناً وخلوقاً ويعطي لعمله كل وقته إلا فترة قصيرة من الزمن يقتطعها لأداء الصلوات التي يحين وقتها في أثناء وجوده في المكتب. كان (أ) سعيداً جداً في حياته فقد رزقه الله زوجة صالحة أسلمت على يديه وحسن إسلامها بعد أن تعرف عليها في أثناء دراسته للهندسة في إحدى الجامعات الألمانية، ومما زاد من سعادته أنه رزق بطفل جميل يحمل ملامح أمه الألمانية الجميلة ورجولة والده.

صديق بالإكراه

في أحد الأيام بينما كان (أ) جالساً في مكتبه في إحدى صالات عرض السيارات تقدم منه شخص يدعى (ب) فحياه بأدب شديد قائلاً له هل أنت (أ) ابن فلان فقال (أ) نعم أنا هو فقال له (ب) ألا تذكرني، فرد (أ) لا، فقال له (ب) أنا فلان وذكر له اسمه بالكامل، وأضاف (كي يقرب له الصورة) لقد كنت أنا وأنت في مدرسة «®®®.» في صف «®®®.» وبدأ (ب) يسرد لـ (أ) بعض الأحداث التي وقعت في المدرسة وفي الصف في أثناء الدراسة، وعندما تذكر (أ) هذه الأحداث بدأ يستعيد بعض الملامح للشخص الذي يقف أمامه.

بعد جلسة لم تستمر طويلاً في مكتب (أ) قال (ب) انه جاء إلى المعرض ليشتري سيارة ليعمل عليها فنصحه (أ) بسيارة نصف نقل وذات مقعدين أمامي وخلفي بحيث يستخدمها كسيارة صالون وسيارة نقل في نفس الوقت، أعجب (ب) بالفكرة، وفعلاً قام بشراء السيارة ودفع جزءاً من قيمتها فيما بقي الجزء الأكبر مقسطاً على شيكات، بعد أن أخذ (ب) السيارة، بدأ بدفع كل شهر من الأقساط المستحقة عليه و كان كلما ذهب إلى الشركة لدفع قيمة القسط لا ينسى أن يمر على صديقه (أ) في مكتبه ويتجاذبان أطراف الحديث ويشربان الشاي معاً.

أزمة مالية

في أحد الأيام جاء (ب) إلى الشركة وقال لـ (أ) إنه غير قادر على دفع القسط لهذا الشهر وطلب منه أن يتوسط له لدى الشركة لتأجيل القسط إلى الشهر المقبل على أن يدفع القسطين معاً. ذهب (أ) إلى مدير الشركة وطلب منه أن يؤجل القسط الخاص بسيارة (ب)، وهنا طلب المدير من (أ) أن يوقع تعهداً على أن يقوم هو بسداد المبلغ في حالة تعذر الحصول عليه من (ب)، وبدون تردد قام (أ) بتوقيع التعهد.

بعد شهر من ذلك جاء (ب) طالباً من صديقه (أ) أن يؤجل له القسطين، وذلك نتيجة لظروف عائلية ألمت به قائلاً إن زوجته دخلت المستشفى وقدر الأطباء إجراء عملية لها وستتكلف الكثير من المال، وبدون تردد قام (أ) بتوقيع تعهد ثان للشركة على أن يدفع الأقساط المتأخرة في حالة عدم قدرة (ب) على التسديد.

في الشهر الثالث جاء (ب) بمبلغ بسيط لا يغطي سوى قيمة نصف قسط وأعطاه لـ (أ) قائلاً له إنه لا يستطيع دفع المزيد، وذلك لأن كل ما يجمعه من دخل السيارة يقوم بدفعه إلى المستشفى حيث أن تكاليف العلاج مرتفعة كثيراً.

حاول (أ) أن يسوي الأمور بين (ب) والشركة إلا أن مدير الشركة رفض ذلك وأصر على أن تسدد جميع المبالغ المستحقة قبل الحديث عن أي تسويات جديدة وعليه قام مدير الشركة بإمهال (ب) لمدة أسبوع وإلا فإنه سيرفع الأمر إلى الشرطة وسيطالب بحجز السيارة، أحس (ب) بأنه سيخسر مصدر رزقه إن هو خسر سيارته وأن المستشفى الذي يعالج فيه زوجته قد يوقف علاجها بل وسيقوم بطردها.

