كان كابوساً قاسياً وتجربة مؤلمة لها ولغيرها من الفتيات اللواتي وقعن في الفخ ذاته «العرافة» عمة العريس «النصاب» وتدله على الفتيات بمجرد خروجهن من عندها كانت (ن) من الفتيات الجادات في حياتهن، ولهذا لم تضيع الوقت فما كادت تتخرج من الثانوية العامة حتى التحقت بإحدى الجامعات وتخصصت في برمجة الكمبيوتر، ومنحها هذا الاختصاص خدمة لاختيار أفضل الوظائف بعد تخرجها حيث التحقت في البداية بوظيفة حكومية ثم وجدت عرضا أفضل في أحد البنوك وأخيراً استقرت في شركة معروفة للسيارات ومن ماركة عالمية حيث كانت هذه الوظيفة هي التي تبحث عنها، فقد تمكنت من خلالها تحقيق ذاتها إضافة إلى تحقيق طموحاتها المالية.

تقدير.. واحترام

كانت (ن) مخلصة في عملها لذا وصلت إلى منصب رئيسة قسم التصميم والإعلان في شركة السيارات تلك وهذا جعل مرتبها يقفز إلى مبلغ كبير، ولأن هذه الأموال التي كانت تحصل عليها من مرتبها ومن (البونص) الذي كانت تأخذه من الشركة تعتبر فائضاً عن حاجتها، خاصة وأنها تسكن وتأكل في بيت والدها، فقد قدرت أن تستثمرها في الأسهم، حيث أضافت هذه الخطوة أموالاً أخرى إلى رصيدها، بدأت الشركة تهتم أكثر وأكثر بـ (ن) حيث كانت ترسلها إلى مؤتمرات وندوات في الداخل والخارج أثبتت (ن) خلالها أنها قادرة على العطاء وإفادة الشركة، ورغم المنصب الكبير والأموال التي لديها والسيارة الفارهة التي تقتنيها، إلا أنها بقيت تشعر بأن هناك شيئاً ينقصها، فقد كانت بحاجة لأن يكون لها أسرة خاصة بها وأن يكون لها زوج وأولاد شأنها في ذلك شأن أية فتاة أخرى، خاصة وأن عدداً من زميلاتها اللواتي كن معها في الجامعة تزوجن وأنجبن، وأصبحت لهن حياتهن المستقلة، بدأ هذا التفكير يأخذ حيزاً كبيراً من وقت (ن) إلا أنها في النهاية كانت تعتبر أن هذه المسألة بيد الله وليس لأحد دخل فيها.

عريس غير مناسب

ذات يوم أخبرتها أمها أن صديقة لها تريد أن تخطبها لابنها، فرحت (ن) بهذا الخبر، إلا أن فرحتها لم تدم طويلاً، حيث عرفت أن الشاب الذي يريد الاقتران بها لا يحمل سوى مؤهل متوسط وهو يعمل في إحدى الوزارات في وظيفة متواضعة، لكنها تناسب مؤهله، لذا رفضت (ن) الفكرة جملة وتفصيلاً وقررت أن تزيد اهتمامها بعملها وتترك أمر زواجها للظروف، إلا أن مسألة رفض (ن) للشاب الذي كان يريد الزواج منها أثارت عند الأم حفيظة دفينة وهي البحث عن سعادة ابنتها، لذا ذهبت الأم هي وإحدى صديقاتها إلى إحدى العرافات وطلبت منها أن ترى طالع «ن» وسبب عدم زواجها حتى الآن رغم أنها شابة متعلمة ومثقفة وعلى قسط كبير من الجمال إضافة إلى مركزها الوظيفي والمالي، طلبت العرافة من أم «ن» أن تحضر لها قطعة من ملابسها واشترطت العرافة أن تكون القطعة سبق «ن» أن لبستها وعليها شيء من رائحة عرقها، وبسرعة كبيرة ذهبت الأم إلى غرفة ابنتها وأحضرت للعرافة ما طلب.

