أكد المشاركون بالمؤتمر الدولي الأول لإعلام الأزهر الشريف على ضرورة تبني وسائل الإعلام العربي استراتيجية موحدة للتعامل مع قضايا الفكر الإسلامي المتعددة، والاخذ بالتوصيات الصادرة عن مختلف المؤتمرات الدولية التي عقدت بهذا الشأن، واستجابة للمطالب العديدة الداعية للتصدي لكل ما يتهدد المسلمون في شتي بقاع الأرض، وخاصة ما يتعلق بالهجمات الغربية المنظمة، التي تستهدف القضاء على الإسلام وتغيير الفكرة السائدة عنه بكونه دين السماحة والسلام، ونشر فكر يغلب عليه المغالطات تلك التي تصف الإسلام بالعنف، وتتعامل معه، وكأنه المسؤول عن الإرهاب.

وطالب المشاركون بالمؤتمر الذي جاء تحت عنوان «الخطاب الإسلامي في وسائل الإعلام بين الثوابت الدينية والمتغيرات الدولية»، المجتمع الدولي بالاستجابة لدعاوى فضيلة الإمام الأكبر الخاصة بتشريع قانون دولي لحماية الأديان من الإزدراء، ليكون حائط صد يقف أمام هذا الفكر الضال الذي يتذرع بالحريات لإعلاء مغالطات وأخطاء بالغة الخطورة تزدري الأديان في مواقف عديدة، تلك التي كان آخرها حملات الرسوم الكاريكاتيرية، التي نشرت في بعض الصحف الغربية وتضامن بعض الأعمال الفنية غير المسؤولة.

وشدد المشاركون على ضرورة التنسيق بين المؤسسات الإعلامية في مختلف البلدان الإسلامية لمنع التخبط والتناقض، التي تعاني منه في بعض الخطابات الصادرة بخصوص درء بعض الشبهات أو الرد على بعض المغالطات، كتلك التي صدرت مؤخرا عن بابا الفاتيكان «بنديكت السادس عشر»، مشيرين في ذلك الى أهمية تفعيل دور البعثات الإسلامية، وكذا الأقليات الإسلامية بالخارج في متابعة ما يبث وينشر عن الإسلام والمسلمين في مختلف وسائل الإعلام الغربية للتصدي لها والرد عليها.

أشرف خطاب وفي كلمته أكد فضيلة الإمام الأكبر د. محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الشريف ـ أن الخطاب الإسلامي هو أشرف خطاب، لأنه خطاب الله تعالى الى أنبيائه ورسله، موضحا أن هذا الخطاب يقوم على ركيزتين وهما، كتاب الله المنزل والمنزه عن الخطأ، وسنة رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم يأتي بعد ذلك الفروع القائمة على الاجتهاد المبني على أسس صحيحة وقوية كي تزيده تأثيرا.

وشدد شيخ الأزهر على أن الخطاب الإسلامي في وسائل الإعلام الإسلامية لابد وأن يكون قويا منظما لكي يستطيع أن يخرس ألسنة الذين يسيئون الى الإسلام في ظل تسارع الأحداث وتعدد الحوادث، وأن نكبة المسلمين تبدو على أشدها في الداخل على الرغم من تنامي نكبات المسلمين في الخارج، مدللا على ذلك بالفتاوى العشوائية، التي تنشرها بعض وسائل الإعلام رغم تهديدها لثوابت الدين، وكذلك ظهور بعض المجلات والصحف غير الشريفة، التي تخصصت في الهجوم على الإسلام والتطاول على أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كالصحيفة التي ذكرت أسوأ عشر شخصيات في الإسلام، وذكرت من ضمنهم أربعة من المبشرين بالجنة.

وأضاف د. طنطاوي: أن الخطاب الإسلامي لابد وأن يكون قويا قادرا على مجابهة كل من يحاول النيل من الإسلام في الداخل والخارج، موضحا أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، وأنه دين جميع الأنبياء الذي هو يعني بإخلاص العباد لله الواحد.

وقال د. محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري في كلمته: إن قضية الخطاب الإسلامي أصبحت واحدة من أهم القضايا الملحة في الوقت الحالي، لذلك كثيرا ما يتردد صداها في المؤتمرات والمحافل الدولية الكبرى في بلاد الإسلام وخارجها، وكبر صدى هذه القضية يعود لأهمية أثرها على الفكر والحضارة الإسلامية والخطاب الإسلامي الإعلامي، إما أن يكون موجها للداخل أو موجها للخارج، فإذا نظرنا في الخطاب الداخلي تجد خلطا في الأمور وقلبا للأوضاع، وكثيرا من الفضائيات ووسائل الإعلام تهتم بأمور شكلية، ولها بعض الإثارة للجماهير، دون أدنى نظرة لمسؤوليتها عن تدني الفكر الديني لدى العامة بسبب تلك الإثارة.

