أكد المشاركون بالمؤتمر العالمي العاشر للشباب الإسلامي الذي عقد بالقاهرة تحت رعاية د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف أنه من الضروري أن يتخلص مفكرو الأمة الإسلامية من تلك الجدليات الفكرية المبنية على الهوى والتجني من أجل تحرير العقل الإسلامي من المعتقدات الباطلة.
وطالب المشاركون وسائل الإعلام الإسلامية بضرورة التدقيق فيما تقدمه من مواد صحفية أو إذاعية أو تليفزيونية للأجيال الصاعدة، وذلك حتى تخلو من تلك المغالطات، التي تكررت في وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة، مشددين على أهمية سعي رموز الفكر الإسلامي للوصول إلى أفكار بناءة تساعد الشباب المسلم على المساهمة بفاعلية في بناء الأمة الإسلامية.
وأوصى المشاركون بالمؤتمر، الذي جاء بعنوان (الشباب وبناء المستقبل) متخذي القرار وصانعي السياسة بالبلدان الإسلامية بضرورة الاهتمام بفئة الشباب الذين يمثلون الفئة الكبرى بين السكان، والذين هم وقود التنمية الشاملة في هذه البلدان، ومن ثم القيام على رعايتهم وتوجيههم من الأمور المهمة التي لا مناص منها.
وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف بالمملكة العربية السعودية: إن المملكة ترى من واجباتها الأساسية رفع راية الإسلام والدعوة إليه، ودعم المسلمين أينما كانوا، وذلك لما حباه الله به بأن جعلها قبلة المسلمين، ومهبط الوحي، ومبعث الرسول الكريم، فإذا كان العمل الخيري قد تعثر بعض الشيء في أوقات مضت، فإن هذا يدعونا إلى بذل كل ما في الوسع من جهد لحماية هذا العمل، والنهوض به ومضاعفة الجهود المبذولة لأجله.
شريحة كبرى
وأعرب عن تفاؤله بمستقبل مشرق للعمل الخيري المؤسسي، خاصة أنه صمد أمام تحديات كبرى كادت تعصف به، ولكن صبر المؤسسات والعلماء والدعاة وتعاملهم بحكمة وحنكة مع هذه التحديات زلل منها الكثير، وفتح أفاقاً جديدة ودروبا نيرة تحتاج حسن استغلالها لتعود بالنفع على أمتنا الإسلامية.
وأوضح آل الشيخ أن شباب الأمة الإسلامية يمثلون الشريحة الكبرى من المجتمعات الإسلامية، ولذا هم محط أنظار الكثيرين لما هو معقود عليهم من آمال وطموحات، وبالتالي فهم في حاجة منا إلى تقديم العون الذين يحتاجون إليه من مؤتمرات وخطط إستراتيجية تأخذ بأيديهم وتعينهم على السعي إلى مستقبل مشرق.
ودعا إلى إيجاد إعلام إسلامي مستنير يتعهد الفرد المسلم منذ ولادته وحتى مماته يترفع عما يخدش الحياء العام وما فيه من انتهاك للأخلاق والآداب، وينأى بنفسه عن نشر الأدب الساقط، أو ملء الفراغ باللهو المحرم، كما أن الخطاب الإسلامي يجب أن يكون له مردود تعليمي وإرشادي دفاعي يتصدى للغزو الثقافي وملوثات الأفكار والقيم ويجمع كلمة المسلمين، ويقدم ما يخدم الإسلام ويعزز مكانته.
تحديات كبيرة
وأكد د. صالح بن سليمان الوهيبي الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي أنه بهذا المؤتمر تنتهي الدورة التاسعة للندوة التي جاءت في مرحلة دقيقة اتسمت بتحديات كبيرة للعمل الخيري، ومع ذلك فقد أنجزت الندوة فيها برامج ومشروعات كثيرة إذ قدمت الندوة خلال السنوات الأربع (178 و8) منحة دراسية في بلدان عديدة لطلاب فقراء لا يستطيعون متابعة دراستهم من غير تقديم المساعدة لهم،
كذلك قامت الندوة بتقديم أكثر من (566, 123) كفالة يتيم بمعدل يجاوز (000, 30) كفالة سنوية، وكفلت (695, 3) أسرة فقيرة في مناطق كثيرة من العالم، كما ساهمت في تقديم خدمات إغاثة وطبية لآلاف المتضررين في آسيا وأفريقيا، ومازالت مستمرة في ذلك في كل من اندونيسيا، سريلانكا، كشمير، النيجر، العراق، فلسطين، لبنان، ومناطق أخرى من إفريقيا.