وقالت العرافة

أخذت العرافة الملابس وطلبت من أم «ن» ان تأتي في الغد، في الموعد المحدد ذهبت الأم إلى العرافة حيث أخبرتها الأخيرة بأن ابنتها لن تتزوج مادامت في وضعها الحالي حيث إن إحدى السيدات عملت لها «عملا» جعل العرسان يعزفون عنها، لذا فانه من الضروري فك العمل، ثم طلبت العرافة أن تقابل «ن» حتى تعطيها بعض الدواء إضافة إلى حجاب من جلد غزال تضعه تحت رأسها ولم تنس العرافة أن تطلب رأس ديك (رأس ديك فقط) بالإضافة إلى حَبْ الهيل (حب هان) وبضعة أعواد من القرفة والزعفران ومبلغاً من المال، فكرت أم «ن» في طلبات العرافة فوجدتها بسيطة ويمكن القيام بها، لكن المشكلة كيف يمكن أن تقنع ابنتها «ن» أن تذهب معها إلى العرافة.

وأخيراً وجدت أم «ن» طريقة تحتال بها على ابنتها تتلخص في أن تطلب منها أن تذهب معها إلى العرافة بحجة أن الأم تشعر بصداع وتريد دواءً من الأعشاب ورغم معارضة «ن» أن تذهب أمها إلى مثل هؤلاء الناس الدجالين إلا أنها وافقت إرضاء لأمها، عندما وصلت «ن» إلى بيت الدجالة ودخلت إلى المكان شعرت بنفور شديد فطلبت من أمها أن تعودا لكن الأم أصرت على أن تدخلها إلى حيث (الست المبروكة) دخلت «ن» وأمها.

وفوجئت «ن» بأنها هي المقصودة وأن أمها أحضرتها إلى هذه السيدة «الطيبة» حتى تفك لها عقدة زواجها، قامت العرافة بكل ما تريد أن تقوم به من حركات وتصرفات وحرق بخور وغير ذلك ثم عملت حجاباً وأعطته إلى «ن» قائلة لها سوف يأتيك ابن الحلال قريباً لكن عندما يأتي عليك أن تعطيني «000 ,30» دولار ورغم عدم قناعة «ن» بكل ما قامت به العرافة إلا أنها وافقت إرضاءً لأمها، (خرجت «ن» ووالدتها من بيت العرافة وقد أصاب «ن» شيء من الإحباط فهل يعقل أن تصل الأمور بها إلى هذا المستوى، وهي الإنسانة المتعلمة وصاحبة المنصب الرفيع والتي يحسب لها الجميع في الشركة ألف حساب. أخذتها أفكارها بعيداً، حيث أفاقت على صوت أمها تقول لها: افتحي باب الكراج بجهاز التحكم فقد وصلنا البيت، دخلت (ن) إلى غرفتها وهي تشعر بألم نفسي فليس من المعقول أن تبحث لها أمها بواسطة عرافة عن «ابن الحلال»، كان يجب أن لا يحدث هذا وإذا حدثت مثل هذه الأمور فيجب أن تحدث من الأخريات أنصاف المتعلمات أو غير المتعلمات أما هي فلا.

الفرح يعم البيت

لم يمض على زيارة أم (ن) للعرافة أكثر من أسبوعين حتى جاء شاب وسيم يطلب يد (ن) للزواج، كان الشاب يعمل في وظيفة حكومية مرموقة، ويركب سيارة فارهة ذات ماركة معروفة جداً فرحت أم (ن) فرحاً كبيراً لذلك ما كان منها إلا أن طلبت من ابنتها الموافقة على العريس فظروفه كما يبدو ممتازة، لكن المشكلة التي رأتها فيه (ن) أنه يصغرها على الأقل بثماني سنوات. تمت الخطوبة وكانت أولى الدعوات إلى تلك الحفلة (العرافة) التي كان لحجابها وبخورها فعل السحر في وصول العريس المنتظر وبالطبع فإنها لم تنس أن تطالب بحقها المتأخر وهو نحو 30 ألف دولار. مر أسبوع الخطوبة حاول والد (ن) أن يتقصى عن العريس وعندما سأل عنه في الوزارة التي يعمل فيها أخبروه بأنه مسافر. في اليوم الثاني جاء العريس حاملاً هدايا كثيرة ولم ينس (ن) بخاتم من الألماس، كان شكله جميلاً جداً حتى أنه لفت أنظار كل من رآه من أسرة (ن)، وفي أثناء الحديث قال العريس: بأنه ذهب إلى خارج البلاد لعقد صفقة تجارية لحسابه وأنه سيبدأ التجارة في إحدى المناطق الحرة.

