قال الشيخ: أكرمني الحق سبحانه وتعالى بحجٍ إلى بيته الحرام وزيارة إلى مدينة رسوله عليه الصلاة والسلام، بصحبة مجموعة على رأسها أحد العلماء العارفين بالله، مما شكل عندي وقفات تأمل وتفكر في سلوك الأفراد والمسلمين على وجه العموم، أسأل الله أن يفيد منها كل من سيطلع عليها. وأن يجعلها «كالحج» خالصة لوجهه الكريم دون أن يشوبها رياء أو تطلع إلى حظ من حظوظ النفس في هذه الدنيا الفانية.
كثيرون هم الذين يرون في ذهابهم إلى البيت الحرام ومسجد النبي عليه الصلاة والسلام عزيمة يؤجرون عليها ويغفر لهم بها ما تقدم من ذنوبهم، وعلامة اصطفاء ورضا ودعوة من رب العباد للمعتمر أو الزائر أو الحاج، فيحسنون الظن بأنفسهم ويظنون أنهم قد شارفوا على الفوز في الآخرة إلا أن للمسألة وجوهاً أخرى لا بد من التأمل فيها والتريث عندها.
فشد الرحال إلى الأراضي المقدسة لا شك أنه من الأعمال التي يؤجر عليها صاحبها والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، والعمرة أو الحج فيه قليل أو كثير جهد وبذل للمال والوقت، مما لو كان خالصاً لوجه الله بريئاً من الرياء والكبر والعجب بالنفس لا يمكن إلا أن يقابل بفضلٍ من الكريم، من تيسير أمور الدنيا وعظيم الأجر في الآخرة، إلا أن المؤمن الحقيقي العارف بالله والمحب له يرى في ذهابه إلى تلك البلاد إكرام ربه له .
وتيسيره وتهيئته للظروف والشروط الكافية لمثل هذه الرحلة، فهو يرى فعل الله في قصده للعمرة أو الحج قبل فعل نفسه، وهو يشكر الله على مده بأسباب ذهابه من مالٍ وقوة وتيسير قبل أن يشكر نفسه، وكلما اقترب المؤمن من حقيقة الإيمان وجوهره ومن صادق حبه لله وإخلاصه تضاءل في نظره فعله وجهده وبذله مستشعراً نعمة الله عليه وفضله بأن أتاح له ما لم يتحه لغيره، مع أن غيره منهم من يفوقونه صلاحاً وتقوى وحباً لله ورسوله.
فالله الغني عنا وعن زيارتنا لبيته ومسجد رسوله، وهو الودود اللطيف والحليم الكريم..... وهي أسماء لها وقعها العظيم عند أصحاب الذائقات الروحية السليمة، عندما يدعو أحدنا وييسر له ويمده بما يكفي للوصول إلى مكة والمدينة، فإن في هذه الدعوة والتيسير دعوة محبوب لمحبه لزيارة بيته ونبيه عليه الصلاة والسلام، وأهل الحب في الأرض ممن تتعلق قلوبهم بموضوعات بشرية يقدرون معنى أن يسمح المحبوب لمحبه بزيارته ورؤيته، فكيف برب العزة وهو المحبوب الأول والآخر والظاهر والباطن وقد دعا محبه من ضعاف الخلق ويسر له الوصول إلى حيث اللقاء والوصال.
إن أول ما يجب على المعتمر أو الحاج أن يحققه في نفسه معنى فضل الله وفعله في إيصاله لبيته ومسجد نبيه، مما يجب أن يرجح على حسن ظنه بنفسه وتقديره لفعله البشري رجحاناً يصل إلى حدود إنكار المؤمن المحب لفعله أمام فعل الله ولجهده وبذله أمام دعوة الله وتيسيره، أما من يرى في عمرته أو حجته فعله وجهده وبذله للمال والوقت فهو ممن يُخشى على إيمانهم ويُطعن في محبتهم لله ورسوله.
والفرق أوسع من أن يتم تجاهله بين معتمر أو حاج يرى في صلاته وقيامه وطوافه وسعيه جهوداً ومشاقً يتكبدها لينال أجره عليها، وبين آخر يرى في عبادته في تلك البلاد لقاءً طالما تاقت نفسه إليه مع محبوبه الأول، فهو فرح بربه ورسوله يكاد يطير فوق الأرض ويحلق مع الملائكة العابدين السائحين، فالحب يذلل المشاق والصعوبات، ويملأ النفس والروح بنشوة هي أقرب إلى السكر، ويجعل المحب في إقباله على العبادة لا يتعب ولا يسأم ولا يمل، ومن يمل في حضرة المحبوب بعد أن سمح له بأيام من القرب والوصال!
إن الطمع برحمة الله وغفرانه وبثوابه وأجره لا يتنافى مع هذا المعنى الذي نرى أنه من أول ما يجب أن يحققه المعتمر أو الحاج في نفسه، فمن قال إن المحب لا يطمع بكرم محبوبه وعطائه؟ ومن قال إن مؤمناً لا يخشى بطش ربه وعقابه ولا يطمع في رحمته وعفوه وغفرانه؟ ولكن الله أراد لنا أن نعبده عبادة المحبين (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما حتى نفسه التي بين جنبيه) ثم عباده الخائفين والطامعين بكرمه ورحمته.
ثم إن المؤمن المحب يستخف بجهده وبذله ويراهما ثمناً رخيصاً لعطاء كبير يمن به عليه محبوبه الأول في استقباله في بيته الحرام ومسجد نبيه عليه الصلاة والسلام. فما الذي تعنيه أيام من التعب مع قليل أو كثير من مال فان أمام معاينة الكعبة أو السلام على النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وأمام ساعات يمضيها المؤمن المحب في السّحر في المسجد الحرام أو المسجد النبوي وعين الله على عبيده وهو نازل نزولاً يليق بجلاله إلى السماء الدنيا سائلاً: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، هل من صاحب حاجة فأقضيها،هل من مستوحش فأونسه.
إن فعل العبد إن أحسن هو من فضل المعبود، ومن رأى فعله أكثر من فضل ربه أساء الأدب مع مسبب الأسباب وسيد الأحباب.
ماهر سقا أميني