أما الخطاب الموجه للخارج أو بالأحرى للغرب فوفق. د. زقزوق يكاد يكون غير كافي، وينبغي أن يكون له كوادر إعلامية مؤهلة ومدربة للقيام عليه، خاصة وأن المواجهة في الآونة الأخيرة يجب أن تستعين بخطاب إعلامي إسلامي منهجي، وليس بخطب إنشائية أو مواعظ سرعان ما تذوب، حيث إن القضية هي العقل والمنطق، والخطاب الإعلامي الإسلامي بذلك يطالب بضرورة السعي لتغيير العقل الإسلامي لكي يكون على كفاءة تؤهل المسلمين للوقوف بالحجة والبرهان أمام هذا السيل الجارف من الاتهامات الصادرة عن الغرب، فلابد من صحوة عقلية إسلامية لمخاطبة الآخر بالطريقة التي يفهمها ويميل إليها.

وأشار د. زقزوق الى أن لا يمكن أن يظل الوضع بهذا الحال، ولكن لابد من خطاب مقنع لرد الحملة الظالمة على الإسلام، خاصة أن المسلمين يشاركون في زيادة الهجوم على الإسلام بطريقة تفكيرهم، التي لا يغلب عليها العقل والمنطق، ولذلك يجب السعي قدما لإصلاح الخطاب الإسلامي، وهذا الإصلاح يستوجب وقفة مع النفس لترتيب هرم الأولويات، منتقدا قيام بعض وسائل الإعلام العربية والإسلامية بتوفير مساحة كبيرة لكل من يريد أن يغير ثوابت الدين، فإذا قال أحد أن التدخين لا يفسد الصوم، أو قال أحد أن نجعل الحج طوال العام نجد وسائل الإعلام تسعى وراءه لتقدم له هذا الفكر الأعوج المغلوط، الذي يتعارض مع صحيح الدين.

معضلات مزدوجة ومن جانبه أوضح د. أحمد الطيب - رئيس جامعة الأزهر - أن مشكلة الخطاب الإسلامي من المعضلات المزدوجة، نظرا لأن هذا الخطاب مطلوب منه أن يخاطب المسلمين وغير المسلمين في آن واحدة في وقت تكتظ الساحة الإسلامية بألاعيب خبيثة، كذلك الطرح الذي طفا مؤخرا على سطح الأحداث المتعلقة بمسألة الخلافات المذهبية، التي روج لها البعض على أنها أساس فارق بين الدخول في الإسلام من عدمه، رغم أن الصحيح في هذا الأمر أن يتم طرحه على أنه مجرد خلافات يمكن التجاوز فيها.

وأضاف د. الطيب: إن نكبة الخطاب الإسلامي في الآونة الأخيرة لم تقتصر فيما أصابت الخطاب الإعلامي في الداخل فحسب بل طالت هذه النكبة وبشدة الخطاب الإسلامي في الخارج، فوجدنا خطابا مماثلا لدي المسلمين الذين يعيشون في الغرب رغم أن الظروف هناك تختلف، وهذا الضعف والخلل الذي اعترى الخطاب الإسلامي الموجه للخارج أثر بالسلب على أحوال المسلمين في البلاد الغربية.

وخلص د. جابر الطماوي رئيس قسم الإعلام بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر - من خلال البحث الذي عرض في المؤتمر الى أن غالبية النخبة في البلاد الإسلامية ترى أن الدعوة لتجديد الخطاب الديني جاءت لعوامل تتعلق بإعداد المسلم ولتصحيح صورة المسلمين، ولعدم أهلية الخطاب الديني الحالي لمسايرة المتغيرات الدولية أكثر من كون هذه الدعوي جاءت لضغوط خارجية أو داخلية، وأنهم يوافقون وبنسبة 98% على تجديد الخطاب الديني نظرا لتقصير الخطاب الديني الآني وفشله في إبراز الوجه الحضاري للإسلام والمسلمين.

وأوضح د. جابر من خلال دراسته أن المضامين،التي ينبغي أن يركز عليها الخطاب الديني من وجهة نظر النخبة في شرح شمول الدين الإسلامي للمعاملات والأمور الحياتية اليومية، والتركيز على القضايا المعاصرة ومعالجتها الإسلامية، والتركيز على التسامح الإسلامي مع أصحاب الديانات الأخرى، والدعوة الى الفصل بين الإرهاب والتطرف والتمسك بصحيح العقيدة والتركيز على مفهوم الوحدة بين المسلمين، والتكامل الاجتماعي، وشريطة أن يستعين هذا الخطاب بتكنولوجيا الاتصال الحديثة.