وطلب والد (ن) من خطيب ابنته أن يتروى في الأمر لكن الرجل قال بأنه عقد العزم على ترك الوظيفة ودخول عالم التجارة، حيث لقيت هذه الخطوة تشجيعاً من (ن) مرت الأيام والعريس مشغول في استئجار المحل التجاري ووضع الديكورات اللازمة لذلك، وكان هذا الأمر يشغله بعض الوقت عن خطيبته (ن) التي كانت تتصل به على هاتفه النقال لتطمئن عليه وعلى عمله التجاري الجديد، وفي أحد الأيام حاولت (ن) أن تتصل بخطيبها لكن هاتفه لم يجب حاولت مرة واثنتين وثلاثا ولكن من دون نتيجة وفي اليوم الثاني كررت المحاولة وكذلك في اليوم الثالث.

ولكن من دون نتيجة ما جعلها تنشغل عليه، وأخيراً جاءتها مكالمة منه يخبرها فيها بأن البضاعة التي طلبها وصلته وهو مشغول في الميناء، وطلب منها إن كانت تملك الوقت والمال أن تأتي إليه في الميناء، لأنه بحاجة إلى « 000 ,50» دولار لإكمال إخراج البضائع، بعد نحو ساعتين كانت «ن» في الميناء عند خطيبها، حيث وجدته في قسم الجمارك، فسلمته المبلغ عندما أخذ المبلغ منها أعطاها رقم المعرض الذي يستأجره في المنطقة الحرة وطلب منها أن تأتي هناك لتأخذ فلوسها منه.

حيث يحتفظ بمبلغ «000 ,100» دولار في خزنة المعرض، قالت له «ن» لا عليك سأنتظرك في بيت والدي في المساء لنتناول العشاء مع أسرتي، انتظرت «ن» لكن خطيبها لم يأت، وهنا حاولت الاتصال به على هاتفه النقال، لكن الهاتف لم يجب وبعد اتصال أكثر من مرة بدأ الهاتف يظهر أنه مغلق، أصاب «ن» شيء من القلق، وفي صباح اليوم الثاني، اتصلت بخطيبها ولكن بلا مجيب. في المساء أخبرت والدها الذي ذهب معها إلى المنطقة الحرة ليسألا عن خطيب «ن» فوجدا أن المعرض الذي يتكلم عنه غير موجود.

بدأت الشكوك تتسرب إلى نفس والد «ن»، حيث ذهب إلى المكان الذي يعمل فيه «ن» وعندما استفسر عنه أخبره العاملون في الوزارة بأن خطيب ابنته يعمل موظفاً في الأرشيف، وأنه لم يستقل وليست له أية نشاطات تجارية، عرف والد «ن» بأنه وابنته وقعا في فخ رجل نصاب، لذا قرر أن يسترجع أموال ابنته.

بلاغ إلى الشرطة

ذهب والد «ن» إلى الشرطة وقدم بلاغاً بالحادث متهماً خطيب ابنته بالغش والخداع، وطالب باسترجاع الـ 000,50 دولار. بدأت الشرطة تتحرك حيث ألقت القبض على خطيب «ن» الذي اعترف بأنه خطب «ن» بالطريقة الرسمية وأنه لم يرتكب خطأ في ذلك، حيث إن أهلها وافقوا على الخطبة برضاهم، أما عن المبلغ الذي أخذه من «ن» فقال بأنه لم يأخذ شيئاً، وإن كان لديها أي إِثبات يمكنها أن تقدمه، أحس ضابط التحقيق بأن الرجل يكذب لكن ليس هناك دليل مادي لإدانته، فخطيبته لم تأخذ منه إقراراً على أنه استدان منها أي مبلغ، تحولت القضية إلى المحكمة، ما جعل «ن» تشعر بالخجل أن تذهب إلى هناك لتتابع قضيتها.

فرغم وجود محامٍ إلا أن الأمر يتطلب وجودها هي أيضاً في بعض الأحيان، لذا قررت أن تتنازل عن القضية حفاظاً عن سمعتها، في الوقت ذاته ذهبت إلى إحدى محلات صياغة الذهب لتعرف قيمة الخاتم الذي اشتراه لها خطيبها فلعل سعره يعوض بعضاً من خسارتها لكن المفاجأة كانت كبيرة، حيث إن الخاتم لم يكن سعره يتجاوز دولاراً واحداً، فأحست «ن» بضيق شديد، فهي لا تستحق كل هذه المعاملة السيئة، لكنها قررت أن تنسى كل شيء وأن تستأنف حياتها من جديد.