في مساء أحد الأيام اتصل (ب) بـ (أ) طالباً مقابلته وفي أثناء اللقاء شرح له جميع مخاوفه من قيام مدير الشركة بإبلاغ الشرطة وحجز السيارة وكيف أن عملاً كهذا سيؤدي إلى مشكلات كثيرة له ولأسرته خاصة لزوجته التي تتلقى العلاج وكحل لهذه المشكلة الإنسانية طلب (ب) من (أ) إن يعطيه مبلغاً من المال على سبيل القرض لسداد أقساط السيارة إلا أن (أ) اعتذر عن ذلك قائلاً إنه ليس لديه ما يعطيه لـ (ب) خاصة وان الأقساط المتبقية على السيارة تزيد على ثلث ثمنها الأصلي.

انقضت المدة التي حددها مدير الشركة لـ (ب) حتى يسدد المبالغ المستحقة عليه إلا أنه لم يأت لتسوية وضعه وهنا قام مدير الشركة بإبلاغ الشرطة التي عممت على السيارة وقامت بحجزها، أدى حجز السيارة إلى إصابة (ب) بانتكاسة مالية كبيرة وهنا ذهب مسرعاً إلى (أ) ليجد له حلاً مع مدير الشركة خاصة وأن المستشفى أبلغه بأن عليه أن يسدد مبلغاً من المال مقابل علاج زوجته وإلا فإن إدارة المستشفى ستوقف العلاج.

نتيجة لهذه الظروف الضاغطة على (ب) وافق (أ) على أن يقوم هو بدفع الأقساط المتبقية على السيارة حتى يستطيع (ب) استعادتها ويتمكن من العمل عليها وتأمين المال الضروري لعلاج زوجته وطلب (أ) ضماناً لحقه مقابل المبلغ الذي سيدفعه أن يعطيه (ب) عدداً من الشيكات تغطي المبلغ المتبقي من قيمة السيارة.

أخذ (أ) الشيكات وبعد ذلك قام بدفع المبلغ المتبقي على السيارة، وهكذا استطاع (ب) أن يفك الحجز عن سيارته وان يبدأ عمله عليها من جديد، شكر (ب) لـ (أ) صنيعه مؤكداً له بأنه لن ينسى له هذا الجميل، ومؤكداً في الوقت نفسه بأنه سيلتزم بسداد الشيكات التي عليه في الوقت المحدد لها.

الهروب

التزم (ب) بأول شهرين، حيث قام بتسديد المبلغ المستحق عليه إلى (أ)، أما في الشهر الثالث فقد تغيب ولم يأت لسداد الشيك هنا قام (أ) بالاتصال به طالباً منه الحضور لسداد المبلغ فرد عليه (ب) قائلاً بأن حالة زوجته الصحية قد تدهورت كثيراً وأنه أضطر لنقلها إلى مستشفى تخصصي مما زاد من أعبائه المالية وطلب من (أ) أن يمهله بعض الوقت حتى يدبر له الأمر.

أحس (أ) بأن من واجبه الأخلاقي والإنساني الانتظار بسبب ظروف (ب) المالية والوضع الصحي لزوجته لذا لم يضغط عليه من أجل إحضار النقود.

في أحد الأيام اتصل (أ) بـ (ب) ليطمئن على صحة زوجته فوجد هاتفه النقال خارج نطاق الخدمة، فقال في نفسه لعل (ب) لم يستطع تسديد فاتورة هاتفه فقامت الشركة بقطع الاتصال عنه حاول (أ) الاتصال مرة ومرتين لكنه لم يتمكن من ذلك، حيث كان الهاتف خارج الخدمة وعندما جاء موعد سداد القسط المستحق عليه لم يأت (ب) في الموعد مما جعل (أ) يشعر بالخوف على ماله الذي دفعه ككفالة لسيارة (ب) قام (أ) بعدة محاولات للاتصال بـ (ب) إلا أن كل محاولاته باءت بالفشل هنا بدأ (أ) يفكر بأن يبلغ الشرطة إلا انه رجع عن الفكرة وذلك لكي يعطي (ب) فرصة ثانية.

في الوقت الذي بدأ يبحث فيه عن طريقة توصله إلى (ب) بعد محاولات مضنية تمكن (أ) من الوصول إلى (ب) وعندما عاتبه على سبب تأخره عن سداد القسط المستحق عليه أكد له (ب) بأن المبلغ متوفر لديه ولكن ظروف زوجته القاهرة هي التي منعته من الحضور، وأبدى (ب) اعتذاره على التأخير وأكد لـ (أ) بأنه سيحضر إلى مكتبه خلال ثلاثة أيام أو أقل ليعطيه المبلغ.

