قال الشيخ: لا تحتاجون إلى من يخبركم أحبائي أن الملايين في العالم يموتون جوعاً كل عام وأكثرهم من الأطفال، ونحن مصرون على احتقار نعم الله وعدم تقديرها حق قدرها.
والأصل في الإنسان أنه يأكل ليعيش لا يعيش ليأكل، وما نقرأه كل يوم ونسمع به عن ارتفاع نسب البدانة وما تجر وراءها من أمراض خطيرة تعني شيئاً واحداً: هو أن إرادة الإنسان وسيطرته على نفسه وعلى التهامه للطعام قد وصلت إلى أدنى حدودها، وان عصر الاستهلاك والإعلان أوصلنا إلى حالٍ نفرغ فيها الطعام في أجوافنا دون أي حرص أو انتباه إلى ما يقوله الأطباء والعلماء، مع أن كثيراً مما نلتهمه قد نزع ما فيه من فائدة وأضيف إليه من السموم والمواد الصناعية ما بدت أمراضه وآثاره السلبية تظهر على السطح..... ولا حياة لمن تنادي.
إلا أن ما هو أسوأ من تناول كثير من الطعام تضييعه وإفساده وتبديده، فما ينجو من إفراغه في أجوافنا يرمى في المزابل مع المهملات، وأكثر جيل اليوم لم يعد يقدر قيمة النعم حق قدرها فهو يأكل ويبدْد، ويبدد أكثر مما يأكل في حالة مروعة من سوء التدبير والتقدير وسوء الأدب مع رب العالمين.
وشر ما شاع في زماننا ما يسمى بالموائد المفتوحة، حيث يوضع على المائدة أكثر من خمسين صنفاً بين مقبلات وأطباق رئيسية وحلويات وفواكه، ولما كان تناول أي نوع وأي كم من أي نوع ممكناً وبنفس السعر أو الثمن فإن أكثر من يقصدون هذه الموائد يأكلون حتى التخمة ويرمون أكثر مما يأكلون، إن أكثرنا لم يتعلم كيف يأخذ من المتاح قدر حاجته، وهكذا تجد الواحد منا يملأ طبقاً بعد طبق، يأكل من كل واحدٍ ربعه أو نصفه ويترك الباقي لينتقل إلى التالي، فالأمر عنده أشبه بملحمةٍ يريد أن يخرج منها من المنتصرين.
هل يجدي مثلاً أن تقول للناس ان الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل في اليوم وجبتين مشبعتين، وهل يجدي أن تقول لهم انه عليه أفضل الصلوات والتسليم مع نفر من صحابته كانوا يربطون الحجارة إلى بطونهم من شدة الجوع، وهل يجدي أن تقول لهم ان رسول الله قال: »ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه«، وانه قال في موطن آخر: »الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد«، وأن سيدنا عمر بن الخطاب قال: »إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسد مورثة للسقم«.
ومما مّر معي أحبتي انني كنت يوماً في مطعم من ذوي الموائد المفتوحة، وكنت يومها واحداً من مجموعة قصدت العمرة، أخذت طبقاً خالياً ووقفت في الطابور منتظراً أن أمر على المائدة لأختار ما أشاء وتشتهيه نفسي، وكان أمامي شاب قدرت أنه في الثلاثين من عمره، وكان ينظر إلى أصناف الطعام فيسب ويشتم ويلعن مع أن المائدة لم تخل يومها من نوع من أنواع اللحوم أو الخضراوات أو الفواكه، استأذنت منه وقلت له: »يا أخي أنت أتيت إلى هذه البلاد في عبادة ومن كمال عبادتك أن تشكر الله على هذا الرزق الوافر الكثير، نظر إلي الشاب بترفع معبراً عن حاله وسأمه من تكرار أصناف الطعام بعد أن اتهمني بأنني لم أر في حياتي شيئاً وأن مثل هذه الموائد تليق بمن هم مثلي ممن لا يعرفون كيف يتذوقون الطعام«.
ومن أسوأ ما رأيت وعلمت أن بعض الفنادق يقام فيها يوم الجمعة ما يسمى بـ (البرانش) حيث تشترك كل مطاعم الفندق في موائد تبدأ ولا تنتهي مما يجعل المرء حتى لو أراد تذوق كل صنف بلقمة واحدة متخماً لا يستطيع حراكاً، ولا أعرف سر المتعة في أن يملأ المرء بطنه بعشرات الأصناف من الطعام ثم يشعر بالأوجاع والآلام وفي أحسن الأحوال يشعر بثقل من لا يقدر على الحراك.
وشر الموائد المفتوحة ـــــ التي أراها كلها شروراً ـــــ ما يقام في رمضان حيث تشتهي نفوس الصائمين كل ما هو موضوع على المائدة فيملأون أطباقهم بأكثر مما يطيقون، حتى إذا أذن المغرب أقبلوا على طعامهم بافتراس لا يوصف، فيتخمون ويبددون من الطعام أكثر مما يأكلون، وتضيع الحكمة من رمضان والصيام فيه فإذا كان الصيام واجباً فإن المبذرين وصفوا بأنهم إخوان الشياطين.
ماهر سقا أميني