بلاغ جديد

في هذه الأثناء تسلمت الأجهزة الشرطية بلاغاً من والد إحدى الفتيات يشير فيه إلى أن ابنته تعرضت لعملية نصب من خطيبها وأنه أخذ منها مبلغاً كبيراً، وأنه يرفض إتمام الزفاف وإعادة المبلغ، وعندما قامت الشرطة باعتقال الشخص وجدته هو ذاته الذي اشتكت عليه «ن»، وهنا كان لا مناص من معرفة الحقيقة، حيث بدأت الشرطة تحاصر الشخص من كل الجهات، وأخيراً اعترف بأنه يقوم بالنصب على الفتيات اللواتي يشعرن بأنه فاتهن قطار الزواج.

حيث يذهب لطلب يد الفتاة على أنه شخصية مهمة ولكي يقوم بتمثيل الدور على أكمل وجه يحمل في يده هاتفاً متحركاً حديثاً وميدالية ذهبية أما السيارة فيستأجرها من أحد الفنادق وهكذا يخيل لأهل العروس بأنه الشخصية المهمة التي تتمنى كل أسرة أن تناسبها، وبعد ذلك يبدأ في رسم خططه لأخذ أموال خطيبته، وتتوالى اعترافات الرجل حيث قال إن إحدى الفتيات التي كان يمثل عليها دور الحب وخطبها استدانت له من أحد البنوك مبلغ 000 ,100 دولار في حين أن فتيات أخريات نصب عليهن ولم يقمن بالإبلاغ عنه لان مراكزهن أو مراكز أسرهن حساسة ولا تسمح بذلك لذا فهم يفضلون ضياع المال على الفضيحة وكلام الناس وعندما سأله الضابط كيف يتعرف على هؤلاء الفتيات وكيف يعرف ظروفهن الخاصة جداً؟

تردد في البداية أن يقول الحقيقة ولكن عندما ضغط عليه الضابط أخبرة بأن (العرافة) التي تذهب إليها الفتيات طلباً للزواج هي في الأصل عمته أخت والده لذا ما تكاد الفتاة أو والدة الفتاة تأتي إلى العرافة لتسألها عن مسألة زواج ابنتها وتطلب منها المساعدة حتى تبدأ عمته في وضع الخطة والتي تتلخص في أن (أذهب بعد أسبوع أو أسبوعين لخطبة الفتاة وكأن الأمر جاء نتيجة لفك السحر الذي قامت به عمتي وطبعاً كل هذا يتم دون أن يعرف أهل العروس أن «العرافة» هي عمتي، وانني جئت لطلب يد ابنتهم نتيجة لاتفاق مسبق مع عمتي وهكذا تسير الأمور فتأخذ عمتي جزءاً من الغنيمة وأنا أخذ الجزء الآخر).

بعد هذه الاعترافات ذهبت الشرطة إلى العرافة لاعتقالها، وعندما عرفت سبب قدومهم قالت لهم أخرجوا من بيتي وإلا فأنني سأسخر الشياطين لتأخذكم حالاً إلى العالم السفلي، إلا أن الضابط أصر على أخذها معه قائلاً لها أريدك أن تتولي لشياطينك أن يأخذوني إلى العالم السفلي، حاولت المرأة أن تقوم ببعض الحركات لإخافة الضابط، وان تريه شيئا من قدراتها السحرية إلا أن ذلك لم يزده إلا إصرارا على أخذها للتحقيق. بعد شهر اتصل أحد الضباط بـ (ن) طالباً منها الحضور لأخذ المبلغ الذي استلفه منها خطيبها.

حيث تم استرداده منه، عند ذلك دار حديث بين الضابط و(ن) حيث قال لها لقد أدخلت نفسك في ورطة مع هذه المشعوذة، فقد كان الأجدر بك أن لا تقعي في مثل هذه المواقف المحرجة خاصة وأني عرفت مكانتك الاجتماعية والعلمية والوظيفية، أحست (ن) بالخجل قائلة إنها ما كانت لتفعل ذلك ولا لتذهب إلى تلك المرأة لولا أن والدتها أخذتها إليها دون علمها، وان والدتها فعلت ذلك خوفاً عليها وحرصاً على مستقبلها، أخذت (ن) النقود وانصرفت وهي لا تصدق ما حصل لها فقد كان كابوساً قاسياً وتجربة مؤلمة لها وللفتيات اللواتي وقعن في الفخ ذاته.

إعداد: أحمد سلطان