انتظر (أ) الأيام الثلاثة إلا أن (ب) لم يحضر وعندما اتصل به لم يرد عليه عرف (أ) بأنه وقع في يد نصاب وأن الحل الوحيد هو إبلاغ الشرطة ولكن قبل أن يقوم بهذه الخطوة استفسر من بعض الأشخاص تعرف منهم ان (ب) يجلس في مقهى (....) وعلى الفور توجه إلى حيث المقهى الذي يجلس فيه (ب) وفعلاً وجده هناك.

عندما رأى (ب) (ا) رحب به ترحيباً حاراً واعتذر له على التأخير مؤكداً له ان لديه قطعة من الأرض وانه عرضها للبيع وانه سيقوم بتسديد المبلغ كاملاً خلال أيام قليلة بعد ان يتسلم ثمن الأرض، رغم عدم ثقة (أ) بما قاله (ب) إلا انه لم يجد بداً من الموافقة لكنه قال لـ (ب) بأنه سينتظر لمدة أسبوع واحد فقط وفي حالة عدم إحضاره المبلغ فانه سيقوم بإبلاغ الشرطة.

لأول مرة يشعر (ب) بأنه مهدد فعلاً وان (أ) قد ينفذ تهديده ويبلغ الشرطة فما كان منه إلا ان هدأ من غضب (أ) قائلاً له ان يمهله ثلاثة أيام فقط وليس أسبوعاَ وفي حالة عدم سداد المبلغ فان (أ) في حل من أي التزام ويمكنه ان يبلغ الشرطة.

عاد (أ) إلى منزله وهو يفكر في هذه الورطة التي وجد نفسه فيها بدون أن يدري.

اتصال هاتفي

قبل انقضاء اليوم الثالث اتصل (ب) بـ (أ) قائلاً له إنه استطاع ان يبيع قطعة الأرض التي لديه وانه يرغب في لقائه حتى يعطيه المبلغ المتبقي عليه، أحس (أ) بفرحة كبيرة لأنه سيتخلص من هذه الورطة التي وجد نفسه فيها بسبب طيبة قلبه، كما أحس بشيء من تأنيب الضمير لأن شكوكاً سيئة راودته حول تصرفات (ب).

طلب (أ) من (ب) ان يحضر إلى مكتبه ليسلمه المبلغ لكن (ب) اعتذر قائلاً له إن زوجته خرجت من المستشفى بعد ان أخبره الأطباء بأنه لا أمل في شفائها ولكونها موجودة في البيت وحدها فانه لا يستطيع مغادرته، حيث ان الحالة الصحية لزوجته بدأت تسوء بشكل كبير، وطلب(ب) من (أ) ان يكمل جميله وان يحضر إلى بيته حتى يتسلم المبلغ منه.

وافق (أ) على ذلك ووجد بأنه من المفروض ان يراعي ظروف (ب) النفسية خاصة بعد أن وصلت صحة زوجته إلى هذا الوضع الميؤوس منه، كان (ب) يسكن في منطقة تبعد نحو ساعة بالسيارة من المدينة التي يسكن فيها (أ) ولأن (أ) كان صائماً في ذلك اليوم فقد فضل أن يأخذ سيارة أجرة بدلاً من استخدام سيارته الخاصة ولأنه لا يعرف بيت (ب) فقد اتفق معه على ان يلتقي به في أحد الأماكن العامة المعروفة ليعطيه المبلغ. اتفق الاثنان على هذا الأمر وعندما وصل (أ) إلى المكان المحدد وجد (ب) في انتظاره رحب (ب) كثيراً بـ (أ) واعتذر له لأنه لا يستطيع ان يأخذه إلى البيت لأن البيت غير منظم بسبب وضع زوجته الصحي، فقال له (أ) بأنه يريد ان يأخذ المبلغ ويعود إلى بيته لأنه صائم وزوجته صائمة وتنتظره حتى يفطران معاً.

عندما عرف (ب) بأن (أ) صائم أصر على ان يأخذه إلى أحد المطاعم ليتناول الإفطار قائلاً له ليس من المعقول ان تأتي كل هذه المسافة وأنت صائم ثم تعود دون ان نقوم بالواجب.

في مطعم متواضع جلسا ينتظران أذان المغرب، كان الوقت يمر ثقيلاً على (أ) لكنه كان يشغل لسانه وقلبه بالذكر في حين كان (ب) يجري اتصالات من هاتفه النقال. مع أذان المغرب وصل شخص إلى حيث يجلس (ب) و(أ) وقام (ب) بتعريف (أ) على ان هذا الشخص الذي وصل للتو من أعز أصدقائه على طاولة بسيطة جلس الثلاثة ومع انتهاء أذان المغرب تناول (أ) بضع لقيمات من الطعام الذي كان أمامه ثم ذهب إلى ركن قريب وأدى صلاة المغرب.

