»الإنسان العاقل يرضى بما قسم الله له ولا ينظر إلى من هو فوقه مالاً أو أكثر منه ولداً«
نعم الله على الإنسان لا تعد ولا تحصى، وليست النعم وقفاً على المال فقط، فهناك نعمة الصحة ونعمة الأولاد، ونعمة الزوجة الصالحة، ونعمة الجار الصالح »وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها«.
والابتلاء سنة الحياة، فقد يبتلي الله الإنسان بالغنى كما يبتليه بالفقر، ويبتليه بالصحة كما يبتليه بالمرض، ويبتليه بالأولاد كما يبتليه بالعقم ليظل المسلم دائماً بين الشكر والصبر.
وفي حديث لأبى ذر رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير: أوصاني بألا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مراً، وأوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة«.
هذا الحديث يجمع من الخير عدة خصال تمنح الإنسان السعادة الكاملة وتحقق له الاستقرار النفسي والاجتماعي وتجعله عضواً نافعاً في مجتمعه.
فالخصلة الأولى: »أوصاني بألا أنظر إلى من هو فوقي وأن أنظر إلى من هو دوني«.
هذه وصية جامعة، فالرزق في هذه الحياة يساق حسب الحكمة الإلهية، قال تعالى: »نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون«.
والإنسان العاقل يرضى بما قسم الله له ولا ينظر إلى من هو فوقه مالاً أو أكثر منه ولداً وهكذا فهذا النظر يورث الإنسان احتقار نعم الله عليه، ويجعله في هلع وكرب، ويصيبه بالقلق فيصبح مهموماً محزوناً.
لكن إذا نظر إلى من هو دونه فسيعلم أن الله قد حباه بفضل وأمده بنعم لا يستطيع الوفاء بشكرها.
وأما الخصلة الثانية: »وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم«، وهذه وصية خير وبر وصلة، والمسلم لا يتعالى على خلق الله، بل يتواضع ويقرب من عامة الناس.
وتعبير المساكين مقصود به عامة الناس فضلاً عما قد يوحي به من ضرورة إنفاق المال وإطعام الطعام والسعي في حوائج الناس، والإنسان مهما أوتي فهو ضعيف في كل شيء »يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد«.
فالمسلم لا يتكبر ولا يتصاغر ويعيش بعزة الله التي كتبها لعباده المؤمنين: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين).
والخصلة الثالثة: »وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت«.
حقيقة صلة الرحم السعي إليها ومعاهدتها وقضاء مصالحها وإن أدبرت، فالمسلم يعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ويحسن إلى من أساء إليه.
وإذا كان المسلم مطالب شرعاً بالعفو والصفح العام ففي حق الأقربين أولى.
ويحذر الله سبحانه وتعالى من قطع الأرحام، قال تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم).
(واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً).
وقال صلى الله عليه وسلم: »لا يدخل الجنة قاطع«.
والخصلة الرابعة: »وأوصاني ألا أخاف في الله لومة لائم«.
المسلم حريص على دعوة الحق، ويتحمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويوجه النصيحة خالصة لوجه الله، لا يخشى أحداً إلا الله، فالدين النصيحة، وليس هناك مداهنة في الحق، فالحق أحق أن يتبع، كل ما هناك أن كلمة الحق تحتاج إلى أدب وحكمة كما قال ربنا جل شأنه: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
الخصلة الخامسة: »وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مراً«.
فإذا كان المسلم يدعو الناس إلى الحق ولا يخاف في الله لومة لائم فأحرى به أن يلتزم هو بالحق في نفسه ويتحمل تبعاته ولو كان يشق ذلك عليه.
فكلمة الحق قد تتعلق بالشخص في ذاته وقد تتعلق بالآخرين فالمسلم يلتزم بالحق في نفسه ويحملها على اتباعه ــ كما قال تعالى: ( ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين).
وقال صلى الله عليه وسلم: »لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به«.
الخصلة السادسة: »وأوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة«.
هذه الوصية جماع الخيرات كلها، فهي تربية للمسلم عقدياً، وربط له بآفاق الملأ الأعلى، واستشعار وخضوع لعظمة الله وكبريائه، وركون وتوكل على الحي الذي لا يموت.
فالإنسان لا حول له ولا قوة وإنما قوته مستمدة من قوة الله، وعزته من عزة الله، فلا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه.
رجاء علي