التعريف بالإسلام
وأشار د. صالح إلى أن الندوة أسهمت في التعريف بالإسلام والذود عن الدعوة، ونبيها الكريم، فنشرت الكتب والمطويات والمقالات الصحافية والبيانات، ودعمت برامج لهذا الغرض في أوروبا وأميركا بالتعاون مع بعض الجمعيات المحلية، وكفلت الدعاة والمعلمين والمرشدين، واستضافت الشباب ووجهاء الجاليات ودعاتها في حملات حج وعمرة منتظمة،
وفى مجال المشروعات نفذت الندوة (581) مشروعاً تعليمياً، (14) مشروعاً صحياً، وبنت (788 ,1) مسجداً، وحفرت (090 ,5) بئراً، موضعا أن مستوى الدعم في هذه الدورة قد انخفض نتيجة للضغوط الدولية على الجمعيات الإسلامية والعمل الدعوى والخيري وإرهاب المتبرعين.
ومن جهتها أكدت نانسي بكير الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية في الكلمة التي ألقتها نيابة عن الأمين العام للجامعة أن الدول العربية بعد أن أخذت بمبدأ العناية بالشباب ضمن جهودها لتنمية مواردها البشرية تحقيقاً لأهدافها، فقد سعت إلى جعل تلك الأهداف متكاملة مع الأهداف العليا للأمة العربية، التي يمكن بلورتها في الوحدة القومية لكي تصون بها وجودها وتحقق التنمية الشاملة،
وترسي قواعد المساواة والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان والارتقاء بالمواطن العربي، وتمكيناً له من تطوير ذاته وشخصيته والسعي بكل ما أودعه الله في أمتنا من قوة العقيدة وطاقة الفكر والعمل لخير الإنسانية وتقدمها.
وأوضحت نانسي بكير أن ما يزيد من أهمية الشباب أنه يمثل قطاعاً مهماً وواسعاً، مؤثراً ومتأثراً يتخلل به كل مجتمعاتنا العربية، الذي يرتكز على الشباب لتحقيق أهداف الوطن العربي، حيث يتوقف مستقبله على ما تبذله الأجيال الحاضرة من جهود وخدمات للشباب العربي، وما تستثمره في إعداده كطاقة خلاقة متفوقة تقود مجتمع الغد العربي وتطوره بفكرها وخبراتها ومهارات.
وأضافت: ان الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل فبقدر ما نرعاه الرعاية السليمة وما نوفره له من إمكانات، ونشركه في التخطيط بقدر ما يكون قادراً على التفاعل بإيجابية مع قضايا أمته ومع قضايا الشباب بالعالم من أجل البناء والعدالة والتطوير، وعليه فإنه من باب أولى أن نراعى الإتقان والتجويد لعملنا ولنشاطاتنا، فكم كنت أتمنى أن أرى من يمثل الشباب وسط المسؤولين عن هذا المؤتمر، فهم يصرون وأنا أتفق معهم في ذلك، على أن يتحدثوا إلينا وليس فقط الاستماع لنا، بل أن يعبروا عن أنفسهم بذاتهم.
إعداد جيد
وقال د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري: إن على الدول أن تعمد إلى تربية شبابها تربية سليمة لتجعلهم قادرين على تحمل المسؤولية، لذا فإن ثروة العالم الإسلامي في شبابه، وليس فيما يملكه من ثروات مادية طبيعية، خاصة أن طاقة الشباب بمقدورها أن تنجز المعجزات إذا أحسن ترشيدها وتوجيهها بشكل سليم.
وأشار إلى أن الإسلام دائما حريص منذ اللحظات الأولى على إعداد الشباب لتحمل المسؤولية، ولم يكن هذا الإعداد مجرد تلقين نظري، وإنما كان تدريباً علمياً وممارسة على أرض الواقع، غير أن عالمنا اليوم يموج بتيارات متناقضة على نحو غير مسبوق فتيار العولمة الزاحف بكل قوة عبر العديد من القنوات والمؤسسات الدولية له تأثيراته القوية على الشباب، ولا يخفى على أحد ما تقدمه العولمة للشباب من خلال وسائل الاتصال والمعلومات وثورة التكنولوجيا الراهنة.