في هذه الأثناء كان (ب) وصديقه جالسين يدخنان السجائر بعصبية واضحة، بعد انتهاء (أ) من أداء الصلاة طلب منه (ب) ان يذهب معه لإحضار الفلوس من البيت وقال له تستطيع ان تنتظرني في السيارة حتى أدخل إلى البيت وأحضر لك النقود خرج الثلاثة إلى السيارة حيث جلس (أ) بجانب (ب) في حين جلس الشخص الثالث في المقعد الخلفي انطلق (ب) بسيارته نحو المزارع وعندما ابتعد عن الأماكن السكنية أوقف (ب) السيارة وقام بالإمساك بيدي (أ) في حين قام الشخص الذي كان يجلس في الخلف بلف حبل من النايلون القوي على رقبة (أ) وبدأ يضغط عليها بقوة وخلال ثوان معدودة جحظت عينا (أ) وخرج لسانه متدلياً من فمه وأسلم روحه لله.

بعد أن تأكد (ب) والشخص الذي كان معه ان (أ) قد مات قاما بإنزال جثته من السيارة وسكبا عليها كمية كبيرة من البنزين بحيث غطت كامل جسده خاصة وجهه حتى تضيع ملامحه، ثم قاما بأخذ جميع الأوراق الخاصة التي كانت في حوزته وبعد ذلك أشعل النيران في الجثة.

كانت النار قوية حتى أتت على كامل الجثة وحولتها إلى فحم بعد ان تأكدا من فعلتهما وأنها تمت بنجاح هربا من المكان وذهب كل إلى بيته. في اليوم الثاني عثر بعض المارة على الجثة المتفحمة حيث أبلغوا الشرطة بذلك التي أخذت تتحرى عن صاحبها، كانت عملية التحري صعبة للغاية حيث لا ملامح للجثة ولا أوراق ثبوتية، أما الوجه فقد كان محترقاً بالكامل حيث لم يبق من الرأس سوى الجمجمة المتفحمة.

وسط هذا البحر من الغموض شاهد أحد الضباط عقلة إصبع السبابة للقتيل حيث وجدها لا تزال سليمة ولم تصلها النيران فأخذ بصماتها لعله من خلال تلك البصمات يستدل على صاحب الجثة.

في هذه الأثناء بدأت الشرطة تبحث عن البلاغات الخاصة بالمتغيبين وبعد مرور 48 ساعة وصل بلاغ من سيدة تقول ان زوجها تغيب عن البيت منذ يومين وعند التحقيق معها أفادت بأنه ذهب إلى رجل يدعى (ب) ليأخذ منه مالاً مستحقاً عليه، وحددت للشرطة المدينة التي فيها (ب) قامت الشرطة بمقارنة بصمات السبابة التي وجدوها سليمة في الجثة وبصمات لـ (أ) أخذوها من بيته حيث تبين ان البصمات متشابهة وان عقلة الإصبع هذه تعود إلى (أ).

أخذت الشرطة تبحث عن (ب) وبعد ان استدلت عليه بدأت التحقيق معه موجهة له تهمة قتل (أ).

في بداية التحقيق أنكر أي صلة له بالجريمة إلا ان جميع الدلائل كانت تشير إلى تورطه، حيث انه هو الشخص الوحيد المستفيد من مقتل (أ) كما ان أقوال زوجة (أ) بأن زوجها ذهب إلى مدينة «®®®.» لأخذ المبلغ من (ب) ووجود الجثة في نفس المدينة كلها مؤشرات على ان (ب) هو المتورط في عملية القتل.

لم يستطع (ب) ان يستمر طويلاً في الإنكار حيث اعترف بما نسب إليه وانه اختلق مرض زوجته حتى لا يعطي (أ) المال الذي دفعه كأقساط للسيارة وانه غير متزوج أصلاً، كما اعترف أيضاً بأن الشخص الذي كان معه قام بمساعدته على قتل (أ) مقابل مبلغ من المال. بعد اعترافه بجريمته بدأ (ب) يصرخ عالياً وهو يقول لقد عرفت ان أمري سينكشف فقد رأيت سبابة يده اليمنى وهو يتشهد في صلاة المغرب وكأنها تشير إلي بأني أنا القاتل.. لقد كانت سبابة إصبعه تشير إلي تريد قتلي، بعد المداولات أصدرت المحكمة حكماً بالإعدام شنقاً على (ب) ولرفيق السوء الذي كان معه.

إعداد ـ أحمد سلطان