وعن الفجوة «الاتصالية والرقمية، التي تعوق الخطاب الإسلامي الدولي وكيفية معالجتها» تحدث د. سامي الكومي - أستاذ الصحافة بجامعة الأزهر - قائلا: اتسعت الفجوة الاتصالية بين الدول المتقدمة والدول النامية، نظرا لأن الدول المتقدمة والدول النامية تقارير اليونسكو - تسيطر على 92% من الطيف اللاسلكي، ومن المواد الذي تطلق عليه الأقمار الصناعية، وأن هذه الدول تمتلك 98% من إمكانات الحاسب الآلي، ومعني ذلك سيطرة هذه الدول في مجالات الاتصالات، ومن ثم سيادة الثقافة والأفكار الخاصة بالدول المتقدمة، مما يمثل خطرا بالغا على الخصوصية الثقافية وتنوعها الخاص بالدول النامية.

وطالب د. الكومي المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بالدول الإسلامية بضرورة السعي قدما لمعالجة هذه الفجوة الرقمية والاتصالية، وذلك للحفاظ على الخصوصية الثقافية للدول الإسلامية، ومن قبلها الخطاب الديني الإسلامي، خاصة أن من يمتلك المعلومة هو صاحب القرار في عالم اليوم والغد.

وأشارت د.عزة مختار البنا أستاذ علم الاجتماع بكلية الدراسات الإنسانية بالقاهرة الى أن الحاجة أصبحت ملحة الى ضرورة إبراز صورة الإسلام والمسلمين في هذا العصر، الذي كثرت فيه الافتراءات والأباطيل التي يروجها خصوم الإسلام، لأنه موقف عدائي وعنصري وبعيد كل البعد عن صورة الإسلام الحقيقية التي لا يريد أن يراها الآخرون، وكل هذا التشويه تتناقله وسائل الإعلام الغربية، لأن الإسلام بالنسبة لهم الخطر الوحيد والمارد الجبار، الذي يواجه الحضارة المسيحية.

وشددت د. عزة على أنه بات لزاما على جميع الهيئات والجهات التي تدين بالإسلام، وكذا الأفراد أن تؤدي دورا في تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في الداخل والخارج وأنه من ضمن هذه الجهات الأقليات الإسلامية التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من العالم الإسلامي وتمثل نسبة مرتفعة من تعداد المسلمين في الخارج، التي يجب عليها أن تسارع الى شرح مبادئ الإسلام في مجتمعاتهم، والرد بالحكمة والموعظة الحسنة على الدعاوي المعرضة، والإعلان المستمر عن تمسكهم بمبادئ الإسلام في حياتهم ليعطوا صورة واقعية عن الإسلام، والاستفادة من كافة وسائل الاتصال الحديثة في نشر الإسلام وتصحيح صورته وتعليم لغة القرآن.

عوامل مؤثرة أما الباحث الإعلامي عبدالراضي حمدي، فتحدث عن العوامل المؤثرة في فاعلية الخطاب الإسلامي في مواجهة الحملات الدعائية الغربية قائلا: لاشك أن الخطاب الإعلامي الإسلامي يواجه تحديات ومعوقات كثيرة في المنظومة الفكرية والثقافية والاجتماعية للأمة الإسلامية، بالإضافة الى عدم وجود استراتيجية إعلامية موحدة ينطلق فيها تلك الخطاب، وضعف الكوادر الإعلامية وعدم إلمامها بالمستجدات والتقنيات الحديثة في مجال الاتصالات وغيره من المجالات الأخرى.

وأضاف حمدي: كما أن التداعيات الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وضعت الخطاب الإسلامي في مأزق بعد انتشار موجة العداء الإسلامي وتشويهه، والتعامل معه على أنه دين العنف والإرهاب والتخلف، مما زاد بدوره من تشويه صورته وصورة إتباعه في أذهان الشعوب الغربية وأوصي الباحث الإعلامي بضرورة أن تقوم وسائل الإعلام بدور مؤثر في صياغة الصورة النمطية للشعوب والأمم، مستخدمه في ذلك كل جديد في وسائل الإعلام والاتصال، وذلك لإعادة التوازن للمسلمين سواء داخل بلدانهم أم خارجها هذا التوازن، الذي فقد على أثر الوهن الذي يعاني من الخطاب الإسلامي الحالي.

القاهرة من - وكالة الصحافة العربية