وأوضح إلى أنه إذا كان من المستحيل إيقاف قطار العولمة، فإننا من ناحية أخرى ينبغي أن نتبين ما في هذا التيار من جوانب إيجابية وأخرى سلبية حتى نستفيد من الإيجابيات ونتجنب السلبيات، وأنه من الضروري يحرص المسؤولون على حماية هذا الشباب المسلم، ليكون قادراً على الإسهام في بناء المستقبل،
وذلك بتحصينه ضد التيارات الضارة التي تحيط به من كل حدب وصوب فضلا عن تزويده بالقيم الإسلامية الأصلية، والتي تعد سياجاً منيعاً يحميه من الآثار السيئة للعولمة، كما يجب أن نقدم لهم تعاليم الإسلام على أساس من الكتاب والسنة، بعيدا عن أشكال التطرف أو الانغلاق، وأن نبصرهم بمقاصد الشريعة ووسيطاته تأكيدا على حرمة النفس الإنسانية، عملا على نشر التسامح بين أبناء الأمة الإسلامية.
وهذا يعنى والكلام لـ د. زقزوق ـ أن العدوان وترويح الآمنين لا يقره عقل ولا دين، وأن الإرهاب بكل صوره وأشكاله ظاهرة عالمية لا مكان لها في دين الإسلام، الذي يعتبر قتل نفس واحدة بمثابة قتل للإنسانية كلها، وبذلك نحمي شبابنا من الوقوع فريسة في أيدي فئات تسيء فهم الدين ولا تقيم وزناً لحرمة النفس الإنسانية، مؤكداً أن التشرذم الحالي، الذي تعاني منه الأمة الإسلامية قد أضعفها وجعلها مطمعاً للطامعين، كما هو حادث الآن في الكثير من بلدان العالم الإسلامي غير أن الأمل سيظل معقوداً على الشباب في تحقيق الكثير من الإنجازات لأمته الإسلامية.
مواجهة التحديات
ومن جانبه ذكر المشير عبدالرحمن سوار الذهب رئيس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية إن المؤتمر يعمل على تحديد أبعاد التحديات التي تواجه الشباب المسلم، لكشف أهداف التآمر ويناقش الخطط اللازمة للتأمين لتحقيق آمالنا العريضة في بناء مجتمع قوى بعيداً عن الانهزامية تسود فيه عزة المسلم وكرامة المواطن،
وللوقوف كحائط صد أمام آلة الإعلام الغربية الضخمة ـ ذات التدمير الشامل ـ والتي دخلت لمجتمعاتنا عبر الفضائيات دون استئذان، ناقلة إلينا ما يتصف به شباب الغرب من ضياع وأزمة ضمير حادة جعلتهم يعيشون في غربة وفراغ روحي نظرا لتحجيم العقيدة في واقع الحياة، فأسلمت بعضهم للانتحار، والبعض الآخر للهروب من الواقع بتعاطي المخدرات والمسكرات والإجرام بدوافع شتى.
وتساءل سوار الذهب قائلا: كيف نحمي شبابنا من الغزو الفكري والثقافة الغربية الهابطة، والرامية لطمس هويتهم وعقيدتهم الإسلامية، مما يسلمهم للإحساس بالضياع، موضحاً أن هذه الحماية تقتضى العمل على تزويد أبنائنا برصيد جيد وواسع من التوعية الثقافية، وهذا يتطلب توفير آراء العلماء وردودهم العلمية الشافية على كل أكاذيب الغرب، وترسيخ العقيدة الإيمانية في أذهان أبنائنا بصورة غير قابلة للاهتزاز في عقولهم.
وخلص سوار الذهب إلى أنه من الضروري أن يفخر الشباب المسلم بأن مسيرة الحضارة الإنسانية قد غزاها علماء المسلمين بعلومهم الثرية على مدار التاريخ، فمثلا هناك أبوبكر الرازي في علوم الطب، ابن سينا في الفلسفة، الخوازرمي في الرياضيات والفلك وغيرهم كثيرون، بل ان المنصفين من علماء الغرب، كالدكتور (هوكنغ) أستاذ الفلسفة في جامعة (هارفارد) قال: أشعر بأنني على حق حين أقرر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على جميع المبادئ اللازمة للنهوض الحضاري، كذلك (برنارد شو) الكاتب الإنجليزي الساخر قد قال: أرى واجبا أن يدعى محمد منقذ الإنسانية.
القاهرة ـ أسامة رمضان
من: وكالة الصحافة العربية
